fb

عنفوان ردح أم لغة حوار؟

17 آذار (مارس) 2010 , بقلم د. سيار الجميل

لا أدري لماذا يتفاقم الردح السياسي كثيراً عند العراقيين اليوم؟ ولماذا تتحّول اللغة السياسية في ما بينهم إلى لغة شتائم وسباب وصب لعنات حتى العظام؟ لا أدري لماذا تتحول الحوارات السياسية إلى معركة ضباع تثير الاشمئزاز..

بينما تريح من كان في الضد وتؤجج الغلو والأحقاد لمن كان من المؤيدين؟ لماذا يتحّول فهم الأفكار والآراء إلى بيت دعارة، وبثّ تفاهة، ولغة شوارع؟ لا أدري لماذا رضي بعض المثقفين أن يجردوا أسلحتهم الكلامية لينزلوا هذا الميدان الآسن، ليشاركوا في عرس مجنون من لغة القدح والتسفيه والفوضى والتنكيل؟ لماذا لم يفهموا أن الديمقراطية الحقيقية تبيح استخدام لغة معينة بين الخصوم السياسيين..

ولكن لا يمكن أن تكون لغة إسفاف تصدر عن أولئك الذين يسمون أنفسهم بمثقفين واختصاصيين؟ لماذا لم يدركوا أن الحريات تبيح استخدام اللغة السياسية المضادة لنسف الأفكار والتصريحات والشعارات..

ولكن لا تصل إلى التشهير ضد الآخرين والنيل من شخصياتهم، أو من وطنيتهم، أو من أعراقهم وأصولهم.. فكيف إذا حدث هذا في العراق، وهو يغلي اليوم بالصراعات لا السياسية فحسب، بل الدينية والطائفية والعرقية والمحلية؟

لا أدري كيف يسمح للإنسان أن ينال من الآخر، سواء في وطنيته أو من دينه أو ينال بالتجريح لطائفته أو قوميته وأصوله، وهو لا يكتفي للنيل من تفكيره السياسي أو فكرته أو حتى حلمه؟ ما هذا الوباء الذي يجتاح العراق، وهو يطفح بالأضداد من قبل العراقيين اليوم؟

لماذا كل التشفّي والارتياح من نيل جماعة ضد أخرى؟ ولماذا إلقاء كل التجريحات من البعض على الجميع؟ ما هذا الذي يحصل بين أكثريات وأقليات؟ لماذا يحّول الكثير من العراقيين بعض الأفكار السياسية أو المقترحات التشريعية إلى فتح الباب على رحبه بجعلها مسلمات قائمة، وتأجيج المواقف، وتأليب الصراع، والفتك بالبنية الاجتماعية بلا مبالاة ولا أي وخزة ضمير؟

لماذا لا ينظرون إلى وطنهم وليكونوا بحجمه أولا وأخيرا، كما دعوت إلى ذلك منذ العام 2003؟ لماذا يصارع أحدهم الآخر من أجل أن لا يأتي هذا، لكي يأتي أو يبقى ذاك؟ ما هذا العفن الفكري الذي يفتح المجال على رحبه لإشاعة الانقسامات وتكريس الصراعات..

وفي بالهم أنهم يشتغلون ديمقراطياً، وسواء كان هذا أو ذاك فالديمقراطية تفرض أن الشعب ينتخب من يريده منهما؟

إن الوطنية لا يحتكرها احد من الناس باسمه أو تحت يافطته، والاختلاف السياسي لا يقود إلى إلقاء التهم جزافا ضد كائن من كان من العراقيين.. لماذا يدينون المحاصصة ويعملون بها عندما يريدون فرض إرادتهم على الجميع؟ إن ما يصلح هو الذي يمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جفاء!

إن أساليب الردح والشتائم تثير السخط، وتأخذ لها طابع التناقضات الصارخة، وتأجيج الاحتقان بين أهل البلاد! والمثير حقا أن تجد بعض السياسيين يؤمنون بالتقدمية والديمقراطية والتمدن، ليصبحوا اليوم ليس أبواقا لهذا أو ذاك، بل غدوا مادة سهلة للاستلاب السياسي، وهم يهرجون مع المهرجين ويرقصون مع الراقصين في عرس مجنون..

وكم كنت أود أن أجد هؤلاء يترفعون عن الابتذال السياسي، وعن الأساليب الوضيعة التي يمارسها المتخاصمون على حلبة الصراع!

لم نجد مفكراً أو شاعراً أو أديباً أو عالماً متخصصاً.. في كل تجارب العالم الديمقراطية، يمارس مثل هذا العهر الذي يمارسه بعض المثقفين العراقيين، وهم يعتقدون أنهم يمارسون دورهم في بناء العملية السياسية، في حين أنهم كانوا وما زالوا وراء كل الخراب الحاصل، بسبب ما ينشرونه وما يتلفظون به وما يحلمون بحصوله..

إنهم يعبّرون فعلا عن سوء ما تربوا عليه من أحقاد، وهم لا ينظرون إلى الواقع بمنظار الوطن الكبير الذي يستوعب الجميع، بلا أي نعرات طائفية، ولا أي جنايات شوفينية، أو تعصبات قومية، أو صراعات الأغلبية والأقليات..

إن العراقيين بحاجة إلى الحوار البناء، لا إلى لغة الشوارع.. إنهم بحاجة إلى الهدوء والسكينة في معالجة شؤونهم، لا إلى تأجيج الأحقاد وزرع عوامل الفتنة.. إنهم بحاجة للوصول إلى حدود دنيا من قبول أحدهم الآخر، قبل أن يعيشوا الحريق والصراع وتكريس الانقسامات بحدودها العليا التي وجدنا نتائجها مريرة وثمارها متعفنة.

ليعرف كل عراقي أن ليس في استطاعته أن يقتلع العراقي الآخر من مكانه ومن وجوده.. ليعرف كل عراقي حجمه عندما يخاطب العراقي الآخر.. ليعرف أن العراق ليس له وحده، بل لكل العراقيين.. ليدرك القادة العراقيون الجدد أن ما يزرعونه من أعمال، وما يحققون من أفكار ومشروعات.. هي التي تخدمهم، ولن يخدمهم المهرجون والشتامون واللكامة والمتربصون والمتذللون.

وأقول لبعض المثقفين والكتاب المعروفين؛ كونوا أكبر من هذه الأساليب التي تمارسونها.. كونوا أكبر من الميادين التي تتبضعون منها.. كونوا أكبر من هؤلاء الذين تدافعون عنهم وأكبر من الذين تنالون منهم..

كونوا حياديين وتعلموا برغم شيخوخة أغلبكم، كيف يكون كل العراقيين في عقولكم وضمائركم.. وينبغي عليكم أن لا تقدحوا في أسماء معينة وتمجدوا أسماء أخرى.. فمن الأشياء التي تسيئون بها إلى أنفسكم وتواريخكم الشخصية، تصفيقكم لهذا وشتمكم لذاك..

اكتبوا ولكن بلا تشهير.. اكتبوا ولكن بلا تشخيص.. اكتبوا، فإن اختلفتم مع هذا أو اتفقتم مع ذاك، فقدموا البدائل، وعالجوا الأفكار، وقدموا المقترحات.. ودعوا الأجيال تتعلم منكم لغة الحوار الهادئ، دون أن تجعلوا ألسنتكم أو أقلامكم سكاكين ومباضع للموت، وكأننا في مجزرة مليئة بالقصابين.

مؤرخ عراقي

fb