fb

اوباما والعودة إلى نهج بوش

17 آذار (مارس) 2010 , بقلم فيكتور دافيز هانسون

يقال إن الامبراطور الروماني أغسطس قيصر، كان قبل تصوره لأي تغير دراماتيكي يحذر رعيته قائلاً: «أسرعوا بتمهل»! وكان ذلك الإمبراطور الإصلاحي راغباً في إجراء تحولات اجتماعية جذرية، لكنه كان يدرك أيضا أن عليه التعامل مع أجيال من العادات والتقاليد الرومانية، والألوف من المصالح الخاصة الراسخة.

وفي هذا الصدد يتعين على الرئيس الأميركي باراك أوباما الالتفات إلى نصيحة أغسطس، قبل أن يسعى لإجراء أية تغيرات شاملة، ومشؤومة.

لو أخذنا، على سبيل المثال، إصلاحاته المؤجلة الخاصة بالرعاية الصحية، فبدلاً من محاولته، على الفور، تحويل نظام صحي تابع للقطاع الخاص في معظمه، إلى قطاع نظامي ضخم تسيطر عليه الحكومة في زمن العجز التاريخي، كان الأفضل له لو توقف عن دعم إجراء تغيرات إضافية.

فإصلاح الأضرار سيقلص الدعاوى القضائية الطائشة، التي تتسبب في مصاريف طبية، أو كان سيتيح تنافس شركات التأمين الصحي من خلال الخطوط الحكومية. وكان بالإمكان تركيز الاعتماد الضريبي والمنح على غير المؤمن عليهم صحياً. وتكلفة مثل هذه التغييرات ستكون هامشية، بينما يكون التوفير الناجم عنها كبيراً.

وعوضاً عن ذلك، احتوى قانون الرعاية الصحية، الذي يزيد عدد صفحاته على 1000 صفحة، على كثير من التشريعات القانونية، التي لا يستطيع واضعوها من أعضاء الكونغرس تفسير تفاصيلها كافة، أو التكهن بتأثيرها.

ومن خلال الفحص الشامل الذي أجراه أوباما عليها، يبدو أنها ستلاقي المصير نفسه الذي لاقته الجهود الشاملة المشؤومة التي بذلها الرئيس الأسبق بيل كلينتون عام 1993، لإعادة صياغة الرعاية الصحية الأميركية.

كما وعد أوباما أيضا بإعادة صياغة الحرب على الإرهاب، بما فيها تغيير اسمها إلى «العمليات الخارجية الطارئة». وشن حملات لإنهاء المحاكم العسكرية، وعملية تسليم المدانين إلى البلاد التي ينتمون إليها، وكذلك إغلاق مركز اعتقال خليج غوانتانامو.

وكان يفترض إعادة تقليص صلاحيات القانون الوطني العام، وإعادة البحث في مسألة طائرات الاستطلاع من طراز «بريديتور» التي تعمل بالتحكم عن بعد. وعندما كان أوباما مرشحاً رئاسياً، طالب بسحب القوات الأميركية من العراق في مارس 2008.

وأعلن أن التعزيزات قد فشلت في وقف الحرب الضروس الناشبة هناك. وتم التخلي بالكامل عن استراتيجية إعادة الترتيب الشاملة للبيت الأميركي، وواصل أوباما عوضاً عن ذلك تطبيق كل البروتوكولات القديمة المناهضة للإرهاب، التي أصدرها سلفه بوش.

وعلى الرغم من حديثه في حملته الانتخابية عن وجوب الانسحاب من العراق على وجه السرعة، وانتقاده لترويع المدنيين الآمنين في مناطق الحروب، تابع الرئيس الأميركي كل سياسات الرئيس الأميركي السابق في أفغانستان والعراق.

كما لم تتحقق وعوده الصارخة بإغلاق معتقل غوانتانامو، واستجواب محققي المخابرات المركزية الأميركية السابقين، ومحاكمة بعض المتهمين بالإرهاب أمثال خالد شيخ محمد، في نيويورك، وربما لن تتحقق مطلقاً.

ونظرا لعدم مبالاته بالتفجر الداخلي لرعايته الصحية، ومواجهته التي كانت وشيكة للإرهاب، وفشله في استطلاعات الرأي، وعد أوباما جماعات المهاجرين من أميركا اللاتينية بأنه سيسعى لإجراء إصلاحات شاملة في قوانين الهجرة، وأنه قد يدعم «قانون الإصلاح الشامل للهجرة من أجل الأمن والرخاء في أميركا»، الذي يؤيده الديمقراطيون.

وبالطبع، كان بوش قد فشل في إصدار تشريع شامل للهجرة في عام 2008، نتيجة لرغبته في معالجة كل المشكلات في الوقت نفسه، بدءا من إغلاق الحدود، والعمال المهاجرين، وانتهاء بمنح العفو للمهاجرين غير الشرعيين، واكتساب الجنسية الأميركية.

وعوضاً عن ذلك كان من الأفضل كثيراً بذل جهود متواضعة أكبر من مجرد إغلاق الحدود، والقلق من المشاكل الأخرى لاحقاً. ويمكن تحقيق ذلك بسهولة أكبر من خلال التنفيذ العملي لقانون العقوبات الحالي على أرباب العمل، واستكمل بناء السياج الحدودي.

وفي الواقع، لم ينجح سوى عدد محدود جداً من الرؤساء الأميركيين السابقين في إجراء إصلاحات شاملة، فبوش تعهد في ولايته الثانية بعد فوزه على المرشح الديمقراطي جون كيري عام 2004، بتحويل الضمان الاجتماعي العام إلى مشروع شبه خاص. وكان هذا أشبه بخطة أوباما الشاملة، ولكن بصورة معاكسة.

حيث يتاح للعمالة الشابة فتح حسابات استثمار خاصة بها. وبالنسبة لجهود أوباما التي انصبت على إعادة صياغة الرعاية الصحية، فكلما ازدادت جهود بوش في تنظيم حملات في أرجاء الولايات المتحدة من أجل إجراء إصلاحات شاملة في الأمن الاجتماعي، زادت المعارضة الشعبية لها.

وكان أسهل كثيرا رفع سن التقاعد عاما أو عامين. والسؤال المطروح: لماذا تفشل مثل هذه الجهود الشاملة في العادة؟

ليست كل السياسات الحالية فاسدة في الغالب، فإعادة صياغتها من نقطة الصفر لها علاقة كبيرة بالسياسيين وحقوق التفاخر بالتغيرات الكبيرة، التي يتم إنجازها على اعتبار أنها من الاحتياجات الحقيقية.

كما أن الإصلاحات الشاملة غالبا ما تشمل فرض قوانين جديدة، وتحتاج إلى مزيد من المال، ومزيد من البيروقراطية.

ومع ذلك فإن كل مشكلة تواجه أميركا تكون ناجمة عن الكثير من النفقات الفيدرالية، وعمليات الاقتراض، وهذا ينطبق على عمليات الإنفاق الحكومية، وعمليات الاقتراض. وأخيرا، فإن القيام بإصلاحات شاملة يعني سنوات من الجدل والمفاوضات التجارية الشاقة، من قبل جماعات الضغط التي تسعى لتنفيذ أي شيء تريده.

وما أن تهدأ المصالح الخاصة أو تتحقق، حتى تبدو التشريعات القانونية الناجمة عنها غير شبيهة بما كانت معدة له وباختصار، عادة ما يفشل الدواء الحكومي الشامل في علاج المرض الحكومي.

وإذا أراد الرئيس أوباما إحداث تغيرات شاملة، فمن الأفضل ألا ينفق مزيداً من الأموال التي لا يمتلكها الأميركيون. وهذا درس آخر من أغسطس قيصر، الذي وضع الأولوية للإصلاح المالي، وسلامة الميزانية المالية.

أستاذ الدراسات الكلاسيكية والتاريخية في جامعة ستانفورد

fb