fb

ملف خاص عن رحيل الشاعر العراقي الكبير كاظم السماوي

19 آذار (مارس) 2010

ودع العراق ونحن منه الشاعر الكبير كاظم السماوي . وهنا في هذا الملف ننعى الشاعر الكبير , شاعر الشعب والنضال الطويل من أجل العراق . وصوت الشعر العراقي في المنافي .. ننعاه الى االمثقفين العرب والكورد والتركمان والمندائيين والكلدانيين والفيليين . فهو من كل هؤلاء مكونات الشعب العراقي , عاصر نضالهم وعاش همومهم وتنقل معهم في منافيهم .

ولم يطلب شيئا من شعبه غير ان يمنحه الذكرى والحب والتقدير بعد ان فقد الوطن وفقد ولديه لكنه لم يفقد حب الناس له .. ماعندنا شيء نقوله غير ماقاله الكثير اليوم من مثقفي العراق : وداعا كاظم السماوي . وداعا مع عزاء ( الجيران ) لللأهل والصدقاء والأحباب برحيلك .

* خبر الوفاة :

وكانت ( اصوات العراق) قد بثت خبر وفاة الشاعر الكبير حين توفي صباح اليوم الاثنين في العاصمة السويدية أستوكـهولم.

وذكرت الهيئة الادارية لنـادي بـابـل الثـقافي ان “الشاعر العراقي الكبير كاظم السماوي توفي اليوم الأثنين في العاصمة السويدية أستوكـهولم وسينقل جثمانه الى العراق ليدفن فيها”.ونعته الى مثقفي العراق وأدبائه وفي الوطن العربي ,

واضافت الهيئة “ان السماوي فارق الحياة في السويد بعد أطول غربة عرفـها عراقي، وسينقل جثمانهُ الطـاهـر إلى الوطن بعد استكمال الاجراءات القانونية الازمة”.ا

* وتنعاه وزارة الثقافة العراقية .

فقد تزامنت وفاة الشاعر مع حفل تأبيني لضحايا حلبجة كانت تقيمه دار الثقافة والنشر الكوردية احدى تشكيلات وزارة الثقافة اليوم الثلاثاء 16/3/2010 في بغداد .

وقال وزير الثقافة د.ماهر دلي الحديثي في الحفل معزيا الوسط الثقافي برحيل الشاعر العراقي كاظم السماوي

: ان رحيل الشاعر الكبير كاظم السماوي يعد خسارة كبيرة للوسط الثقافي وكونه وهب حياته الى الثقافة والشعر والصحافة وضحى في سبيل نصرة وطنه من جور الاستبداد الاجتماعي الذي طال العراقيين طيلة 35 سنة الماضية.تعازينا الصادقة الى اسرة الفقيد ومحبيه شاعرا وكاتبا وانسانا.

تعازي الأسرة الثقافية العراقية

وتوالت بيانات النعي والتعازي من الوسط الثقافي العراقي ومنظماته في الداخل والخارج .فمثلما نعته المنظمات السياسية والثقافية العراقية في السويد وهولندا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة والعديد من بلدان الخارج نعاه أيضا االأتحاد العام لللآدباء والكتاب في العراق . معتبر فقد الشاعر الكبير خسارة للشعب والوطن . مشيرا الى دوره الرياديفي مسيرة الأدب والشعر العراقي , فقد كان من مؤسسي أتحاد الأدباء والكتاب العراقيين بعد ثورة 14 تموز الوطنية عام 1958 واحد الشعراء الرواد أنذاك في بداية مسيرة الثقافة العراقية في العهد الجمهوري .

* سيرته :

ولد السماوي في العراق 1919 وعمل في الصحافة لسنوات طويلة وتعرض للاعتقال والسجن لمواقفه السياسية والانسانية وقصائده الجريئة المنتقدة لمواقف الحكومات العراقية منذ مطلع خمسينات القرن الماضي، وهو ما دفعه للهجرة عن العراق، وطالت غربته عنها حتى وصف بأنه شيخ المنافي، حيث عاش نحو 50 سنة من عمره بعيدا عن وطنه .

نشر السماوي قصائده للمرة الأولى في الصحف والمجلات العراقية في اربعينات القرن الماضي، وهو يعد واحدا من كبار الشعراء العراقيين في القرن العشرين، واصدر ديوانه الأول في 1950 وهو عضو جمعية الشعر.

* دواوينه :

1- أغاني القافلة- شعر.

2- ملحمة الحرب والسلم- شعر.

3- إلى الأمام أبداً- شعر.

4- فصول الريح ورحيل الغريب- شعر.

5- قصائد للرصاص قصائد للمطر- شعر.

6- رياح هانوي- شعر.

7- إلى اللقاء في منفى آخر- شعر.

* دعوة لتكريم المناضل والشاعر العراقي كاظم السماوي

ومن المفارقات أن دعوات كثيرة كانت توجه للدولة والحكومة بعد سقوط النظام الدكتاتوري لتكريم الشاعر الكبير كاظم السماوي , غير ان هذه الدعوات لم تلق بالا لدى المسؤولين في العراق المشغولين بقضايا اخرى غير قضايا الثقافة والأدب والفنون . فهي قضايا لتمت بصلة الى ( دولة القانون ) ! هاهو الشاعر الكبير رحل عن هذه الدنيا الفانية ولم يلق تكريما من أحد شأنه شأن الكثير من مبدعي العراق وأفذاذه الا من أهل الثقافة والأدب المشردين المنفيين في اصقاع المعمورة .

وكان الكاتب المعروف ( زهير كاظم عبود ) قد كتب المقال التالي بعنوان ( دعوة لتكريم المناضل والشاعر العراقي كاظم السماوي ) ووجدنا من المناسب ضمه الى هذا الملف ..ملف تأبين الشاعر السماوي )

* دعوة لتكريم المناضل والشاعر كاظم السماوي*

بقلم : زهير كاظم عبود

الشاعر كاظم السماوي علماً بارزاً من أعلام الثقافة العراقية، ومناضلاً عراقياً صلباً خبر السجون والمعتقلات، وأسماً خط حروفه فوق مساحة العراق البهي، وشاعراً حفظنا أشعاره وتابعنا نتاجه الذي خص بها الشعب دون غيره.

صار حفنة ماء في أهوار الجنوب ، وحمامة وديعة فوق قباب الذهب في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، وعثقاً من رطب السماوة، وحداء في بادية العراق، وسنديانة صلبة في جبل بيره مكرون.

جسد العراقي الهوى والروح كاظم السماوي الزمن العراقي الذي وظف له كل روحه وجسده وعقله وشاعريته التي حولتنا الى جزء من قصائدة لنابعة من ضمير العراق.

كاظم السماوي الذي أعطى للعراق كل مايملك ولم يهادن ولم يرضخ لرغبة طاغية أو جلاد وبقي شامخاً شموخ النخيل، صابراً وصلداً كصخور الجبال، وبقي ذلك الصوت الفراتي الأصيل الذي غني للفقراء ويحلم بالغد الملون الممتليء بضحكات الأطفال .

كاظم السماوي الذي تبعثرت روحه وهمومه وزادها هماً أن أستطاعت السلطة الصدامية الخاسئة والبائدة أن تنال من نياط قلبه فتقطع وتراً حساساً، حين أستطاعت أغتيال ولده الشهيد نصير السماوي في بكين.

ورغم هول الفجيعة لم يستكن ولم تهداً روحه في محاربة الظلم والشوفينية ومكروبات البعث الصدامي بالرغــم من أغترابه وشيخوخته التي ننحني لها أجلاًلا، حيث بقي كاظم السماوي على العهد مستمراً في نضاله بالقلم والشعر والكلمة والموقف مادام الفرات ودجلة يجريان في العراق.

وحين يريد الحزن أن يداهم روحه يستقوي عليه بالعراق، وحين يريد النظام الساقط ان يجعله محني الظهر وصامت ، ينشد للعراق واقفاً بشموخ النخل منشداً للعراق.

يرسل مرثيته للحبيب رياض فيقول:

لِمَ والخريف تناثرت أوراقه الصفراء... ترحل يا رياض

ولن تعود..وترى هو الفصل الأخير؟.

وكم سئمت العمر يرزحُ بالشدائد أطفئت ومضاتها السوداء

كم عانيت والأيام تنزف وهجها

وتظل شاحبةً يضيق بها المدى

تأتِ الديار ولا صدى

لك يا غريب الدار...أضناك الرحيل

ويا المسجى تغرب الأيام لاهثةً وتنأى الذكريات

وأنت وحدك-يا لوحدكَ- وتغمض العينين يا ولدي الحبيب- ولا أراك

وتسدل الأستار والأحلام، والأمل الكبير

أنا يا رياض وكنتَ لي نسغ الحياة

وكنت دفءَ الصمت

يا حلو الشمائل بالأصيل

وكنت ما شهدَ الرواة وما يشيد الآخرون

أنا من جنيت عليك يا ولدي..وكنا في فجاج الأرض تلطمنا الرياح

وكنت ظلي يا كلانا في عناءٍ للرحيل... من الرحيل

وكم توسدنا الردى وقبور موتانا وراء رحلينا...

يلملم جراحه ويقف بصمت الشامخين مترقباً سقوط الصنم يهتف للعراق فقد صار حلمه الأزلي أن يبقى حتى يشهد سقوط الطاغية ، ليحقق حلمه الصغير في نهاية الطغاة.

ويعود ليفقد العزيز الآخر نصير الذي يلحق بالفقيد الأول فيقول في كبرياء الصامد العنيد الذي لم يزل يريد ان يجسد المباديء والقيم التي تعلمها وتربى عليها وآمن بها:

وما ارتجفت خطانا... نطرق الأبواب... يا الوطن العتيق

ولم تزل غجرَ الطريق

ونحن ما زعم الرواة سلالةُ الشعب العريق!

يا أمسنا... يا يومنا أزرت بنا الأوهام والأصنام آلهةً

وأسياداً... ونحن عبيدهم!

نُخصى ونركل للسياط وللهوان

ولم نكن نتمثلُ الإنسان في شرع الطغاة

دار الزمان ولم تزل... كنا وما زلنا

عبيداً للطغاة

وهاهو كاظم السماوي باق على العهد يرثى وروده التي ذبلت قبله نصير ورياض، كاظم السماوي الأسم البهي الوطني الذي لم يجد غير أن يرثي رياض ونصير بعد أن يجثو على قبريهما ويقبل الصمت الحزين فيقول عن حزنه الشخصي:

خلال خمسين عاماً في المنافي.. وفي بكين –الصين- أغتال القتلة في السفارة العراقية العام 1993 ولدي (نصير) وكان طالباً في جامعة بكين ودفن في دمشق، وتوفيت ولدته متأثرة برحيل ولدها نصير ودفنت في دمشق. عاد ولدي (رياض) وكان يدرس في ألمانيا إلى العراق في زيارة للعائلة قبل الحرب العدوانية ضد الشعب الإيراني، واختطف من الشارع مع جمهرة من الشباب وزج في معسكر التاجي، ثم دفع به لساحة الحرب..خلال ثمانية أعوام.. وعاد يحمل درء السرطان من الغازات الكيماوية خلال المعارك. رحل إلى إيران للمعالجة..ووافته المنية في مدينة مارووان- الإيرانية- في 15/10/2004 ودفن في السليمانية. وكل ما تبقى للشاعر همهًّ وسهاده ومأساته الجارحة ثم ينشد لوردتيه الذابلتين وهو جاثيا على قبريهما رغم بعد المسافة التي تفصل المكان والتي لم تستطع ان تباعد الروح

ويا نصير ويا رياض

ذويتما ورحلتما يا الزهرتان

ويا الردى... جنَّ الردى

شردتما عمراً وقبراً

قبرُ توحد في الشام

وأخر في جيرة الجبل الأشم!

وها أنا ملقى وراء القطب منكسراً

ويأسرني الحنين إليكما

أجثو على قبريكما

وأقبل الصمت الحزين

وبعد ان سقط الصنم وحقق السماوي ما جاشت بضميره من افعال وأشعار وظفها كلها من أجل اسقاط سلطة الدكتاتورية والشوفينية في العراق ، تحقق الحلم بعد ان دفع الثمن باهضاً لكنه من اجل عيون العراق يعطي روحه وشعره ولم يزل.

كاظم السماوي اليوم شيخاً هرماً لم تزل أشعاره وكتاباته راسخة في ضمائر الشرفاء والمناضلين من اهل العراق ، نوارس تضيء أيامنا التي رحلت والتي لم نزل بأنتظارها، وكاظم السماوي الباقي على العهد لم يزل المناضل الصلب الملتحف بأفكار الفقراء والخبز والغد السعيد، وصوت كل الطيبين من اهل العراق، وكاظم السماوي اليوم مايستوجب أن نلتفت له لتكريمه وأن نضع أسمه البهي فوق رؤوسنا، وأن نجعل أطفالنا تتعرف على شاعر عراقي أفنى عمره وشبابه من اجل العراق أسمه كاظم السماوي لم يزل يصارع شيخوخته وغربته في شمال العاصمة السويدية ، لنتذكر كاظم السماوي بكل التوقير والمهابة والأعتزاز بأسم العراق الذي كان يحلم به.

** وكتب حسين الهنداوي مقالا قبل مايزيد قليلا عن عام من وفاة الشاعر بعنوان في موقع الحوار المتمدن قال فيه :

(كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية)

بقلم : حسين الهنداوي

hindawih@hotmail.com

منذ ديوانه الأول (أغاني القافلة) المكتوب في أزمنة البراءة والعنفوان، والصادر في بغداد عام 1950، وحتى اللحظة، وكاظم السماوي يتألق متباهياً وأكاد اقول متماهياً مع انسانية حالمة وآسرة في آن، هي رفيق عمره الآخر: عبرها تسامى، ومن اجلها تناثر، وبها اسمى صحيفته "الانسانية" التي اصدرها في بغداد بعيد ثورة 14 تموز 1958، كما دسها علناً، وغالباً سراً، في كل قصائده تقريباً، مانحاً اياها للرائح والغادي، وللقريب والبعيد ودون مقابل دائماً.

واذا كان الناقد الراحل (ميشال سليمان) رأى في شعر السماوي "رافداً باهر الخصب في نهر الشعر العربي الحديث" فإن من المؤكد لدي انه شاعر تلك الانسانية الصافية الثائرة انما المغدورة، وليس في بعدها العراقي وحده برغم ان هذا البعد كان نطفتها الاولى وظل حاضراً فيها كجوهرها الخفي. والسماوي ايضاً يساري وواقعي وملتزم وكل ذلك بالمدلول العريق وأكاد اقول الأول لهذا المعاني. وتحت ضوء هذه الخاصية وحدها احياناً، ينبغي في رأينا قراءة معظم وربما كل قصائده، اذا اردنا استكناه اسرارها وإصراره على العطاء.

فهذا الشاعر الحالم مبكراً "بالقمم المغسولة بالشمس" يندر ان لا يتقاطع قارئه في لحظة او اخرى سواء في قصيدة من قصائده التي تتمدد على تباريح نصف قرن، او موقف او وقفة في منفى من المنافي التي لم تعد تحصى بيسر، مع رموز غاية في التنوع والتناثر والتنائي الا انها تتقاطع بل تتداخل دائماً عبر عمقها الانساني المسكون بالامل الواثق ظاهرياً انما القلق في مكان او لحظة منه. ويكفي ان اذكر من ديوانه الاول وحده اسماء جعفر ابو التمن وبول روبنسن والشاعر الزنجي الاميريكي ماك كربا وبرنادشو والمعري وكارل ماركس فيما تجسدت في مجموعته الاخيرة هذه باقة تضم (عروة بن الورد) و(علي فودة) و (حلبجة) و(عطشان الازيرجاوي) وشهداء قصر النهاية و(حسن السريع) وكردستان "وردة النار الخالدة".

هذا الهاجس، وهذا الوفاء، كان قد تأكد سلفاً وترهّف انما تسيس اكثر في ديوانه الثاني "الى الامام ابدا"، الصادر في بيروت عام 1954، والثالث "الحرب والسلم" ثم في "رياح هانوي" و"الى اللقاء في منفى آخر"، و" قصائد للرصاص.. قصائد للمطر" حيث الرصافي وبيروت والشاعر الزنجي جوزيف نورث وحمالو ارصفة الموانىء الامريكيون وديان بيان فو والشرق الاحمر وهانوي وبكين، هي الرموز التي تقاسمت الهواجس لديه انما مناصفة، كما دائماً، مع العراق الذي لئن صار محض طيف، كان في غياهب الدخيلة كل شيء ومركز النبض ساعة الحساب الحقيقي لدى كاظم السماوي الذي ظل ينوّع ويزهّر رموزه الانسانية ببهجة مدافة بخيط من الحزن عميق هو ايضاً ومرير في زوايا منه.

ذلك لان نزفاً ثراً وجسيماً الى هذا الحد يخفي اخاديد غائرة، واي أخاديد، وأي اوردة تلك التي تختزن كل هذا العمر من التغربات والمنافي الخارجية والداخلية والاغبرة والانكسارات لهذا الشاعر الذي كتب له وعليه مرة بعد اخرى ان يرى بيته يحترق... واي احتراق.

وطن من رماد

لم يعد قبلة للاساطير، موقداً للسنا، وآيات نار

تلمست وجهي ولم يك وجهي

مرايا السلاطين ملء الزمان...

ملء المكان

في (فصول الريح ورحيل الغريب) الاوردة هي ذاتها من سيشتعل هذه المرة في فاجعة "رحيل الحلم"... وهل من فاجعة يمكن ان تنهش القلب اربا اربا كرحيل ابنه نصير:

هد حيلي مصابك الجلل

كيف اقوى وثقله.. جبل...

اهو العدل مسه الخبل

ان اطيل ثوى وترتحل...

جئت حلما ورحت حلما،

رفيفا،

جرحك الجرح

كيف يندمل؟

هكذا كان رهيبا مشهد فقدان فلذة الروح لكن، وكليث بلا عرين يكابر كاظم السماوي مشاطراً الريح براءتها وقلقها المكتوم ولا اباليتها الابدية وبهجتها ايضاً، مهما كانت هذه ناضبة وعابرة. و"ملقى وراء الليل" محروماً من وطن صار مسوراً على ابنائه بالحراب، ورافضاً مهادنة انظمة ذئاب وامميات مخابرات وجبهات ذليلة ظل السماوي يتفرى الدروب هائماً بضميمته الاولى، العراق، وبـ "اصداء حلم نرممه كل يوم" متلفعاً طواعية بجرح "انعكاس المرايا وموت المناشير والثورة العاقرة.."

غامت بعينيك الديار

لم يبق منها – يا رحيل – سوى الغبار

سوى ظلال انكسار

نصحو على السكين في اعناقنا نغدو

ونكسر كالحجار

يقينا، ثمة استمرارية ووحدة داخلية مدهشة بين كل مجموعات كاظم السماوي الشعرية تعبر عنها نزعتها الانسانية، نصف العفوية، المستوحاة والتي تعبر عن نفسها في جملة من الخصال ليس ما تقدم الا جزءا منها، ولا اهادن، مجموعته الشعرية الجديدة هذه تحمل كل هذه الخصال دفعة واحدة ومن جديد، لكنها تحمل خلسة، وكالحفيف، حكمة شيخ انتمى ابدا الى الحلم والى الحياة:

شجراً لرملكم طويت العمر

ما رسمت خطاي .. سوى خطاي

لم تنطفىء جمرات حلمي

يا سواي .. ولم يكن يوماً..

سواي

وطن؟

ومذ خمسين عاماً كان لي وطن

ومذ خمسين عاما كان لي منفى

وما اغترب الزمان

الريح بعدكمُ تلمّ غباركمُ...

وما انطفأ السراج

لعل شظايا القلب هي ما يتطاير هنا متسللا من بين ما يشبه الصخور، متلوياً من شدة غربته، انما ايضاً من وطأة وغلاظة اعوام تنوء بأعباء خمسة وخمسين هجيراً ولا يزال يغريها التراكم والتمدد وكما الى الابد..

ها انت مرتحل .. وكم هاجرت

يا لله كم دال الزمان.. وكم تهاجر

ماذا تبقى من لهاث العمر يا شيخ المنافي

الليل يطفىء نجمه،

الطرقات موحشة...

وليل الصمت... ملح

لكن ليالي المنافي ستغدو اكثر عتمة من الملح ومحض غبار حينما رحلت والى الابد بغتة، رفيقة العمر والدرب الطويل هذه المرة، وفي غبش اسود وتحت سماء غريبة:

لم يبق

غير صدى يمور وينطفىء .. نأت الديار

راحت رسائلنا وعادت للغبار...

من الغبار

الكون منكسر وكان الوهم يوماً... ان نعود

منديلك الفضي فاتحة النهار لم ترحلين...؟

العراق، الفرات، الثورة، السماوة، الابن، الزوجة، العائلة، الشعب... كل منها يأخذ مكانه الخالد والرحيب والمشمس في صدر هذا الشاعر، انما كشجوج عميقة خاصة وكصلبان محمولة على كاهل لا يريد ان يتطأطـأ مهما تنادت على ثنية غادرات السنين، وقد تعصف الريح مقبلة او مدبرة لا فرق: فما انت.. ان لم تمت واقفاً، بيد ان للألم غروره في لحظات الشدة:

انا ان خسرت العمر لم أخسر خطاي

حاصرت منتفضاً حصاري

ليس من احد سواي

فأنا التوازن والتناقض والمصير

وانا خطاي

لا فسحة ابدا للهزيمة اذا، لدى هذا الشيخ الذي لم تعد له من الذكريات سوى الانهر اليابسة، وسوى زهرة من حجر، وقوارب مهجورة.. غادرتها الرياح ولا فسحة للنحيب.. انما، والى جوار القطب الاعلى للكون، الى المحيطات الشمالية المتجلدة في السويد، سيحمل هذا الجنوبي الاصل والفصل حطام نيازكه بانيا منها منفى يحمي فيه وحدته:

وحدي اهوّم في سهوب الارض

يا وحدي..

تمر بي الوجوه وتختفي

وتجوس بي الاصداء عابرة

ولا تفضي الى قمر يضوي الليل

يا وحدي.. ويسكنني الصدى

ويعود بي برد الجدار..

الى الجدار

ووجها لوجه مع الريح ، و"بين سماء وارض خاوية الصدى"، ومع حقيبة هي "وطني المهاجر في الحقيبة"، ثمة حبل سري يظل يشد كاظم السماوي الى تلك الانسانية الحالمة الاولى التي لا ترى بوصلته سواها في لحظات رقاد الرياح، كما لو انها الملاذ الاول، والملاذ الاخير، والملاذ الوحيد دائماً... و(عروة بن الورد) هو الرمز بداهة هنا، بيد ان جاهلياً آخر تخطى زمانه كعروة، النابغة الذبياني، السِّماوي الآخر، هو الاقرب في رثاء الحال:

تصبرت حتى مل من صبرك الصبر

فماذا يقول الشعر لو هدر الشعر

ومن انتم؟ مر الزمان وانتم،

سراب ولا ماء، وشوك ولا زهر

واعلم اني من بلاد عتت بها شراذم لا فرع لديها ولا جذر

ويالك عملاقا تخطى زمانه

كما يتخطى في مشارفه النسر

هذه النبرة التي تذكرنا بوادي السماوة ورمل مفازاتها الذهبي، لم تفارق ايا من مجموعاته الشعرية الكثيرة، جاعلة من هذا الشاعر بين ابرز شعراء القصيدة العمودية العراقيين في النصف الثاني من القرن العشرين، الى جانب طاقاته الشعرية الاخرى، الا انها تتوازى مع معطى رفيع آخر في شعره، يتمثل في ذلك التعاطف التلقائي بل الانتماء الذي يأخذ شكل غناء شبه فطري وجارف في الدفاع عن الامة الكردية المضطهدة انما المقاومة، مما يميز بين نظرائه هذا الشاعر العربي المعلن انتماؤه من قبل لثورات الجزائر وفلسطين وظفار والعشرين والقرامطة والزنج.

كوردستان

مر العمر والايام غاربة

ومذ خمسين عاما كنت عاشقك المتيم

كنت لي من غير ان تدرين...

ولو اني ولدت وعشت ثانية

لكان اسمي على الايام.... كوردستان

نعم، "شاعر القافلة الانسانية" كاظم السماوي، كما اطلق عليه اللبناني الراحل (محمد شرارة) في 1955. مستقبلاً مجموعته الاولى "أغاني القافلة" ولقد ظل وفياً لانتمائه الاول ذاك، هو المجايل للسياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وهو المواكب لمظفر النواب وسعدي يوسف، لكن المتجه بحرية منذ ومضته الاولى الى اعتناق ارادة جماعية، متطلعة وحالمة وفردية وهذا لا شك به، الا انها جماعية بكل مساماتها كما هي ثورية، بينما كان هؤلاء بحماسة عفوية وتطلع مماثلين متجهين بحرية ايضاً لاعتناق تفرادتهم المباشرة، وهذا تحديداً ما سيصنع خصوصياتهم التأسيسية كاعتناقات عفوية متغايرة، انجبت جماليات متضادة غالباً، ميزت كلا من التوجهين منذ البدء رغم اوجه التقاطع العديدة الخفية منها والظاهرة التي انتمى لها جميع شعراء ذلك الجيل السخي نفسه.

وهذه المجموعة الشعرية الجديدة تأتي لتؤكد تجربة شعرية متميزة ومكتملة وموقفاً لم يتردد شيخ المنافي وشاعر الانسانية العراقية الصافية كاظم السماوي في دفع ثمنه باهضاً وكاملاً وما يزال مواصلاً اصرارا رائعاً على الوفاء والعطاء.

(*) مقدمة لمجموعة شعرية جديدة ستصدر قريبا للشاعر العراقي كاظم السماوي.

** **

مرثيته لولديه :

وقبل خمس سنوات كتب الشاعر (مرثيته ) الشهثيرة لولديه الراحلين رياض ونصير وهي من نماذج شعره الطافح بالصور الشعرية الزاخرة بشاعر انسانية تجلت في كل قصائده .. يقول فيها :

أجثوا على قبريكما..واقبل الصمت الحزين

مرثية ولديًّ- رياض- ونصير(1)

كاظم السماوي :

لِمَ والخريف تناثرت أوراقه الصفراء... ترحك يا رياض

ولن تعود..وترى هو الفصل الأخير؟.

وكم سئمت العمر يرزحُ بالشدائد أطفئت ومضاتها السوداء

كم عانيت والأيام تنزف وهجها

وتظل شاحبةً يضيق بها المدى

تأتِ الديار ولا صدى

لك يا غريب الدار...أضناك الرحيل

ويا المسجى تغرب الأيام لاهثةً وتنأى الذكريات

وأنت وحدك-يا لوحدكَ- وتغمض العينين يا ولدي الحبيب- ولا أراك

وتسدل الأستار والأحلام، والأمل الكبير

أنا يا رياض وكنتَ لي نسغ الحياة

وكنت دفءَ الصمت

يا حلو الشمائل بالأصيل

وكنت ما شهدَ الرواة وما يشيد الآخرون

أنا من جنيت عليك يا ولدي..وكنا في فجاج الأرض تلطمنا الرياح

وكنت ظلي يا كلانا في عناءٍ للرحيل... من الرحيل

وكم توسدنا الردى وقبور موتانا وراء رحلينا

***

وما ارتجفت خطانا... نطرق الأبواب... يا الوطن العتيق

ولم تزل غجرَ الطريق

ونحن ما زعم الرواة سلالةُ الشعب العريق!

يا أمسنا... يا يومنا أزرت بنا الأوهام والأصنام آلهةً

وأسياداً... ونحن عبيدهم!

نُخصى ونركل للسياط وللهوان

ولم نكن نتمثلُ الإنسان في شرع الطغاة

دار الزمان ولم تزل... كنا وما زلنا

عبيداً للطغاة

***

ويا رياض ويا (نصير) أترحلان... لِمَ ترحلان؟

العمرُ؟... شاه العمر يا ولديَّ

إن أبقى نجيَّ الموحشات وترحلان؟

وتقاذفنتني الريحُ بعدكما

بكيتكما... كما يبكي الرجال

وما تنوح النائحات

ويا عراق الموت والليل المخيم

قبل جاحمة السنين

يومنا المذبوح في أعماقنا

في كل يوم نقتل الطفل الوليد

ونرتدي أكفاننا

العمر؟ شاه العمر والإنسان أغلى يا العراق

وتصحرت أيامنا

وتخلت الأنهار عن شطآنها

وتعرت الأشجار وأربدَّ السنا

وتخلت الأطيار عن أعشاشها

وتخوضّ الحر المقيدُ في دماه

وبلوت مذ خمسين عاماً يا أنا!

وتخوض الحر المقيد في دماه

جمر المنافي والرياح السافيات

وبكى العراق... على العراق

***

لِمَ يا رياض وكنتَ مغترباً وكنت مشرداً

لِمَ عدت للوطن الجحيم

وكان يشعل وغدهُا النار الشبوب

ليعود غصن ربيعك الريان من حطب الحروب!

***

ويا نصير ويا رياض

ذويتما ورحلتما يا الزهرتان

ويا الردى... جنَّ الردى

شردتما عمراً وقبراً

قبرُ توحد في الشام

وأخر في جيرة الجبل الأشم!

وها أنا ملقى وراء القطب منكسراً

ويأسرني الحنين إليكما

أجثو على قبريكما

وأقبل الصمت الحزين


(1) خلال خمسين عاماً في المنافي.. وفي بكين –الصين- أغتال القتلة في السفارة العراقية العام 1993 ولدي (نصير) وكان طالباً في جامعة بكين ودفن في دمشق، وتوفيت ولدته متأثرة برحيل ولدها نصير ودفنت في دمشق. عاد ولدي (رياض) وكان يدرس في ألمانيا إلى العراق في زيارة للعائلة قبل الحرب العدوانية ضد الشعب الإيراني، واختطف من الشارع مع جمهرة من الشباب وزج في معسكر التاجي، ثم دفع به لساحة الحرب..خلال ثمانية أعوام.. وعاد يحمل درء السرطان من الغازات الكيماوية خلال المعارك. رحل إلى إيران للمعالجة..ووافته المنية في مدينة مارووان- الإيرانية- في 15/10/2004 ودفن في السليمانية. وكل ما تبقى للشاعر همهًّ وسهاده ومأساته الجارحة.

** **

وأخيرا :

تحية حب ووفاء للشاعر الراحل .. ولأسرته واصدقائه ومحبيه ولنا العزاء ,فلقد فقدنا شاعرا كبيرا ومناضلا صبورا على الضيم

fb