fb

خارج الكادر : سكورسيزي والجنون

18 آذار (مارس) 2010 , بقلم هـ. ح.

ليس شيئاً سهلاً أن نتناول سكورسيزي نقداً. أعني أن نتطرق الى مفاصل عمله وندقق سميولوجياً في أصغر تفاصيله، وذلك ضمن ثلاثة أو اربعة أعمدة في جريدة. فالتكثيف ليس ما تدعو اليه عادةً افلام المعلّم الحافلة بالتناقضات السردية والأجواء الانطباعية والتقليعات التقنية المليئة بألف لون وموتيف، تلتقطها كاميرا مصابة دائماً بحمّى الدوران والذهول. وما دامت الحقائق تكمن في التفاصيل، فلا يسعنا الا النظر عن كثب في جوانب عدة من اسلوبية رشيقة وضعها مخرج "سائق التاكسي" قيد التنفيذ منذ أوائل افلامه في سبعينات القرن الماضي، ومنذ ذلك الحين، لا تزال خياراته الاستيتيكية والتصويرية تلازمه، بل وخضعت لتطويرات جادة جعلت من المتعذر تصنيف سينماه في أي من التيارات المعلنة والسائدة. مقاربة مشهدية ونظرة مشبعة بالسواد واللؤم والانحراف، هيمنت على فيلموغرافيا هذا الخلاّق الذي خطف الاضواء (على أطول مدة زمنية) من جيل كامل من السينمائيين الأميركيين، فتحوّل مع رفيقه براين دو بالما، ايقونة عززت حضور تراث الرواد وهوية السينما الهوليوودية في عصرها الذهبي، واضعاً سينيفيليته في خدمة حب السينما وتمجيدها.

بعد مشوار يمتد على أكثر من أربعين عاماً من الأفلام التي بدّلت وجه السينما العاملة في ظل هوليوود، المستقلة والخاضعة لمتطلبات السوق والرعاية، الحميمة وذات الانتشار الواسع في آن واحد، يحتل سكورسيزي صدارة الشاشات في العالم برمته، مع شريط "جزيرة مغلقة" (وهي الترجمة الأكثر قرباً للأصل، "شاتر ايلاند") الذي يعود بنا الى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، في محاولة مكللة بالنجاح والإبهار، لتصوير "ثريللر" فيها احالات كثيرة على سلسلة الأفلام الـ"نوار" والرعب التي سبق أن صوّرتها السينما الأميركية. ولئن كان كل فيلم لسكورسيزي امتداداً لفيلم سابق، أقله من حيث ترابط التيمات في ما بينها، فلا يسعنا الا أن نرى في "جزيرة مغلقة" وفي شخصية تيدي دانيالز وايضاً في ليوناردو دي كابريو، انعكاساً لصورة هاورد هيوز، أحد أكثر الرجال جنوناً وعبقرية في القرن العشرين، الذي سبق أن صوّره سكورسيزي في "الطيار".

كما كان متوقعاً، لا يسلم جديد سكورسيزي من المحاور الأثيرة لديه، على رغم أن عدسته، التي لا عدسة توازيها في امكان التقاط احساس المكان والزمان، تتعقب مسار شخصية ومصيرها. تيماته الحقيقية، مثل الجنون الذي يتخطى حدوده ليصبح مدمراً، والعلاقات البشرية التي ترتكز على المصالح والمنافسة الضمنية، والعنف البسيكولوجي والتمزق الداخلي والبحث عن الحب والطموح الذي يقضي على صاحبه، كلها حاضرة في أقل وحدة تصويرية. أما التشبث الذي يبلغ حد المرض والهوس والوسواس، فيتدفق بسرعة جنونية ووتيرة بسيكيديليكية في لقطات الـ"سكوب" التي على رغم وساعتها، لا تملك القدرة على استيعاب جنون هيوز/ دانيالز وهوسه. يستغل سكورسيزي وجود دي كابريو في "جزيرة مغلقة" كي يأخذنا في رحلة الى اقاصي الجحيم الأميركية، بعدما كان أخذنا برفقته (في الثلاثينات والأربعينات)، الى حلم أميركي كان لا يزال قادراً على تغيير العالم.

•••

تغيير العالم؟ النظر الى المستقبل؟ هذا كله مجرد كلمات، لا قدرة آدمية على التحكم بها، لكنها ليست كذلك عند سكورسيزي. ماذا تعني عبارة "غد أفضل" إذا امتلك الإنسان القدرة على تبديل أساليب عيشه المتواضعة (وفقاً لكل زمن) وتطوير التقنيات التي ابتكرها والتي تسّهل صموده أمام الغزو والعدوان بأشكالهما المتعددة؟ بيد أن الرجال الحقيقيين هم الذين ساهموا في دفع البشرية خطوة الى الأمام، كلٌّ في مجال اختصاصه. هيوز، على غرار سكورسيزي الذي ساهم في تبديل مفهوم السينما الأميركية التي تستند الى مفاهيم تجارية، هو في قلب ثورة تكنولوجية وفنية تستحق فعلاً أن تنتقل به من ظلمة كتب التاريخ ومعاجم الفن السابع الى ضوء الشاشة، إذ ان تجربة هذا الرجل المتألقة حيناً والصعبة حيناً آخر، تستند الى أمور تتخطى خصوصيات مكانها وزمانها وسماتهما، علماً أن اسطورة هيوز مدعومة بثوابت أميركية لا تزال القلب النابض في جسد الـ"شوبيز" الهوليوودي وتتمثل في المال والسلطة والشهرة وايضاً... الجنون، جنون العظمة، الذي يشكل العمود الفقري لـ"جزيرة مغلقة"، مع الفارق الكبير، وهو أن الجنون هناك يساعد في التحليق أما هنا فللتدهور والانحطاط، أكثر فأكثر.

حكايات من هذا الطراز تستحق أن تحكى. نادراً ما نجد أجمل من رؤية كاوبوي خارج من عند جون فورد (او سام ريمي، على سبيل المزاح)، حيناً يصعد الى الفضاء وحيناً آخر يدخل المصحات، بعدما كان قد غزا أراضي الغرب الأميركي الشاسعة التي لم يجف ترابها بعد من دماء الهنود الحمر. أليس الفضاء المفتوح سلاح الأميركيين في وجه الايديولوجيات التي سقطت أمام غزو المجهول؟ أليس الارتفاع عن مغناطيس الأرض هو الوهم بعالم آخر؟ هذه كلها هموم تتشابك في مخيلة السينيفيلي الذي يحلق في عنفوان سكورسيزي بمزاجيته المائلة الى التراجيديا من خلال علامات الاستفهام والشكوك التي يزرعها في وعي المشاهد، ومصدرها دائماً رجل استثنائي في ظروف استثنائية (خلافاً لما يشاع عن أن النص الأميركي يتبع منطق "شخصية عادية في موقف استثنائي") يحظى بقدر سيفاجئ الكل حتماً، إذ ان مخرجنا الكبير يحرص على نقل هواجسه وضعفه وآفاته المعنوية وركاكته امام عقده، وعدم قدرته على تخطي أمراضه النفسية، بقدر ما يهمه تصوير مرحلة من تاريخ الأمة الأميركية (هوليوود بالنسبة الى "الطيار" وما بعد الحرب العالمية الثانية بالنسبة الى "جزيرة مغلقة").

يقال إن جبابرة السينمائيين يصوغون دائماً القصة ذاتها بملامح مختلفة قد تمنح الشعور بالتجدد، علماً أن الأساس والأرض التي تتعاقب عليها الأحداث يدفعاننا الى الاحساس بالالفة. أكثر من يخدم هذه النظرية هو سكورسيزي الذي تجد من فيلم الى آخر له، الأفكار ذاتها ورؤية شبه موحدة للعالم والانسان. مع ذلك، بتنا منذ بضعة أفلام نلمس عنده اهتماماً بتصوير الفشل بقدر الاهتمام بتجسيد اللحظات الشاعرية التي تتفجر من نرجسية البطل. الحدود بين الاثنين غير واضحة البتة.

شيء أخير: يجب ألاّ ننسى ابداً انه مسنود، منذ أربعة أفلام، من ممثل كبير هو ليو دي كابريو، الذي يأتينا بأساليب تمثيلية ونمط في الأداء لم تكن مظنونة عنده عندما طار صيته اواخر الألفية الماضية. لا شك انه أخذ مكان روبرت دو نيرو في قلب سكورسيزي. دي كابريو الذي اعتاد تقمص الشخصيات الحقيقية، من لويس الرابع عشر الى رامبو، نجده بعيداً بسنوات ضوئية عن الملامح التي عرفناه من خلالها. اداؤه المتين يؤكد انه ممثل متعدد الوجه وصفحة بيضاء يرسم عليها سكورسيزي بريشته. الادارة الدراماتيكية التي حظي بها من المخرج، تطاول صغائر الأمور، مثل حركة الجسد والايماء وطبقة الصوت، وحتى التنفس الذي يلعب دوره في تكوين شخصياته.

fb