fb

لمـاذا يكـره المناضلـون المناضليـن؟

18 آذار (مارس) 2010 , بقلم هاني فحص

مسرى الطفولة على طريق الحوزة (5)

ذهبت إلى المرحلة الدراسية التكميلية أو المتوسطة أو الابتدائية العالية كما كانت تدعي وتنتهي بشهادة (البريفيه) التي تؤهل لوظيفة عامة في التعليم (وكيل مدرس) أو الدرك أو الأمن العام أو دار المعلمين للتخصص الأولي في التربية والتعليم مع منحة دراسية شهرية (100 ليرة) لسنوات الدراسة الثلاث، وبعد التخرج يصبح الراتب أعلى بمئة ليرة من راتب وكيل المدرس البالغ 205 ليرات، وكان وكيل المدرس يتزوج بهذا الراتب ويبني منزلاً، وقد يشتري سيارة مع تحسين ملموس في ملابسه لتناسب وضعه. وقد يتوفر على مصدر اقتصادي مساعد من أرضه.

في المدرسة الجديدة، في حي الجزائر آخر مدينة النبطية إلى الشمال وعلى مقربة من حبوش وكفررمان، وجدت أفراداً معدودين من زملائي القدامى في الصف النهائي الابتدائي ينتظرونني في الصف الأول التكميلي (السيزييم)، بسبب الرسوب، وتسرب قسم قليل إلى سوق العمل، وانتقل حوالى النصف منهم إلى الصف الثاني (سانكييم)، جددت عهدي معهم وبنيت مع أبناء صفي علاقات حميمة، وظهرت علي في السنة الأولى علامات تقدم ما في العلوم والرياضيات مع ذاكرة قوية في مواد الحفظ وتمايز في اللغة العربية ـ سليقة ـ وعزوف شديد عن العصبيات السياسية والحزبية التي كانت شائعة وقتها، ما جعلني أكثر قدرة على الاقتراب من الجميع (أساتذة وطلاباً) وقد استطعت من دون شطارة أو ذكاء استثنائي أن أعقد صلات وثيقة مع التلاميذ من أهل المدينة، التي عشنا ودرسنا على حاشيتها، خاصة محمد جميل بدر الدين وصبحي بيطار وحسين طعان وأحمد ظاهر وشعلان وعبد العزيز، أما أحمد عنيسي ـ العميد في الجيش لاحقاً وفي سلاح الهندسة ـ فقد كان قادماً في سنوات طفولته الأولى من الأرجنتين التي ولد فيها مع شقيقته سلوى... ولا يعرف من العربية إلا القليل، ولكنه شد حيازيمه وأصبح من المتقدمين في اللغة العربية قراءة وإملاءً وكتابة.

بعد سنوات قليلة، جذبتني إليه عادات وسلوكيات مدنية مختلفة قوامها الصدق مع ما يلزم من الشفافية في مجتمع تتحول فيه الشفافية كارثة على الشفاف لأنه اعتاد المداورة والمراوغة. وكان أحمد أكثر مني تدقيقاً في سرد أحداث لا أقف عندها طويلاً، لأني مشدود إلى العموميات في الأحداث والقضايا والناس. من هنا أطنب أحمد في حكاية فيلم (في بيتنا رجل) ودور رشدي أباظة فيه، ومفارقات الفيلم ومفاجأته. وكرر وكأنه يلقي عليَّ أو علينا درساً في الرواية والإخراج والتصوير السينمائي، وأصغي، على قلة ما كنت أتعاطاه من السينما لأسباب تتصل بالقرية حيث لا قاعات عرض، حتى الآن، وإن كانت قاعات العرض في النبطية قد أقفلت منذ عقود، لأسباب تتصل بانحدار في مستوى الاهتمام الثقافي. وتعطلت معها سهرات وندوات الحوار والشعر والتاريخ، لتحل محلها أماكن تحولت تدريجياً إلى امتداد للمسجد لا بمعنى مكان التثاقف وتبادل المعرفة بل بمعنى التعصيب السياسي على ظهر العبادة في حين تحول المسجد إلى منتدى أو مكتب سياسي، وإن كانت بعض الصالات الثقافية ناشطة، فعلى خاطر أصحابها المستلحقين سياسياً ولا يفكرون إلا بصرف المال على الثقافة لاستتباعها وبالتالي منــعها والفــائدة المالية المترتبة، أي توظيف المال في السياسة والدين من أجل السياسة، والمال الذي يعود بدوره فيصنع سياسة، ويحول الكــسول أو المستقـيل تاريخياً من الاهتمام بالقضايا ومنها فلسطين، إلى مناضل في وجه المناضل. وهكذا، ومجاناً، رأينا لوناً من المناضـلين كانوا يكرهــون المناضلين لأنهم مناضلون! إلى ذلك، فقد كان العــسر المالي لا يسـمح لي ولزملائي وأقراني من قريتي والقرى الأخرى بالذهاب إلى السينما إلا في مواسم الأعياد أو عندما يعرض فيلم لا يجوز تفويته، فنعمل على تحصيل الكلفة بصعوبة شديدة مع النفس والأهل، نوفّر من مصروفنا الضئيل ونتحايل على الأهل، ونجمع خمس ليرات، وإلى بيروت وسينما كايرو والأوبرا، والريفولي في حالات نادرة، وعلبة سكاير أجنبية مهربة من زواريب ساحة (العسور) وسندويش فلافل من مطعم فريحة، وعودة ليلاً وكأننا عائدون من الفتح، لأننا أضفنا شيئاً من رواية محمد عبد الحليم عبد الله أو إحسان عبد القدوس إلى تراثنا وقاموسنا وما نغري به صبايا الضيعة، لكي يندهشن بنا أكثر، ويحبننا أكثر، ولكن من دون أمل بالزواج، لأن أمامنا زمناً طويلاً لاستكمال العلم؟ بحيث يصبحن إذا انتظرن عوانس، ويبحثن عن حبيب آخر يصلح ويمكن أن يكون أباً لأولادهن، قبل أن يصبح الواحد منا وكيل مدرس أو دركياً. لم يكن بإمكاني أن أكافئ أصدقائي من أهل النبطية إلا بالحب ودعوتهم التي لم يلبوها إلى بلدتي للنزهة في البراري والبحث عن أعشاش العصافير أو الصيد على الفخ أو أكل التبولة والتين والعنب والصبير مباشرة من أشجارها أو الدبكة في الأعراس. ولكني عوضت بأن دأبت على حمل سلة التين دورياً إلى بيوتهم وأحياناً وفي الشتاء شيء من (العلت) وكثير من حكايا الضيعة وعاداتها... إلا آل عيسى وأقرباءهم من آل منصور من الطيبة والمقيمين في النبطية. كلهم في غرفة واحدة لبعد بلدتهم، التي منها أحمد الأسعد الذي كنا نحسدهم عليه ولا يقبلون حسدنا، هؤلاء كانوا إذا ما وافاهم أهلهم بالزوادة الأسبوعية قبل يوم العطلة، يفكرون بالمجيء إلينا وبعضهم ينام في بيتنا ليالي الامتحان لنذاكر معاً. وكان الرابط الإضافي والنوعي بيننا وبينهم هو أن خالهم محمد حسن حرب المشتغل بتجارة الخيل والبغال وتهريب التبغ المفروم قد اختار قريتنا مقراً له مع زوجته واندمج في أهلها وخاصة أقاربي ووالدي، وشكل بيننا ما يشبه الرحم بالمودة.

في السياسة كان أكثر زملائي في المتوســطة موزعين بـين حزب البعث والتيار النــاصري مع قلة قــليلة من أنــصار الشــيوعية الذين اهتموا بأخبار وصور فرج الله الحلو وتأمين أصوات لمرشح الحزب عادل صباح. (بَيّ العامل والفلاح) عنيــسي وأنا، كنا متواصلين مع الجميع كارهين للتـعصب والكلام القــاسي والاتهام وكان آخرون يشبهوننا في ذلك، وكان شــباب النبـطية الفوقا أو أكثرهم أشد تعصباً لحزب البعث، خاصة علي طالب ورائف غندور، على ظرف معـروف بقي ملحـوظاً في علي طالب حتى الآن ـ سنة 2009 ـ في حين استبدل رائف الشطارة بظرفه من دون أن يفقده. في النبطية سمعتهم يتكلمون عن الحب ولكن بحسية أكثر وكلمات أقل نعومة ورومانسية. كنت أقترب من هذا الحب الذي يتحدثون عنه ولا أبوح، ولا أعبر منه إلى غيره، كنت أرى الحب جسداً في الروح أو روحاً في الجسد، كان سراً ولذلك كان في داخلي أجمل وأشد تبريحاً وبهجة. كنت أترك لعيني تتقفى أثر فلاحة متعبة من ليالي التبغ الطويلة، وناعسة على تقاطر الندى وانتظار الشمس، تبحث من دون تبذُّل أو ابتذال أو خبث عمن يأخذ بيدها من الحقل إلى المنزل، ومن السهر والضنى إلى النوم حتى الضحى ولو مرة في الأسبوع. ومن شتلة التبغ المر إلى إرضاع الولد والسهر عليه، ومن الطعام الممزوج بمرارة التبغ إلى آلام المخاض والحمل والطعام الذي تصنعه لزوجها على مهل وحنان وتذوقه لتتأكد من طيب نكهته مؤملة بثواب زوجي لائق، من ثوب أو حب.

وعندما سمعتهم عرفت أن ما في داخلي هو الحب الذي يتحدثون عنه بغير لغتي ومفرداتي وحيائي وحساسيتي ورجائي. هو حب. ولكن لمن؟ كن كثيرات. والكثرة في الحب لا تكلف شيئاً لدى ذوي السريرة الصافية. أما الآخرون فالكثرة عندهم رديف النفاق والفتنة والامتلاك أو الاقتناء. كنت أهدي قلبي لمن أحب. ولأن القلب واسع كفضاء قريتنا، كان بإمكاني أن أبذله للكثيرين وكثيرات، وكن يقدِّرن، من عنايتي بمظهري ولغتي أني على معرفة بالجمال الخَلْقي والخُلُقي، فيرتحن إلى خيارات قلبي ويعتبرنها شهادات في حقهن ومن شأنها أن تجذب إليهن أنظار من يصلحون أن يكونوا أزواجهن في المستقبل، لأبقى أنا من ذكرياتهن ويبقين من ذكرياتي.

ثم إني متعلم، وهذا فارق طبقي فعلي جزئياً، ومرشح للنمو مع زواجي الذي لا بد أن يتأخر ـ لم يتأخر بسبب الشروط النجفية القليلة والملحة على الزواج ـ وأدركت هذا الواقع المحتمل قبل المحطة النجفية، فذهبت إلى اللغة، إلى ما يشبه الشعر لأسقط عليه حبي وأروي رومانسيتي العطشى.

fb