fb

المشروع النهضوي العربي ومسار الاندماج وحال الجامعة العربية (2)

18 آذار (مارس) 2010 , بقلم حسين كنعان

لم تعد الوحدة ممكنة حسب واقع الحال باستعمال القوة. إذاً ما هو السبيل وما هي المعايير التي يراها علماء علم الاندماج القومي في عصرنا الحالي؟ لقد اختلفت وجهات النظر وتعددت العناصر والآراء في هذا الحقل، لكن معظمهم التقوا على بعض الثوابت التي يمكن أن تؤدي الى حالة الاندماج بين الأقطار المكونة للأمة أهمها: عامل الجـغرافيا واللغة على طريق الوحدة:

إذا شاء العرب التطلع والسعي الى الوحدة فيجب ألا يكون ذلك على الطريقة «الصدمية» بل يجب أن يكون مدروساً وعلمياً وموضوعياً وبعيداً عن العاطفة الجياشة وأن تكون حكمة الرجال أصحاب النظرة القومية في محلها من الإدراك الشامل وان يكون التاريخ المعاصر مدرسة ومرتكزاً للانطلاق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتماشي مع لغة العصر والمعايير والعناصر التي تساعد على تحقيق الوحدة بالطرق السلمية والديموقراطية.

إن أصحاب الاختصاص وجدوا من خلال أبحاثهم ودراساتهم أن هناك عناصر وعوامل كثيرة لتحقيق الوحدة القومية بمعنى «National Integration» لتوحيد الأقطار التي ممكن أن تتآلف مع بعضها بعضا وعلى رأسها العامل الجغرافي، فبقدر ما تقترب الحدود من بعضها بعضا بقدر ما تكون الوحدة ممكنة. ذلك لان من المفروض أن تكون هناك حدود مجاورة كي تحصل عملية الاندماج، لان التقارب الجغرافي يساعد على التواصل والتفاهم، أو حتى الى العداوة أو الصراع، أو الى علاقات طبيعية مع الجار كما يحصل بين الأمم. فإذا أخذنا هذا المعيار فإننا نجد بأن الجغرافيا هي عنصر بارز على تعبيد طريق الوحدة اذا حصل التفاهم، وخاصة على الحدود بين المدن والقرى المجاورة.

إن عامل المجاورة والحدود بين الأقطار العربية قائم بحد ذاته بواقـع الطبيعة وليس هناك من عائق أساسي، لا أحد يستطيع من خلاله أن يلغي الجغرافيا، وبالإضافة الى هذا العامل الطبيعي هناك عامل اللغة. فإن اللغة العربية هي اللغة الأم والجامعة وتشكّل بحد ذاتها نقاط لقاء وتفاهم بين الاقطار والشعوب ولكن لا نستطيع ان نشارك الدكتور ساطع الحصري بأنها العامل الأساس، فإن اللغة الانكليزية لم تشكل وحدة بين كندا والولايات المتحدة الأميركية ولم تشكل عائقاً في وجه الاتحاد السويسري، وهناك أكثر من لغة في أمة واحدة، فهناك اثنتان وسبعون لغة يتعامل بها الأهالي في دولة شاطئ العاج. كما أن الجغرافيا ليست بالعامل الحاسم ولكنهما (اللغة والجغرافيا) بعضهما مع بعض تشكلان ركيزتين أساسيتين من مكونات الأمة القومية. إن الجغرافيا واللغة بين الدول العربية تساعد كثيراً على إقامة نظام الاتصالات الاجتماعية «Social Communication». وتعمل على تحسين حالة نظام المواصلات، ذلك لان المواصلات والاتصالات تتطلب ذلك. كما ان الاتصالات الاجتماعية كما يقول الدكتور كارل دويتش «Karl Deutsch» سوف تثمر سلبا أو إيجابا، فإذا كان هناك حائط بين فئات لا تعرف بعضها بعضا ولا تتواصل بعضها مع بعض لا من قريب أو بعيد، فإنها لا تشعر لا بالمحبة ولا بالبغضاء، ولكن اذا أزيل العائق وبدأت عملية الاحتكاك والتعاطي الاجتماعي وفتحت طرق المواصلات فإن ذلك سوف يؤدي إما الى الصداقة أو الى العداوة. وليس المقصود من ذلك جداراً من الاسمنت بل الجدار النفسي والذهني عند الشعوب، ولم يبق سوى الجدار الإسرائيلي أمام الدول العربية، أما في ما بين العرب أنفسهم، فلم يكن هناك جدار بينهم يوماً ما في تاريخهم، لأنهم كانوا وما زالوا في حالة الاحتكاك الاجتماعي والمواصلات والتجارة، وقد شكلت العادات والتقاليد والثقافة في ما بينهم جسراً للتلاقي والتفاعل.

عامل الأمن القومي

إن أهم عامل في مسار الوحدة بين العرب وتوحيد الصف يجب أن يكون عامل الأمن المشترك في وجه العدو الإسرائيلي وهذا أمر مشروع في حالة الدفاع عن النفس وتحرير الأرض وترقب الأخطار من أي جهة أتت. وقد دلت بعض التجارب على أن الدفاع المشترك يمكن ان يكون حالة خوف ممكن ان تحصل أو لا تحصل. فقد أقامت الولايات المتحدة الأميركية مظلة أمنية للدفاع عن المجموعات والكيانات الاوروبية Security Community من خطر ممكن ان تهب عواصفه العاتية من الدول الشيوعية وقد ضخمت هذه المخاوف للدول الاوروبية لإقامة حلف شمال الأطلسي «NATO» وصد أي عدوان يأتي من الاتحاد السوفياتي. أما الآن وقد تغيّرت الامور وانهار الاتحاد السوفياتي وذهبت الحرب الباردة دون رجعة فإن واشنطن لا تزال تصر على ان الخطر لا يزال قائما حتى من الدولة الفتية كإيران وعلى الأعضاء ان يكتيفوا مع السياسة الإستراتيجية الأميركية لان ما بذلته في سبيلهم إبان الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة كان ذا كلفة عالية وعلى الدول التي تنضوي تحت لواء حلف الأطلسي ان تقدر ذلك بإمعان.

أما الدول العربية، فإن خطر إسرائيل داهم ولم يتوقف منذ إنشائها ولم تستطع هذه الدول من الناحية العلمية ان توفر لنفسها أمناً يضمن لها السيادة على الأرض وحماية الأهالي من العربدة الإسرائيلية اليومية. وتحت وطأة كل ذلك وبالإضافة الى الهيجان الشعبي قامت الدول العربية سنة 1950 بإنشاء مجلس الدفاع المشترك الذي نصت المادة الثانية منه «تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على أي دولة أو أكثر منها أو على قواتها المسلحة عليها جميعاً، لذلك فإنها عملا بحق الدفاع المشترك ـ الفردي والجماعي عن كيانها تلتزم بأن تبادر الى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة، جميع التدابير اللازمة، وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لردع الاعتداء».

إن تفعيل فكرة الدفاع المشترك لدى الدول العربية لم يكن مؤثراً وفاعلاً في الماضي، فكيف اليوم بعد أن تفردت بعض الدول العربية واعترفت بدولة إسرائيل وأبرمت معها معاهدات سلام. ففي هذه الحال أين تقع فكرة الدفاع المشترك وفي أي منجم يمكن للمواطن العربي التفتيش عن معانيها وأبعادها.

الدفاع العربي المشترك ما وجد أساساً إلا لردع الاعتداءات الإسرائيلية، ففي سنة 1946 بعد سنة من إنشاء جامعة الدول العربية اتخذ الأعضاء قراراً ينص على «أن مجلس جامعة الدول العربية يؤكد من جديد عزم دول الجامعة العربية على مواصلة الدفاع عن حقوق عرب فلسطين حتى يرجع الحق الى نصابه، وإن مجلس الجامعة لن يلين ولن ينثني عزمه على رفضه أي مشروع من شأنه أن يؤدي الى تقسيم فلسطين، أو تأسيس رأس جسر صهيوني فيها، كما أنه لن يدخر وسعا في القيام بكل ما تتطلبه الظروف والأحوال والاحتفاظ بصفة فلسطين العربية باعتبارها جزءاً حيوياً من الوطن العربي الأكبر».

فإذا كانت الفكرة الأساسية هي الدفاع عن فلسطين واعتبارها جزءا من الأمة العربية، فأين هي فلسطين الآن وأين تبعثرت هذه الأفكار الرسالية التي لم يجد العربي اليوم تفسيرا لها في عقول وأفكار وسلوك المؤتمنين على مصير الأمة وأرضها وقيمها. إن مهمة الجامعة ومجلـس الدفــاع المشترك وما انبثق عن الجامعة من مجالس ما هي إلا لحفظ نظام القيم الوطنــية التي تـشكل رافداً كبيراً ومهماً يصب في حالة الاندماج «الوحدة» القومي وهو أقرب بكثير بعضه الى بعض من نظام القيم عند بعض الدول الموحدة.

لقد كانت الولايات المتحدة الأميركية قبل الاتحاد تعيش حالات متعددة من القيم الأخلاقية والثقافية والاجتماعية وحتى الوطنية منها، وقد أدرك الآباء المؤسسون هذه الأوضاع وأرسوا نظام قيم عالية في الدستور الأميركي يتوحدون وينضوون تحت راية هذه القيم وخاصة حقوق الإنسان وحريته وأمنه وحقه في حياة أفضل، وجاء امتداداً لهذه القيم في الشأن الدولي النقاط الـ14 التي وضعها الرئيس ولسن، وأهم ما فيها الديموقراطية وحق تقرير المصير. يقول كريست هدج Christ Hedge في كتابه الحديث امبراطورية الوهم «Empire of Illusion» ان أميركا بحاجة الى عقل ناقد ليتضح لها مسار القيم التي اعتنقتها عند إنشائها كي تحافظ على الدور والمبادئ التي وجدت من أجلها وان الأدلجة الوطنية والقرارات الوطنية يجب أن ترتكز ليس على المصالح فقط بل يجب أن تكون هذه المصالح مغلفة بالأخلاق والقيم الأميركية وأن يكون تدخلها الخارجي هادفا الى توطيد مداميك الأمن والاستقرار لبني البشر أجمع، ذلك لان القدر شاء لها أن تتربع على قمة الهرم في النظام الدولي، وعليها أن تتحمل المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقها خدمة للسلام والأمن العالميين. ولا أحد يستطيع أن يدفع بنظام القيم الى العلاء والتقدم في أميركا أو غيرها أكثر من النخب الموضوعية. ودائما تتعلق الآمال على مختبر الفيزياء الأميركي كي يصحح نفسه بنفسه. لهذا يتوجب على الجميع العمل على توسيع رقعة النخبة الواعية وإعطائها الدور الذي يجب أن تلعبه دون التأثير عليها لكي تستطيع القيام بدورها في عملية تصحيح المسارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. للبحث صلة

fb