الدولة في التفكير السياسي العربي
19 آذار (مارس) 2010 , بقلم عمر كوشالمستقبل - الجمعة 19 آذار 2010
يعتبر مفهوم الدولة من أكثر المفاهيم إشكالية في الفكر السياسي العربي الحديث، حيث لم يتأقلم في التربة العربية إلا وفق تعيّنات تخلطه بمفاهيم أخرى، كالسلطة والحكومة والإدارة وما شابهها، فبقي ملتبساً وملحقاً في الخطاب العربي المعاصر، الذي أنتج مفاهيم هجينة وممسوخة، باتت متداولة وشائعة في اللغة السياسية، كالدولة الوطنية، وكأن هناك تحققات لدولة لا وطنية في التاريخ المعاصر أو لدولة خائنة! وعلى شاكلتها درجت مسميات الدولة القومية والدولة الإسلامية والدولة الاشتراكية، دولة العمال والفلاحين. وهي توصيفات وتسميات غامضة ومبطنة لأشباه دول، مستبدة أو شمولية، غايتها احتكار القرار العمومي ومصادرة الفضاء السياسي.
ولم يجهد معظم المفكرين العرب في إيلاء الدولة ما تستحقه من البحث والاهتمام العلمي، حيث لم يتناولوها كمسألة مستقلة من خلال تطورها التاريخي، الأمر الذي جعلها مضمرة في الوعي العربي المعاصر، وأفضى إلى نتائج عكسية في نمط ولاء الناس، حتى بات عصياً استقرارها في الوعي الجماعي، بسبب ضعف تأصيلها النظري، وفقر خبرتها في التجربة التاريخية، فلم تتأرضن الدولة كوعاء مشترك في المخيال الجماعي لمختلف الجماعات العربية.
وبالرغم من تعرّف المفكرين العرب الأوائل على النموذج الحديث للدولة في البلدان الأوروبية، إلا أنهم لم يجدوا مركبات هذا المفهوم في المجال العربي، فعالجوا قضايا تلامس مسألة الدولة أو تدور حولها، حيث تحدث رفاعة الطهطاوي عن دولة تنهض على القوة الحاكمة والقوى المحكومة، بوصفهما ركنين أساسيين للدولة، والدستور هو الناظم للعلاقة بينهما، فيما راح الأفغاني ومحمد عبده وسواهما يتناولون عناصر الدولة ووظائفها دون تحديد دقيق لمفهومها، وبقيت مقارباتهم محدودة وضعيفة، وبعيدة عن الأقلمة النظرية.
وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، ووصول العسكر إلى السلطة، ساد حكم دولة الحزب الواحد، التي سميت باسم الدولة الوطنية، ودار نقاش واسع حول مفهوم الدولة الوطنية، خصوصاً بعد هزيمة السادس من حزيران 1967، لكنه انتهى دون أن يراكم ما يمكن البناء عليه، نظراً لتشوش وغموض مفهوم الدولة ذاته، وعجز النخب الحاكمة عن تحقيق تعينات الدولة الحديثة، من مؤسسات وقوانين تفصل السلطات وتنظم عملها وتحفظ الحريات الفردية والعامة، أي عجز نموذجها عن أن يكون دولة لمجموع المواطنين، إضافة إلى فشلها في التنمية التي رفعت شعارات طنانة بخصوصها. وبعد قيام الثورة الإسلامية في إيران، وتحول إيران إلى جمهورية إسلامية، تأخذ بولاية الفقيه، برز مفهوم الدولة الإسلامية بقوة، وهو مفهوم يخلط بين الدولة كمفهوم حديث والإسلام كدين، ولا يتعدى عن كونه تسمية جديدة لما عرف في التاريخ الإسلامي عن دولة الخلافة أو الإمامة أو الدولة السلطانية، التي ينصب همّها على صفات ومؤهلات قائد أو أمير الجماعة، أو من يتولى سلطة الأمر، ويحتكر القرار العمومي، ويصادر الفضاء العام لرعيته.
بالمقابل، لم يتمكن النموذج الذي سمي "الدولة الوطنية" من إيجاد سلطة منظمة للمجتمع، بل أنتج سلطة متسلطة على المجتمع، فغاب التفاعل الإيجابي السلمي بين الفئات المدنية والأهلية ومختلف المكونات والقوى الاجتماعية، لذلك بقي المجتمع بحاجة للدولة المنشودة. ونجحت هذه الدولة في إنتاج قدر كبير من السطوة والسيطرة على المجتمع، بمختلف جماعاته الوطنية، واستعانت بكل التقنيات والتدريبات الأمنية من الخارج، كي تزيد قوتها وسلطتها. ولا يمكن لهذه الدولة الهجين أن تنتج دولة الأمة، أو دولة لمجموع مواطنيها، ومن الطبيعي أن تسود، في ظلها، مرحلة من انسداد الأفق السياسي والاجتماعي لدى مختلف القوى الاجتماعية الفاعلة، التي كانت تأمل في أن تكون لها دولة الأمل. دولة الحريات والسيادة والتنمية المتوازنة. دولة لا تحول الأرض التي تسيطر عليها إلى سجن أو معتقل كبير. ودولة تتسع لجميع الأحلام في التقدم والديموقراطية.