fb

خطاب البياتي الشعري

19 آذار (مارس) 2010 , بقلم محمد الحمامصي

تحاول هذه الدِّراسة «خطاب البياتي الشعري» للدكتور محمد مصطفى علي حسانين استكشاف معالم التشكيل الفني في شعر عبد الوهاب البياتي، برصد بنياته الداخلية المؤسِّسة، وظواهره الفنية في أنساق كلية تكشف عن العناصر البانية لشعرية خطابه وسماته الدالة، وصولاً إلى إدراك هذا الخطاب وفهمه في ضوء آليات اشتغاله الجمالي، والوعي بطرائق تأويله في سياقيه التاريخي والثقافي.

وإزاء هذا المسعى، تضع الدراسة نصب عينيها مشروع البياتي الشعري في اكتماله، بوصفه خطاباً متلاحم الأجزاء يضيء بعضه بعضاً، عبر مسيرة شعرية حافلة بثرائها النوعي والكمي، امتدت قرابة نصف قرن (1950م ـ 1999م)، تتابعت فيها دواوينه لتصل إلى (اثنين وعشرين) ديواناً، تتسم بتفاوت وسائل التعبير، وتحول العناصر الشعرية، من ديوان لآخر، وقد أهلته هذه المسيرة منذ ديوانه أباريق مهشمة أن يكون في طليعة الحركة الشعرية التي أرست دعائم قصيدة التفعيلة، وارتادت أفق التحديث بذائقة خاصة في تشكيل النص. وقد حاولت الدِّراسة الاستفادة من محصلة ما توصلت إليه هذه الدراسات، - في ضوء التراكم العلمي والإجماع النقدي حول خاصية بعينها بخلفيات معرفية مغايرة، تشكل مسلك الدِّراسة الخاص في إضاءة جوانب ربما لم تكن مثار بحث، أو لم تنل إلا بعض الإشارات العابرة.

كما دُرست تشكيلات التفعيلة، وكثافة زحافات الرجز التي توهم بفقدان المقوِّم الإيقاعي، وكشف عن دور التوازيات التركيبية والتوازنات الصوتية في رأب صدوع الوزن، فما تفقده البنية الشعرية على صعيد الانتظام الوزني الظاهر، تعود لتأخذه على صعيد التوازيات، وتعوض السيولة النثرية للرجز، بضروب الشعرنة، الاستعارية والرمزية.

وبحُثتْ بنية السطر، بوصفها نواة الإيقاع التي تستوعب حزمة من العناصر الإيقاعية، يقع على عاتقها في ضوء التوفيق والتبديل بينها ودرجات كثافتها تشكيل أنساق الإيقاع وتدرجاته، وتبين للدراسة، وجود أنساق خمس للسطر في شعر البياتي، فإلى جوار النسق الإنشادي والمتوازي والممتد، يقع نسق خافت الإيقاع وآخر يعتمد على تدوير المقطع. وفي ضوء مفهومي (الزمن الإيقاعي) و(المؤالفة والمخالفة) كشفنا عن السمات الخاصة بكل نسق.

وكشفت دراسة (التدوير) عن نزعة بارزة لتعالق السطور وزنياً، وما يترتب على هذه النزعة من تضافر مستويات البناء الشعري، عبر أشكال التدوير المتنوعة، خاصة تلك العلاقة التي تربط تدوير المقطع بتناصر عناصر الإيقاع؛ الصوتية والتركيبية، بما يؤدي إلى بروز الإيقاع على نحو صاخب، تستنقذه فاعليات عديدة ـ منها عدم الملاءمة بين أطراف التركيب ـ من وقوعه في حيز الثرثرة الخطابية، واللّوثة الإيقاعية على حساب المعنى.

كذلك دُرست أنساق القافية وطبيعة عملها، وكشفت دراسة (القافية الموحدة) عن علاقة ثلاثية الأضلاع (بين التزام الروي الموحد واختياره من فئة الأصوات المجهورة)، من جهة، وارتباط ذلك بالتشديد على الوظيفة المرجعية للنص في بعده التداولي؛ السياسي والاجتماعي المباشر من جهة أخرى. كذلك درست أشكال القافية (المتوالية) و(المتعددة).

ولما كان رمز (عائشة) يمثل مركزاً أساساً في البنية الدلالية، بوصفه القطب الذي تدور حوله شبكات الجهاز الرمزي المتعددة، ليكشف عن مكونات هذا الرمز الدالة على انصهار الأساطير، بطريقة تتقمص فيها (عائشة) أكثر من أداء أسطوري، في تحولات تعبَّر عن الديمومة ودورية الموت والانبعاث، ودُرست آليات (التناص)، وفي ضوء علاقة التناص بالبناء الدلالي.

جاء الثاني ليوضح إسهام (المؤولات والعكس) في إنتاج الدلالة النصية، وكشفت الدراسة ، عن وجود علاقة بين (العكس بالإيجاب) في نصوص البياتي، وهدم المعاني الدالة على الكآبة، بغية التشديد على المعاني الإيجابية المتفائلة، في حين ارتبط (العكس بالسلب)، بهدم معاني الحكم الأمثال وبقايا العبارات الشائعة، لتصبح بقايا عبارات بالية، تعطل حركة المجتمع وتطوره.

وإذا كان القناع مركباً من صوت الشخصية التراثية، والشاعر الغنائي الكامن وراء صوت القناع الظاهر، فإننا إذن إزاء صوتين متجادلين، ونظامين إشاريين متشابكين، يشير النظام الأول إلى وفرة من النصوص الدائرة حول الشخصية التراثية أو أقوالها، ويرتد الآخر إلى شعر البياتي، مادام البياتي لا يكف عن دمج جهازه الرمزي في أغلب قصائده، وكأن النظام الأول يُسْتخدم وفق شروط النظام الآخر، بطريقة تفتح القناع على وفرة من النصوص والأصداء، تعبر عن تعدد دلالته.

المؤلف في سطور

د.محمد مصطفى علي حسانين باحث مصري من مواليد نوفمبر 1973، تخرج في كلية دار العلوم بجامعة الفيوم 1996، حصل على الماجستير عام 2004 وعلى الدكتوراه عام 2009، شارك بأبحاثه في عدد من المؤتمرات المصرية والعربية، فاز بجائزة الشارقة للإبداع العربي 2003 عن كتابه استعادة المكان، وله ديوان شعري «إيقاعات الرمل والمدارات»، وله أبحاث في مجال الرواية والشعر قيد النشر.

الكتاب: خطاب البياتي الشعري

تأليف: محمد مصطفى علي حسانين

الناشر: هيئة قصور الثقافة ـ القاهرة 2009

الصفحات: 515 صفحة

القطع: المتوسط

fb