fb

دبلوماسي غربي في بغداد: الصدريون رقم صعب أصبح يوازي قوة الأكراد وسيأخذ دورهم في صناعة الحكام !

19 آذار (مارس) 2010

شؤون سياسية - 17/03/2010 -

بغداد - واشنطن - النور:

من جديد يثير الصدريون الانتباه، بما حققوه حتى الآن من نتائج في الانتخابات الأخيرة. وتتصاعد مؤشرات كثيرة على أنهم قد ينقلبون على تحالفهم الحالي نحو تحالف جديد، وليس من المستبعد أن يكون "عدوّهم اللدود" نوري المالكي عنصر الاستقطاب ثانية، وإن كانوا لا يصرّحون الآن بذلك. والمعتقد أنّ إيران لن تكون بعيدة عن هذا المشهد، كما يرى المحللون السياسيون الأميركان، أنّ الدافع الأساسي –طبقاً لمنشورات وزعها الصدريون قبيل التصويت- سيكون حرمان العلمانيين من الوصول الى قيادة سلطة البلد.

ويقول أنتوني شاديد، مراسل صحيفة النيويورك تايمز إن أتباع مقتدى الصدر، "رجل الدين الراديكالي الذي قاد التمرّد الشيعي ضد الاحتلال الأميركي" بحسب تعبير الصحيفة، ظهروا في انتخابات الأسبوع الماضي، وهم أكثر قوّة، متحدّين "التنبؤات السياسية الطقوسية" عن احتمالات زوالهم، وهم الآن –كما يقول شاديد- يهدّدون بإعادة "موازين السلطة" في العراق.

إنّ نجاحهم الظاهر في انتخابات 7 آذار البرلمانية –ربّما يحتلون المرتبة الشيعية الثانية بعد رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يُعتقد أن تحالفه، سيكون الكتلة الشيعية الأكبر في البلد- يؤكد حضور "الاتجاه الضارب" في السياسات العراقية، ويعني ذلك: انهيار الدعم للعديد من المنفيين السابقين الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة بعد غزو العراق سنة 2003. وعلى الرغم من أن المنافسين "استهانوا" بالحملات الانتخابية للصدريين، فإن الوثائق والمقابلات –كما يقول مراسل النيويورك تايمز- أظهرت انضباطاً غير مسبوق، يدفع هذه المجموعة ذات الشعبية في صفوف الفقراء الشيعة الى حافّة "النفوذ السياسي الأكبر" في العراق.

وترى الصحيفة أن هذا الأداء النادر أكمل "القوس المتميز" لهذه الحركة الشعبية" التي ورثت عباءة الشهيد آية الله محمد محمد صادق الصدر، وولديه في النجف، ثم صاغ نجله مقتدى الصدر، ثقافتها العسكرية في قتالها ضد الجيش الأميركي سنة 2004. وبعد سنوات من الهزائم، والانقسامات، والشكوك التي أحيطت بها حتى من قبل رجال الدين التابعين للتيار الصدري، وخلافاتهم مع الصدر نفسه المغترب في إيران، اعتنقت الحركة العملية السياسية، لكنّها بقيت على معارضتها للاحتلال ولأي حضور أميركي في العراق. ولهذا فليس من المتوقع أن تجري الأمور بسهولة، بعد أن تتشكل الحكومة الجديدة التي ستعقب الانتهاء من نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ويعتقد محللو النيويورك تايمز أن "تغيّر الصدريين"، والثقة الجديدة التي اكتسبوها، قد تجعلهم الآن أكثر تشدّداً في مواجهاتهم!.

وتقول أسماء الموسوي، النائبة الصدرية: ((إن تزايد تمثيلنا في البرلمان، يعني زيادة قوّتنا)). وأضافت: ((عاجلاً سنلعب الدور الذي أعطيناه)). وفي سياق هذه الثقة التي يتحدث بها الصدريون، كان خطيب صلاة الجمعة في بغداد يهتف بالمصلين: ((اليوم يومنا)) كان يصرخ بالمئات من الذين تجمّعوا خارج مبنى مكتب الحركة في متداعي المباني، والذي تنتشر فيه أسلاك الكهرباء مثل شبكة العنكبوت، وكل مظهر فيه يشير الى الفاقة والإحباط والغضب الذي يغلي في صدور الناس مما يلحقها من أذى بسبب الإهمال والفساد والأخطاء والصراعات.

والنتائج المعلنة للانتخابات، ليست "شاملة" حتى الآن، وبموجب الصيغة المعقدة لتوزيع المقاعد البرلمانية، فإن نسبة التصويت، سوف لا تعكس بالضرورة، العدد الحقيقي في البرلمان ذي الـ325 مقعداً. لكنّ المعارضين، والحلفاء، يعتقدون أن الصدريين ربما يفوزون بأكثر من 40 مقعداً. وفي الاحتمالات كلها، فإن نتيجة التصويت ستجعلهم الأغلبية الواضحة في "الائتلاف الوطني العراقي"، وهو تحالف شيعي بالدرجة الأساس، ويعدّ من أشد منافسي تحالف المالكي "دولة القانون". وإذا تأكدت أعداد المقاعد، فإن الصدريين يمكن أن يشكلوا كتلة مقاربة في حجمها للأكراد الذين يحتلون منذ الانتخابات البرلمانية السابقة موقع "صناع الملوك" في إطار التحالف الحكومي.

وفي بغداد وحدها، والتي يعدّ التصويت فيها "حاسماً" لتقرير من يكون الفائز الرئيس في الانتخابات، لم يكن العديد من المرشحين الصدريين معروفون سياسياً، لكن 6 منهم كانوا ضمن الحاصلين –حتى الآن- على الأصوات الأعلى. وفي هذا السياق علق مسؤول غربي على ذلك مشترطاً عدم الكشف عن هويته، بموجب مستلزمات وظيفته، بقوله: ((إنّ الصدريين لا يمكن أن يُطردوا من الساحة السياسية)).

ويؤكد أنتوني شاديد، أن "تجاهل" الصدريين، لفترة ما بعد الاحتلال، قد ثبت فشله كفكرة عامة. وفي أشهر الفوضى الأولى للغزو سنة 2003، كان المسؤولون الأميركان –بشكل اعتيادي- يسخرون من السيّد الصدر، ويعاملونه كـ"مبتدئ" و"خارج على القانون"، وكانوا يغفلون حقيقة التفويض الذي يحظى به شعبياً بين فقراء الشيعة بحكم تأثيرات والده آية الله محمد محمد صادق الصدر الذي اغتيل في وضح النهار، هو وولداه المعممان في النجف. إن صورة "آية الله الصدر الأب" مازالت موضع اعتزاز أتباع التيار الصدري، والتي يعلقونها في بيوتهم، ومكاتبهم، ومحلات عملهم، وفي كل مكان لهم فيه حضور تقريباً.

وتلك العداوة فجّرها القتال مرتين في بغداد والنجف سنة 2004. وبعد 4 سنوات، لاسيما بعد أن أصبحت حركة التيار الصدري "ملامة"، عُدّت بأنها السبب في المذابح الطائفية الأكثر سوءاً، ولهذا حوربت من قبل الحكومة وقـُهرت في حرب الجيش العراقي ضدها، لكنّ ذلك لم يكن ليتم من دون مساعدة دقيقة وحاسمة من قبل القوات الأميركية التي كانت تنتشر في بغداد. ثم جاءت الانتخابات المحلية التي جرت مطلع السنة الماضية لتشهد ارتفاع حركة التيار الصدري من جديد. والعديد من السياسيين الآن يرونها جزءاً من التيار السياسي السائد في البلد، لكن ذلك يترافق مع إحساس حذر من أية تطورات في الشارع. ولهذا استطاع التيار الصدري أن يعكس "موهبته" في احتلال دور المعارضة للحكومة التي يتزعّمها "خصمهم اللدود الآن" نوري المالكي، والذي يعدّونه "غدر بهم" لأنهم –كما يزعم الكثيرون من زعماء التيار الصدري- هم الذين رفعوه الى منصب رئاسة الوزراء، بديلاً لإبراهيم الجعفري الذي دخلوا في الانتخابات الأخيرة ضمن تحالف يضمه، إضافة الى خصمهم السابق، المجلس الأعلى الإسلامي.

وخلال تلك السنوات، كان الصدر نفسه قد مرّ بـ"تطوّر". في الأيام المبكرة من الاحتلال، لم يكن يمتلك "حضوراً كارزمياً معيّناً"، فهو –بتعبير مراسل صحيفة النيويورك تايمز- يرتدي العمامة السوداء التي يضعها بمستوى عال فوق جبهته، وكانت هيئته العامة "غير مريحة لقادة الاحتلال"، لاسيما عندما يتحرّك بدفع أكتافه فوق جسده المكتنز. وبرأي المراسل أن هذه الصورة تغيّرتْ خلال ظهوره في مؤتمر صحفي هذا الشهر من إيران التي يقول أتباعه إنه يدرس فيها، لينال مرتبة "آية الله". لقد ظهر في المؤتمر بنبرة عنيفة أكثر بكثير مما كانت عليه نبرته في السنوات الماضية، وعكس مظهره العام وحديثه ثقة كبيرة بالنفس، وبدت لحيته وقد وخطها الشيب مع أنه في عمر الشباب (36 سنة). ولقد تعمّد التحدّث بلغة عربية رشيقة، كما أهمل بعض أسئلة الصحفيين وهي ممارسة لا يتصرف بها إلا "المستبدّ" الذي يرى نفسه "مهيباً"، بحسب تعبير المراسل. ويقول أنتوني شاديد إن حركة التيار الصدري مشهورة بإصدار البيانات "الغامضة" بشأن نواياها وخططها، فهي برغم معارضتها وحروبها شاركت في الحكومات السابقة، فيما كانت ترفض العملية السياسية. وفي هذا الوقت، وبكلمات أكثر وضوحاً، أصر مقتدى الصدر على مشاركة أتباعه في التصويت. وهو القائل: ((هذا سيكون باباً لتحرير العراق، ولطرد المحتلين ولشيء آخر مهم جداً، وهو خدمة العراقيين)).

إن نجاح الصدريين –كما تقول الصحيفة- قد أضفى "تشويشاً" على المشهد السياسي المضطرب أصلاً، و"المعكـّر" بالتخمينات التي تتعلق بالخيارات التي سيتم فيها تشكيل الحكومة المقبلة. وربما سيكون المالكي الخاسر الأكبر. ومع أن الصدريين كانوا قد دعموه يوماً، فإنهم الآن يبدون "الكراهية الأكبر" له لأنهم يتهمونه بتنفيذ حملة عسكرية ضدهم سنة 2008.

وفي هذا السياق، كان سامي العسكري النائب في البرلمان، وأحد حلفاء المالكي والمقربين منه، قد أكد ((أن إهمال الصدريين مشكلة)). وقال مخاطباً إياهم: ((والتحدث معكم في الحكومة مشكلة أخرى))..وأضاف: ((إنهم متقلّبون ولا يمكن لأحد أن يخمّن تحركهم المقبل)).

وبدا لأنتوني شاديد أن الصدريين، يبدون متأكدين من "كسوف" الزعماء الشيعة المخضرمين الذين عادوا من المنافي سنة 2003، والذين يتحالف الصدريون معهم الآن "إسمياً". في كانون الثاني الماضي، أصبح المجلس الأعلى الإسلامي في العراق تحت قيادة السيد عمار الحكيم الذي يمثل الجيل الشاب في العائلة التي تتولى مسؤولية المجلس، والذي أقنع الصدريين بضمهم تحت جناح تحالفه. وفي هذا الوقت، يعتقد الصدريون، إنهم يجب أن يحسنوا الأداء السياسي، ولذلك ربما يجدون أنفسهم مجبرين على الانشقاق من تحالفهم والالتحاق بتحالف المالكي. وفي أقل تقدير، لقد أوضح الصدريون أنهم يعتقدون أن قيادة التحالف أي "الائتلاف الوطني العراقي" يجب أن تكون لهم.

ويقول أسعد الناصري، الزعيم الصدري، وهو يخطب بالمصلين يوم الجمعة الماضية في مدينة الكوفة التي تعد قلعة لهم: ((إن نتائج الانتخابات، ستتطلب من بعض الأحزاب إعادة النظر في الحجم الذي يستحقونه)). ومنذ سنة 2003، رفض الصدريون أي اتصال مع الجيش الأميركي، أو الدبلوماسيين الأميركان في بغداد. وبحسب تأكيد أحد المسؤولين الأميركان: ((فإنّ من المهم أن يغيّر الصدريون سياستهم حيال الولايات المتحدة)).

لكنّ خسارة أميركا للصدريين، لن تكون بالضرورة "فوزاً" لإيران، كما يقول أنتوني شاديد. ففي توضيح حيوي للقوة الإيرانية في العراق، فإنها داهنت الصدريين للالتحاق بالتحالف الانتخابي للمجلس الأعلى، برغم أن الفريقين تقاتلا في حرب شوارع قبل سنوات قليلة. والطرفان مازالا يكشفان علناً عن "خصومتهما"، لكنّ العديد من السياسيين يعتقدون أن الصدريين –الذين يُظهرون أنفسهم كوطنيين منذ فترة طويلة، أكثر من ظهورهم كحزب ديني- سيبرهنون أنهم "أقل مرونة مع إيران"!.

ومن جانب آخر يؤكد الدبلوماسي الغربي الذي تحدث للنيويورك تايمز في بغداد قوله: ((إن الصدر ليس الأسهل من الزبائن الذين تتعامل معهم إيران)). وبرأيه ربما تكون المهارة الأكبر للصدر في تحريك التظاهرات الشعبية التي يقودها أتباعه، ثم حركته المباشرة والفعالة في الأحياء الشيعية الفقيرة التي مازالت حتى الآن لا تحصل على الماء الصالح للشرب. وكان –يقول شاديد- الزعماء الصدريون قد حذروا في منشورات وزّعوها على أتباعهم من أن تتوزّع الأصوات، وتذهب الى "العلمانيين". وخاطب أحد المنشورات الصدريين: ((لا تنسوا التصويت فقط لمرشح واحد)).

وثمة بيانات أعدّها أحد الستراتيجيين الصدريين، أظهرت وقف دائرة انتخابية كاملة في الحي الفقير لمرشح واحد، وهو (حاكم الزاملي) النائب السابق لوزير الصحة، والذي اتُهم على نطاق واسع بإدارة "فرق الموت" خلال الحرب الأهلية، وقد نُظم الناخبون في 22 موقعاً. ولحد الآن، فهو الرابح السادس بين المرشحين ذوي الأصوات الأعلى في بغداد، ومن المؤكد –كما يبدو واضحاً- أنه سيحصل على مقعد.

ويوم الجمعة الماضي، كان المصلون في مدينة الصدر، يتدافعون ليقبلوا الزاملي، مهنئين إياه بالفوز وبالحظ السعيد في موقعه الجديد بالبرلمان. وبعد أنْ فرغ الزاملي من مصافحة مهنئيه قال: ((نحن الجماهير الأكبر. وبقية الأحزاب الأخرى تعتمد على الزعامات الفردية، ونحن نرتفع من خلال الانتخابات)).

المصدر : النور

fb