نسخة من المقال للطباعة fb

«دليـل إعـادة بنـاء الأمـم» : هكذا تفكك أميركا الدول وتدمرها... ثم «تعيد بناءها»

20 آذار (مارس) 2010 , بقلم وليد صليبي

«دليل إعادة بناء الأمم»، دراسة أجرتها مؤسّسة «راند كوربوريشن» (RAND Corporation) سنة 2007، وصدرت في كتاب من 284 صفحة، في الولايات المتحدة الأميركية.

طلبته فور صدوره ذاك العام، في معرض إعدادي كتابي الأخير «صراع الشموليات»، فشعرتُ وأنا أقرأه بأنه من واجبي أن أخبر عن هذا «الدليل» وأنصح بقراءته. وعلى الرغم من أننا نقول اننا نعلــم بالطـبع أشـياء كثيرة عن سياســات الدول ومصــالحها، لا سيّما الولايات المتــحدة، إلا أن الكــتاب صدمني لنــاحية هذا الــحدّ من اللاخفر في إعلان النيات التي خلف السياسات، وطبعها ونشرها في كتاب، وبالتحديد على شكل «دليل» توجيهي مكشوف تجاه الدول التي سيتمّ التدخل فيها وإعادة قولبتها...

أرى من المفيد الاطلاع على جوهر ما جاء في دراسة «راند»، متخذاً دور «ناقل الخبر ومترجمه»، من دون أي تعليق. فهنا، فقرات حرفية من «الملخص» المعروض في مستهلّ الدراسة تحت هذا العنوان، ومن بعض صفحات الكتاب، مع التنبيه تكراراً، إلى أن كل كلمة وكل عنوان وكل تفسير وردت هنا، ليست من عندي ولا تمّ المسّ بحرفيتها، بل هي مفردات «الدليل» ومصطلحاته بصراحة. وقد سمحتُ لنفسي بأن أصنّف بعض المضامين، دوماً كما وردت في الدراسة تحت أربعة عناوين مكثفة: 1- تقسيم العمل بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة؛ 2- الدعم السياسي لمجموعات محددة؛ 3- إعادة بناء المؤسسات؛ 4- السياسة الاقتصادية.

ورد في غلاف الكتاب من الداخل، للتعريف به وعلى لسان مؤسسة «راند» بنفسها، ما ترجمته: الدراسة المعروضة في هذا التقرير تمّ تمويلها من قبل مؤسسة Smith Richardson Foundation، وتمّ إنجازها بإشراف المركز الدولي للأمن والسياسة الدفاعية التابع لقسم الأبحاث في الأمن القومي في مؤسّسة «راند» National Security Research Department (NSRD) الذي يتولـّى الأبحاث والدراسات لصالح مكتب وزارة الدفاع، وفريق العمل المشترك لأركان الحرب، واتحاد القادة العسكريين، والمؤسسات المعنية بالدفاع، والقسم العسكري في البحرية، وقيادة حرس السواحل، وجميع المؤسسات الاستخباراتية الأميركية، وإضافة إلى ذلك جميع الحكومات الخارجية الحليفة، ومؤسّسات أخرى.

([) The Beginner’s Guide to Nation-Building: Dobbins et al., published by RAND Corporation, USA, 284 pages, 2007. RAND

«راند»، كما يعرَّف بها عالمياً، ليست مجرّد مركز أبحاث كسواها، بل يمكن القول انها مركز أبحاث البيت الأبيض أو الإدارة الأميركية. إنها المؤسّسة التي تحدّد وتعرّف باستراتيجية الإدارة الأميركية، وكذلك استراتيجية معظم الحكومات الحليفة للولايات المتحدة. وفقاً لتعريفها الخاص، تأسّست «راند كوربوريشن» (RAND Corporation) سنة 1946، من قِبل القوات العسكرية الجوية في الولايات المتحدة، عن طريق عقد مع شركة دوغلاس لصناعة الطائرات (Douglas Aircraft Company). في البداية، تأسّست «راند» بصيغة شركة خاصة، اسمها (Project Rand). سنة 1948، تمّ فصل «راند» عن شركة «دوغلاس»، وأصبحت منظمة مستقلة لا تبغي الربح (independent non-profit organization). مؤسّسة «فورد» (Ford Foundation) هي التي وفـّرت رأس المال الأول الذي أمـّن الانفصال لتولد «راند» مستقلة.

يتمّ تمويل «راند» من قِبل الحكومة الأميركية، وهبات خاصة، والشركات الخاصة الصناعية والتجارية بما فيها في مجال الصحة، جامعات، وأفراد... من بين أعضاء فريق العمل الأساسي الذي يعرّفونه بـِ (Staff)، نجد هنري كيسنجر ودونالد رامسفيلد... «راند» تستخدم اليوم 1600 موظف، ولها أربعة مكاتب رئيسية في الولايات المتحدة، في سانتا مونيكا وكاليفورنيا وواشنطن وبوسطن. وتملك المكتب المختص بدول الخليج في جاكسون (RAND Gulf States Policy Institutes)، والمكاتب المختصة بأوروبا (RAND Europe) في كامبردج ـ إنكلترا وبروكسيل ـ بلجيكا. وسنة 2003، افتتحت «راند» مكتباً في الدوحة (RAND – Qatar Policy Institute). «ملخـّص Summary» في تقديم «الملخص»

إعادة بناء الأمم، كما يعرَّف عنها في الولايات المتحدة، تتضمن استعمال القوة العسكرية، كجزء من مجهود أوسع، لترويج إصلاحات سياسية واقتصادية، بهدف تحويل مجتمع خارج من نزاع إلى مجتمع في حالة سِلـْم مع نفسه ومع جيرانه. في السنوات الأخيرة، ازدادت بشكل كبير عمليات عسكرية من هذا النوع. خلال الحرب الباردة، قامت الولايات المتحدة بتدخل عسكري جديد، بمعدّل مرّة كل عشر سنوات، بينما كانت الأمم المتحدة تطلق بعثات لحفظ السلام، بمعدل بعثة جديدة كل أربع سنوات. بعد انتهاء الحرب الباردة، ارتفع معدّل التدخلات العسكرية للولايات المتحدة، من مرّة كل عشر سنوات إلى حوالى مرّة كل سنتين. أما وتيرة بعثات حفظ السلام، التابعة للأمم المتحدة، فارتفعت إلى مرّة كل ستة أشهر، فيما كانت حوالى مرّة كل أربع سنوات. حتى المدة الزمنية لهذه البعثات والتدخلات، زادت وصارت تتراوح من 5 إلى 10 سنوات. وصارت الولايات المتحدة تدير في الوقت نفسه، 3 أو 4 تدخلات معاً، بينما الأمم المتحدة تدير حوالى 24 مهمّة في الوقت نفسه...

خيار مشترك ضدّ تفكيك Co-Option versus Deconstruction

بشكل عام، هناك خياران، من أجل إطلاق إصلاحات يمكنها تحويل مجتمع عنيف إلى مجتمع في حالة سِلـْم مع نفسه ومع جيرانه.

يمكن تسمية الخيار الأول (Co-option) أي الخيار المشترك؛ حيث تحاول السلطات الخارجية المتدخلة أن تعمل مع المؤسّسات الموجودة في البلد والتواصل مع القوى الاجتماعية ومراكز القرار، كي تحوّل التنافس على السلطة وعلى الثروة وتعيد توجيهه، من تنافس عنيف إلى طرق وقنوات سلمية.

أما المقاربة الثانية، فيمكن تسميتها (Deconstruction) أي التفكيك؛ حيث تفكك السلطات الخارجية المتدخلة أجهزة الدولة وتبني أجهزة جديدة، بهدفٍ واعٍ ألا وهو نزع السلطة من مكوّنات محدّدة في المجتمع وإعطاء السلطة لمكوّنات أخرى.

معظم عمليات حفظ السلام (Peace Keeping missions) التي تقوم بها الأمم المتحدة، تميل إلى الخيار الأول أي (Co-option). ومعظم مهام وعمليات فرض السلام (Peace Enforcement missions) التي تقودها الولايات المتحدة، تعتمد الخيار الثاني، أي التفكيك (Deconstruction)... وضع الأولويات Setting Priorities

إن الهدف الأول لأيّ إعادة بناء أمّة هو تحويل المجتمعات العنيفة إلى مجتمعات سلمية، وليس تحويل المجتمعات الفقيرة إلى مجتمعات مزدهرة أو تحويل المجتمعات التسلـّطية إلى مجتمعات ديموقراطية.

هذا «الدليل» مبنيّ حول هرمية مقترحة من مهام إعادة بناء الأمم، التي يمكن وضعها ضمن الأولويات السِّـت التالية:

الأولوية الأولى، الأمن: Peacekeeping الحفاظ على السِلـْم – فرض القانون – حكم القانون – إصلاحات في مجال الأمن...

الأولوية الثانية، الغوث الإنساني: إعادة اللاجئين – معالجة الأوبئة – معالجة الجوع والنقص في المآوي والملاجئ...

الأولوية الثالثة، الحوكمة Governance: إعادة تفعيل الإدارة العامة – تفعيل الخدمات العامة...

الأولوية الرابعة، التثبيت الاقتصادي: Economic Stabilization تكريس عملة مستقرّة – توفير إطار شرعي وتنظيمي يعيد تفعيل التجارة المحلية والعالمية...

الأولوية الخامسة، الدمقرطة Democratization: بناء أحزاب سياسية – بناء صحافة حرّة – بناء مجتمع مدني وجمعيات – إطار شرعي ودستوري للانتخابات...

الأولوية السادسة، التنمية: تعزيز النمو الاقتصادي - تقليص الفقر - تحسين البنية التحتية... التقاط اللحظة Seizing the moment

الأسابيع التي تتبع مباشرةً وصول الفرق العسكرية الأجنبية، تكون فيها إمكانيات التصرّف كبيرة جداً، لأن ظهور تدخل عسكري خارجي تنتج عنه عامةً صدمة وارتياح لدى السكان المحليّين. في وقت كهذا، تكون المقاومة غير منظمة، والمفسدون يكونون غير أكيدين بعد من مستقبلهم، والوضع بهذه الحالة يكون مرناً إلى درجة كبيرة كي تستفيد القوات الأجنبية المتدخلة ممّا يسمّى «الساعة الذهبية» (Golden Hour). ينبغي على القوات المتدخلة أن يكون بتصرّفها على الأقلّ، حد أدنى من الفرق العسكرية، من الشرطة، من المدراء في المجتمع المدني، ومن المؤونة الغوثية كي تستطيع تأمين الطلبات على الأقل للعاصمة.

من ثمّ، ينبغي الإسراع في استقدام خبراء قانونيّين وجزائيّين، مع خطط مموّلة لنزع السلاح والتسريح وإعادة دمج المقاتلين السابقين وتدريب وإعادة تدريب قوى الشرطة... الجنود Soldiers

الأولوية بالنسبة إليهم، هي ترسيخ مناخ من الأمن في وضع تسوده الفوضى. والنجاح في هذه المهمّة، يكون المدخل للحصول على دعم السكان...

وما لم يشعر الأفراد بالأمن، مع الوجود العسكري الأجنبي، فهم لن يتعاونوا معه عن طريق الوشاية بالمجرمين والإرهابيين والمخربين الآخرين. وما دام ليس هناك تنقـّل طبيعي للأفراد ودوران للسلع والخدمات، لا يمكن البدء بالإصلاحات السياسية والاقتصادية.

القوى العسكرية المتدخلة، سوف تطلب الدعم من الشرطة المحلية. وكحدّ أدنى سوف تطلب المساعدة «السلبية» من القوات العسكرية، وذلك من أجل ترسيخ بيئة آمنة. حتّى في حال توفـّرها، فإن قوى الأمن المحلية سوف تكون غير كفؤة، فاسدة، وتتطلب إشرافاً وثيقاً ورعاية وتغييراً بنيوياً. حين يتمّ ترسيخ حدّ أدنى من الأمن، تنتقل الأولوية إلى نزع السلاح والتسريح وإعادة دمج المقاتلين السابقين.

في حالة الجيوش ذات السلاح الثقيل مع تاريخ طويل من امتلاك السلاح، قد يبدو نزع الأسلحة الخفيفة غير عمليّ. يجب على الأقلّ جمع الأسلحة الثقيلة وتخزينها أو تدميرها، ويجب حظر حمل السلاح الخفيف علناً إلا من قِبل قوى الأمن.

[ الوحدات المسلّحة، يجب أن تـُدمـَّر، والأفراد يجب أن تتأمـّن لهم وسائل عيش بديلة. القوى العسكرية الأجنبية، يجب أن تنشئ روابط واسعة مع السكان المدنيّين. والسبيل الأول في ذلك، يكون عن طريق الاستخبارات الناشطة والرقابة والمعرفة. والسبيل الثاني، يكون عن طريق برنامج عمل مدني حيث تدعم الوحدات العسكرية الغوث الإنساني وإعادة الإعمار... الشرطة Police

الأمن العام في البلاد، هو المهمّة الأولى للسلطات الأجنبية المتدخلة. الأمن هذا مهدّد أحياناً من قِبل الجيوش المتصارعة ودوماً من قِبل المجرمين والعصابات والمجموعات السياسية التي تدعو إلى العنف. القوى الدولية المتدخلة، هي الأكثر صلاحية للتعامل مع الجيوش، فيما الشرطة مؤهـّلة للتعامل مع بقية التهديدات.

إن فرق الشرطة المثاليّة من أجل إعادة بناء الأمم، هي وحدات تجمع بين النظام العسكري ودرجة عالية من المهارات في مجال التقصّي والاستخبارات والمهارات القانونية والقضائية. للأسف، بلدان معدودة جداً لديها قوات من هذا النوع، وبالتالي سوف تكون دائماً بحالة نقص في هذا المجال... الشرطة المحليّة سوف تحتاج إلى تشخيص سريع وعلاج سريع وإلى وضع تحت إشراف وثيق جداً. على المدى المتوسط، سوف تحتاج إلى إصلاح أو حتى لاستبدالٍ كامل. على المدى البعيد، الشرطة الجديدة أو المُعاد تأهيلها سوف تكون بحاجة إلى جهة ناصحة أو مرشدة لها وبحاجة للدعم، وبالطبع ستكون عرضة للمحاسبة.

السلطات الدوليّة المتدخلة يجب أن تصل إلى البلد مع خطط جاهزة وتمويل جاهز، كي تستطيع أن تنجز المهمتين الأوليين وتنفذهما، أي المهمة السريعة جداً وهي المعالجة والإشراف الوثيق على الشرطة، والمهمة الثانية على المدى المتوسط وهي إصلاح الشرطة أو استبدالها بشكل كامل...

حُكم القانون Rule of Law

في معظم عمليات إعادة بناء الأمم، كانت الجهود لإعادة بناء الأنظمة القانونية والشرعية تأتي في المرتبة الثانية بعد إصلاحات الشرطة...

في المجتمعات التي خرجت من حروب أهلية مزمنة، يكون النظام القانوني والشرعي متوقفاً عن العمل بشكل عام ومشلول. بالتأكيد سيكون هناك غياب أو نقص في القضاة والمتوفر منهم يكون بشكل عام قد فقد كفاءته.

المحاكم والسجون، من المحتمل أن تكون قد تدمرت، والتي ما زالت صالحة تكون فاقدة العناصر الأساسية. هنا أيضاً، كما في قطاع الشرطة، الهدف في المدى القصير سوف يكون معالجة النظام القانوني والشرعي والإشراف على نشاطاته، وفي المدى المتوسط إصلاح هذا النظام وإعادة بناء مؤسساته، وفي المدى البعيد تعزيز نمو ثقافة حكم القانون. هذه النشاطات يجب أن تكون بالتوازي مع إصلاح الشرطة.

... من يجب الاقتصاص منه ومن يجب مسامحته؟ من يجب أن نقصيه من الصيغة الجديدة ومن يجب أن نتعامل معه؟ هذه الخيارات لا يمكن تجنبها بالكامل. هناك ضرورة لمحاكم جرائم الحرب، التي ستوفّر الإطار القانوني والشرعي لمحاسبة المسؤولين عن المجازر والفظائع الماضية.

المجتمع المحلي يكاد يكون قادراً على إنشاء آلية قانونية ذات صدقية. المحاكم الدولية، في المقابل، مُكلفة إلى حدِّ كبير، وقد تنقصها الشرعية بنظر السكان المحليّين. وهنا أهمية المحاكم المختلطة حيث يجلس القضاة الدوليّون جنباً إلى جنب مع القضاة المحليّين، وهذا ما يساعد في حلّ مشكلتي الكلفة والشرعية بنظر السكان المحليّين.

الهدف، ليس في الاقتصاص من المجموعة المسؤولة عن المجازر، بقدر ما هو في إقصائها عن التأثير السياسي في المستقبل، وبشكلٍ عام، منعها من التوظيف في الأماكن العامة، وأحياناً تجريدها من حقوق مدنيّة أخرى. على سبيل المثال: تفكيكك النازية Denazification بعد الحرب العالمية الثانية، وتفكيك التسلّح Demilitarization في اليابان، وتفكيك «البعث» Deba’thification في العراق... وبالتالي، التطهير يمثـّل مقاربة إدارية لهذه المشكلة...

الغوث الإنساني Humanitarian Relief

عامةً، الغوث الإنساني هو الجانب الذي يميل الواهبون إلى تمويله. لذا، فالجهود الإغاثية هي عامةً من أقلّ المسائل التي تطرح إشكاليات في أيّ مهمّة لإعادة بناء الأمم. لم نجد أيّ مهمّة لفرض السلام وإعادة بناء الأمم تأثر نجاحها العام بنواقص في عمليات الغوث. في المقابل، هناك أمثلة عدة تُظهر أنه حين فشلت السلطات الخارجية المتدخلة بتكريس مناخ من الأمن العام، لم تستطع المؤسسات الإنسانية إكمال مهامها أو تأمين السلامة للسكان المحليّين المهدّدين...

الحوكمة Governance

إن مجتمعاً خارجاً من نزاع، يمكنه أن ينتظر الديموقراطية، لكنه يحتاج فوراً إلى حكومة، إذ هناك ضرورة لفرض القانون وفرض التربية وفرض نظام يهتم بالصحة العامة... إضافة إلى أن الحكومات الوطنية عامةً، تكون مسؤولة عن تنظيم أو حتى، في بعض الأحيان، عن توفير الكهرباء والاتصالات...

السلطات المتدخلة يمكنها أحياناً أن تدعم الحكومة المحلية، لكن لن يكون بمقدورها في جميع الأحوال أن تقدم الخدمات بالاستقلال عن الحكومة المحلية. على السلطات المتدخلة ان تعتمد على الأمّة المضيفة وعلى المؤسسات المحلية، من أجل توفير الخدمات العامة. السلطات المتدخلة يمكنها أن توفـّر التمويل، الإرشاد والإشراف، إلاّ أن المعلمين والناشطين ومعظم قوى الشرطة يجب أن تكون من البلد المضيف.

السلطات الخارجية المتدخلة تختار أشخاصاً ومؤسسات لتقديم هذه الخدمات، وتوفـّر لهم الأموال والنفوذ السياسي. السلطات المتدخلة بحاجة إلى اختيار حلفاء بشكل حذر ودقيق، من أجل خلق حكومة وتوزيع ثروات ونفوذ ذي استمرارية بعد مغادرة السلطات المتدخلة البلد. إن إعادة بناء الحُكم، من القاعدة إلى الأعلى ومن الصفر، تسمح ببروز قيادات جديدة تتضمن أفراداً لم يكن لهم علاقة بالنزاع...

تثبيت الاستقرار الاقتصادي Economic Stabilization

كلما تمّ ضخّ أموال إلى داخل الحكومة، كبرت فرص الفساد. ويتطلب ضبط الفساد، إنشاء مؤسسات من أجل المحاسبة والـ Auditing.

ومن أجل تلبية هذه الحاجات، يجب تركيز الاهتمام بشكل أوّلي على إنشاء أو تعزيز البنك المركزي ووزارة المال وإنشاء لجنة خدمات مدنية في هذا المجال. ومن بين أصعب المهام التي تواجه البنك المركزي، أن يضمن بقاء المصارف التجارية ذات سيولة. وسوف يُطلب من البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP أن يحضّرا برنامج احتياجات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. كذلك، سوف يقود صندوق النقد الدولي IMF إنشاء أو إصلاح البنك المركزي وطريقة إدارة العملة الوطنية. الدمقرطة Democratization

إن المؤسسات التمثيلية المرتكزة على التصويت، عامةً ما تكون القاعدة الوحيدة الصالحة من أجل إعادة تشكيل سلطة الدولة، بشكل مقبول من معظم السكان.

في حال تركنا الأمور على ما هي عليه، فإن السلطات المهيمنة أو المبادرة داخل المجتمع، سوف تميل إلى إعادة إنتاج مؤسساتها، بينما السكان المحليون يميلون إلى اختيار النظام نفسه كونهم أمسوا متآلفين معه، حتى ولو أن هذا النظام لم يخدمهم إلاّ بشكل هزيل جداًً في الماضي. في حال كانت السلطات الخارجية المتدخلة قوية وملتزمة بشكل استثنائي، قد تكون قادرة على تجريد مجموعة من نفوذها وتعزيز مجموعة أخرى بشكل دائم. إلاّ أنه في معظم الظروف، يعتمد النجاح في إعادة بناء الأمم على التشاور والتنسيق الاختياري أكثر من إقصاء مخرّبين محتملين. الحل المثالي يكون بإجراء الانتخابات الوطنية، ما بعد نزع السلاح، وما بعد إعادة دمج المقاتلين السابقين، وكذلك بعد نمو المجتمع المدني، وبعد إنشاء إعلام مستقل، وبعد نموّ أحزاب سياسية... إلخ. لكن هذه التراتبية قد لا تكون دائماً ممكنة التحقيق. ذلك أن السلطات الخارجيّة المتدخلة قد تكون، في بعض الأحيان، ضعيفة، لتقاوم نداءات قوى أساسية في المجتمع تطالب بانتخابات مبكرة.

الأمم المتحدة هي أفضل مصدر من ناحية الخبرة في تشكيل الأنظمة السياسية الانتقالية والدائمة. إن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا Organization for Security and Cooperation OSCE نمّت خبرة كبيرة جداً في تعزيز المجتمع المدني وإنشاء إعلام مستقل وتنمية الأحزاب السياسية. والعديد من الدول ومن الأمم، بما فيها الولايات المتحدة وألمانيا، تحافظ على تمويل دائم وعام لمؤسسات ذات طابع حزبي متخصّصة في تعزيز ونشوء ونمو أحزاب سياسية في الديموقراطيات الناشئة. كذلك، المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية International Foundation for Election Systems IFES نظمت انتخابات في عشرات البلدان حول العالم في أكثر الظروف تحدّياً... البنية التحتية والتنمية Infrastructure and Development المجتمع «ما بعد النزاع»، هو مجتمع مرشّح وجذاب لطلب الدعم الخارجي...

ففيما معظم مجتمعات البلدان النامية لا تستطيع أن تمتص دعماً خارجياً بشكل مفيد، يمثـّل أكثر من 20% من ناتجها القومي، بالمقابل، فإن المجتمعات أو الأمم أو الأوطان الخارجة من نزاع يمكنها أن تستخدم بشكل مفيد دعماً خارجياً يصل إلى 40% من الناتج القومي، وحتى في السنة الأولى التي تلي النزاع، قد يصل إلى 70%...

يجب ضبط التضخّم، ويجب تمويل موازنة الدولة في السنين الأولى، مقابل تحويلات من الواهبين الدوليّين. ويجب خلق أو إنشاء أنظمة ضرائبية تؤدي إلى النموّ. كما يجب تقليص أو حتى إلغاء الإعانات ودعم بعض المواد، من مواد غذائية وغيرها. ويجب اجتذاب الاستثمار وتفعيل المؤسسات المملوكة من الدولة؛ وبالطبع قاعدة السوق أساسية لتعزيز النموّ المستدام. لقد درج استخدام كلمة «إعادة إعمار» في المجتمعات الخارجة من نزاع، للقول انه تجب إعادة بناء المنازل أو المصانع أو الطرقات أو مؤسسات الطاقة المدمرة في الحرب كحاجة أوليّة. لكن هذا المفهوم مضلل. إذ تحتاج الأمم الخارجة من النزاع، على نحو أهم من البنية التحتية، إلى مؤسسات أفضل... وهذه المؤسسات، في معظم الحالات، لا تحتاج فقط إلى إعادة البناء، بل إلى إعادة القولبة والتشكيل من جديد. إذ تكون المؤسسات القديمة قد فشلت بالدرجة الأولى. وهذا يصح في المجال الاقتصادي، كما في المجال السياسي.

في ما يخص البنية التحتية المادية، السلطات الخارجية المتدخلة، يجب أن تعطي الأولوية للمؤسسات المتعلقة بالأمن والطبابة والتربية والطاقة والماء والصحة العامة، في مجهود منها لرفع هذه الخدمات كي تقترب أكثر قدر ممكن لما كانت عليه من قبل. والتركيز يجب أن يكون على التصليح والترميم، وليس على الاستثمار الجديد. إن تحسين البنية التحتية وترميمها، يجب أن يموّلا من خلال مؤسسات دولية، مثل البنك الدولي، أو مقرضين آخرين، وليس من خلال الدعم الثنائي مع بلدان أخرى.

الأمن هو شرط أساسي مسبق للاستثمار المنتج. الأموال المنفقة على البنية التحتية والتنمية ستكون بشكل واسع مهدورة في حال كان الأشخاص والسلع والخدمات عرضة للاختطاف والسرقة والتعديات والفساد...

كاتب ومفكر لاعنفي ـ دكتور في الاقتصاد السياس

نسخة من المقال للطباعة fb