أحزاب للإيجار؟
20 آذار (مارس) 2010 , بقلم نصري الصايغاليسار في أزمة...
لازمة تتكرر... تصاغ بعبارات مختلفة... تُشخص وتفنّد... انما لا أحد يلتفت إلى كيفية الخروج من الأزمة..
سؤال: هل أزمة اليسار بلا حل؟ ان كان هناك من أفق، فكيف التطلع إليه بعيون مفتوحة والذهاب إليه بأقدام ثابتة؟
سؤال آخر: من شاخ أكثر، اليسار أم أزمته؟
واقع يفرض التشبيه: ليس اليسار وحده في أزمة.. الأحزاب القومية في حالة غيبوبة مزمنة.. الأحزاب والحركات العلمانية طالقة من أتباعها.. جمعيات المجتمع المدني أسيرة الاحتلال المالي الذي تمارسه المنظمات المانحة.. انها منظمات غير بريئة، ومشبوهة في غاياتها ومراميها.
المجتمع في ازمة، وسبل الخروج مقفلة.. الأزمة هي الفضاء العربي، والمدى السياسي، في البلدان العربية كافة.
سؤال: هل هذا قدر «ميتا سياسي»، أم قصور في الفكر والفعل، وعجز في الحركة والرؤية، وتفضيل للتبعية على الذاتية؟
نحن الاستثناء.. لأن عناصر التراجع والتخلف والتشتت، منتشرة في مفاصل «الكسل» العربي، الملقب بالحركة السياسية.
نحن الاستثناء.. لذلك آثر أهل اليسار وآل الفكر القومي، وأتباع القيم الديموقراطية، ان يخلوا الساحة للمنظمات الأوروبية والأميركية، لخطف شباب وشابات لبنان، ليكونوا عاملين «وناشطين»، في اقوى «حزب» (غير معلن) بفروع «حزبية» منتشرة في قطاعات التربية والتعليم والتدريب النقابي(!) و..
هؤلاء ليسوا في أزمة.. يتقدمون لاحتلال مواقع اساسية في داخل الادارات.. ألا تلاحظ الـUNDP، الذائعة الانتشار والفاعلية، وان المنح المالية مزدهرة.. وصولاً الى قوى الأمن؟ فكرة للنقاش: لقد جرت خصخصة لبنان وشبابه، مجاناً، لصالح شركات الربط السياسي بالغرب.. وما أدراك ما الغرب!
يصر أهل اليسار وآل القوميين، بما تبقى لهم من قدرة على التوصيف، على اتهام النظام الطائفي في لبنان بالأزمة.. واقع الأمر، يظهر ان هذا النظام الطائفي/ الطبقي/ الطفيلي/ المافيوزي/ المغلق/ المتخلف/ المندلق على الخارج/ الفائض حقداً/ الموالي تبعياً/ المعارض ليوالي/... هذا النظام في أوج ازدهاره وقوته.. انه «يؤلف، وقد يؤلفان»، على ما ينقله مأثور القول، عن تأبيد الأمور أحياناً.
هذا نظام قادر على الخروج من مآزقه.. يعالج نفسه، او يطلب العلاج من الخارج، او يفرض عليه العلاج، لأنه لا وريث نفسه.. لا أحد ينافسه في الداخل، او، لا أحد تجرأ على ذلك غير الحركة الوطنية، بقيادة كمال جنبلاط، وفشلت وفشل معها.
ومنذ ذلك التاريخ، والنظام الطائفي، هو القطب، والجميع يدور حوله، على من فيه من زعامات، وما فيه من منافع.
النظام السياسي اللبناني، ليس في أزمة.. إذا احتاج أهله للمعارك خاضوها. وإذا احتاجوا الى تسوية (مشوهة او أكثر تشوها) نسجوها. ما هو مأزوم عندنا، هو الوطن.. هو الدولة.. أزمتنا أزمة هذين، لا أكثر.. وبناء الدولة وتكوين الوطن، هما اختصاص مواطنين وأحزاب وقوى اجتماعية، مؤمنة بالديموقراطية والمساواة ومنطق الحقوق والواجبات.
الدولة والوطن، من اختصاص أحزاب اليسار والأحزاب القومية. ولقد عملت جميعها على ان تكون تحت عباءة الزعامات الطائفية، حرباً وسلماً، وتوهمت انها تستطيع ان تصلح النظام، بأدوات النظام.
الأزمة إذاً، أزمة أحزاب (غير طائفية) قامت بتأجير نفسها، للقوى الطائفية، مدعية انها تستطيع تغيير النظام عبر المشاركة فيه، علماً بأن حجمها في المشاركة، في اقصى طموحاتها، لم يصل، إلا لكتلة ميكروسكوبية غير مرئية، إلا إذا التحمت بقاطرة طائفية زاحفة لأكل السلطة. يتعين على اصحاب اليسار وأقرانهم، ان يسألوا أنفسهم: لماذا نجحت أحزاب وقوى اليسار العالمية، وتحديداً في اوروبا الشرقية (بعد سقوط الاتحاد السوفياتي) وفي أميركا اللاتينية، في تطوير بنيتها ونظرتها ونضالها، ونجحت في العودة، بحلة جديدة، واستعادت مواقع في السلطة؟ لماذا تغيّرت بسرعة، فيما أهل اليسار تحولوا الى أصنام، كما تحوّل أهل «القومية» الى آثار دارسة.. «فقفا نبكِ».
هل نقدت الأحزاب اليسارية والقومية أداءها؟ هل حاكمت تجربتها؟ هل كاشفت شهداءها، الأحياء والأموات؟ هل فسّرت لجماهيرها محصلة ما كان عليه تحالفها مع الجنبلاطية الدرزية، والقومية «السنية»، و«الفلسطينية الشعبوية»؟ ألم يشعروا أبداً بأنهم خدم هؤلاء؟ ولو!!! ألم «يشتلقوا» ولو مرة انهم كانوا وقود الحرب، بلا أفق. ألم يتأكدوا من خلال المعاشرة الطائفية، من انهم عوملوا ككلاب الحراسة؟ ألم يخجلوا، ولو مرة، من ابقائهم في الخنادق، فيما حلفاؤهم من زعماء الطوائف، يحضرون المؤتمرات في «القصر الجمهوري» و«بيت الدين» و«لوزان» و«جنيف» و«دمشق» و«الطائف»؟؟
أليس لديهم الحد الادنى من مصارحة الذات: ما هو دورنا؟ أي حل نقترحه ونعمل له ونحضر من أجله، لتعديل النظام، ليصبح لنا وطن او دولة؟ ألم يتأخر أهل اليسار كثيراً، ليكتشفوا، بعد فوات الأوان، انهم كانوا يعامَلون «كحمار العرس»، كما قال الشهيد جورج حاوي؟
فليجرؤ أحد ليقول لنا: إننا نادمون.. لقد اخطأنا.. او، لقد غُدر بنا.. او لن نعيدها مرة اخرى. لا أحد يجرؤ على الكلام.
الكل يجرؤ على التبرير.
الكل يجرؤ على الاستمرار.
الأزمة.. اننا ننقل الأزمة الى الآخرين، نظاماً وطوائف.
سؤال: هل «القوات اللبنانية» المسيحية في أزمة؟ دخل قائدها السجن، وخرج قائداً «للقوات» وهو حاضر حضوراً لافتا. هل «التيار الوطني الحر» المسيحي في أزمة؟ نُفي الجنرال خمسة عشر عاماً، وعاد زعيما مسيحياً متحكماً. هل تيار «المستقبل» السني في أزمة؟ استشهد زعيمه في ظروف لا مثيل لمأساويتها، وعاد الحريري الابن سيداً غير منازَع، برغم حداثة سنه؟ هل حركة «أمل» الشيعية و«حزب الله»، الشيعي كذلك في أزمة؟ أم، أخيراً، حزب وليد جنبلاط الدرزي في محنة؟
لا أحد مأزوما أبداً. انهم في عز خصوبتهم، وأعضاؤهم يتناسلون بعشرات الآلاف.. فيما الأحزاب اللاطائفية، في حالة عقم وضمور.
أسوأ ما أُصبنا به.. أننا كنا أحزاباً للإيجار.