برج الفن.. أكبر تظاهرة في الشرق الأوسط
20 آذار (مارس) 2010 , بقلم احمد بزون500 فنان من العالم في معرض «آرت دبي» دبي :
لا شك في أن معرض «آرت دبي» يعد أكبر تظاهرة فنية في الشرق الأوسط، فالأرقام تفصح عن أن أجنحته تضم أعمالاً لخمسمئة فنان من العالم، توزعوا على 74 غاليري، جَهدَ كُلّ القيمين عليها إحضار أهم ما لديهم، او بالأحرى أكثر ما يمكنه ان يلفت الأنظار، أو يشكل جاذباً للمقتني المحترف، أو جاذباً تقنياً للجمهور يضيف الى العمل الفني جديداً لافتاً أو باهراً. فالتظاهرة تستقطب أيضاً جمهوراً واسعاً، بعضه يأتي سنوياً لحضور هذه التظاهرة من الدول المجاورة وأوروبا وأميركا وسواها، وبعضه الآخر من المواطنين والمقيمين الأثرياء في دبي من جنسيات مختلفة. وقد أحصي العام الماضي حضور 14 ألف زائر، مع ان الدخول الى المعرض ليس مجاناً، إنما برسم قدره 50 درهماً إماراتياً (حوالى 20 ألف ليرة لبنانية). تظاهرة مركبة بعض الشيء، فهي بالطبع ليست فنية بالكامل، بل يغلب على مظهرها العام الطابع المالي، لا لأن البهرجة والفخامة تميزها وحسب، بل لأن وجودها في دبي، قبل الأزمة المالية التي هزت كيان هذه الإمارة، واستمرارها بعدها، جعلاها جزءاً من الظواهر المالية المتنقلة في هذه العاصمة التجارية، إذ لا بد أنها تشكل مناسبة او سوقاً فنية ناشطة يقل فيها حضور الفنانين، فنادراً ما نجد فنانين حاضرين مع أعمالهم، وفي برنامج المعرض أنشطة قليلة بالمقارنة مع حجم التظاهرة، فالنقاش الفني ربما يدور بين المتجولين في المعرض أنفسهم، أو بينهم وبين بعض الفنانين الحاضرين أو المشرفين على الغاليريات. أعمدة المال
وكما قال جون مارتن، مؤسس المعرض ومديره العام في حفل الافتتاح، فان المعرض يشكل أيضاً نقطة جذب للراغبين في استكشاف الحركة الفنية الإبداعية المعاصرة. لكنه لا يمثل الاتجاهات الفنية المعاصرة بالضرورة، أو تلك التي تسمى مستقبلية، وان كان في المعرض قسم خاص بأعمال الفيديو التي جهزت بإشراف «مشاريع بدون» بدعم من «مؤسسة الإمارات»، او تضم عَرَضاً أعمالاً تجهيزية ومفهومية. فالغالب في أعمال المعرض ما يلائم المقتنين عموماً، أي اللوحة او المنحوتة التي تناسب الذوق العام، أو لنقل التقليدية والحديثة. على أن أعمال الفيديو التي أشرفت عليها «بدون» وكذلك تلك التي حمّلتها عنوان «شكلانية جديدة»، بدت على هامش المعرض، وهي إجمالا أعمال يتم تكليف أصحابها بها من قبل هذه المنظمة الفنية التي تأسست العام 2003، وتقوم بتنفيذ ورش عمل فنية، وهي التي أقامت على هامش المعرض معرضاً متواضعاً للكتب الفنية.
وقبل أن نغوص في طبيعة الأعمال المشاركة، لا بد من التوقف أمام الأعمدة المالية التي تجعل هذه التظاهرة واحدة من أبراج دبي، فالتظاهرات التي تشهدها هذه الإمارة تشبه الى حد بعيد تسابق القمم نحو السماء، وهو تسابق لا يطرح نفسه على مجال محلي، بل منافساً في العالم، بدعم محلي بالطبع، على رأسه دعم الأمير محمد بن راشد آل مكتوم بالطبع، راعي التظاهرة وراعي افتتاحها، وقد جال بين أعمال المعرض مؤكداً اهتماماً بيّناً، وهو لا شك مساهم في إنجاحها مالياً الى جانب «آرت دبي» الذي يتبع لمركز دبي المالي العالمي، ويقام عبر شراكة مع «أبراج كابيتال» وبنك HSBC. كما ترعاه «فان كليف آند أربلز» العالمية ومدينة جميرا. وقد نتج عن الشركاء والرعاة معرضان على الهامش، الأول معرض يضم ثلاثة أعمال فازت بـ«جائزة أبراج كابيتال للفنون»، وهي جائزة فنية سخية تبلغ قيمتها مليون دولار أميركي، توزع سنوياً على ثلاثة فنانين يتم اختيارهم من منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا وجنوب آسيا. وقد أطلقت الجائزة العام 2008 ووزعت حتى الآن على دفعتين من الفائزين العام الماضي والعام الحالي. خصوصية هذه الجائزة أنها تعطى لمشاريع او مقترحات فنية لا لأعمال جاهزة، وينفذ كل مقترح بالتعاون بين الفنان والقيّم على العمل الذي يكون خبيراً في الفنون التشكيلية، يقدمان المقترح معاً ويعملان سوياً لتنفيذ العمل، وتتوزع الجائزة بينهما، لكنهما في أي حال يدفعان كلفة تنفيذ عملهما خلال ستة شهور، فلا يبقى الا القليل.
هذا العام كان للبنان حصة في الجائزة، على عمل قدّمه الفنان مروان سحمراني (مواليد 1970) والقيّمة ماهيتا الباشا أورياتا، وهي ابنة الفنان أمين الباشا الذي التقيناه في المعرض، وقد سبقه كتابه الجديد «بيروت أمين الباشا»، الصادر مؤخراً، في واجهة معرض «بدون» للكتب الفنية.
عُرض عمل مروان وماهيتا «وليمة الملعون» في غرفة سوداء من الخارج، وانتشر على جدران ثلاثة بالإضافة إلى السقف، إلى جانب أعمال سيراميك على الأرض وبث ضوئي، وهو مستلهم من جحيم روبينز، ومشغول بنفَس سردي، يستمد عنفه من أسطرة الاستشهاد والمشاهد الدموية التي تعم المنطقة.
الى جانب سحمراني فازت المصرية هالة القوصي (مواليد 1974) مع القيّم الهولندي ييل باوهويس، عن لوحة جدارية (9 × 3م) حملت عنوان «غرفة الخرافات والأساطير»، وهي تستعيد التاريخ السياسي لمصر، عبر استعادة شخصياته ومعالم القاهرة، لكنها استعادة تمزج بين الجدّ والمرح في آن واحد.
الجائزة الثالثة كانت للجزائري قادر عطية (مواليد 1975) وقيّمته الأميركية لوري آن فاريل عن عمل ظريف حمل عنوان «تاريخ أسطورة: قبة الصخرة الصغيرة»، وهي عبارة عن رأس برغي محدّب ومذهب مشدود الى عزقتين فضيتين، بحيث تشكل معاً مجسماً صغيراً جداً لقبة الصخرة، لا يتعدى حجم خوخة، لكن، عبر جهاز تصوير وبث لصورة المجسم، تظهر الصورة على شاشة في غرفة مظلمة، وقد بدت بحجم يوازي عشرة آلاف ضعف المجسم. لعبة ممتعة تتحرك في المسافة الفاصلة بين الحقيقي والوهمي.
شاعرية الوقت
إذا، هذه هي المشاهد الأولى للمعرض، أو الواجهة التي لا بد من التعريج عليها قبل الولوج الى قاعات المعرض الأساسية. لكن قبل وصول المشاهدين الى الأعمال الفائزة، يمرون بعرض للمجوهرات، على الهامش أيضاً. أقامته دار «فان كليف أند أربلز»، بعنوان «شاعرية الوقت»، يحوي ساعات ومجوهرات، ويحتفي بمرور قرابة قرن من الزمن على افتتاح الدار في باريس، وتجمع أعماله العراقة والحداثة، أي زمن ساعة العنق والخصر مع ساعة المعصم، مطلقة المخيلة الى أعمال تجمع بين الدقة والبراعة من جهة، والقيمة الإبداعية الابتكارية التي لا تقل قيمة عن الأعمال الفنية التي سوف نراها في اللوحات والمنحوتات من جهة أخرى. علماً بأن العديد من الفنانين المبدعين كان لهم الفضل في تصميم الساعات والمجوهرات، ما جعل شعريتها لا تقل أبداً عن شعرية الأعمال التشكيلية.
هذا العام حرص منظمو المعرض على ان تخصص 25 في المئة من الصالات المشاركة أجنحة فردية لفنانين تتعامل معهم، كي يتسنى لجمهور المعرض التعرف إلى الفنان من خلال تسليط الأضواء عليه بشكل مكثف، وتوزيع كاتالوغ تسد النقص وتوسع أفق التعريف به. اسلوب لا يتيح للزائر العبور بسرعة، عندما تلفته تجربة مركّزة لفنان كبير او مثير للاهتمام. وهكذا كان لا بد من التوقف أمام تجارب الفنان الهندي مقبول فدا حسين (مواليد 1915) الملقب بـ«بيكاسو الهند» أو المصري عادل السيوي الذي يعتبر من الأسماء البارزة في التشكيل المصري اليوم، أو السوداني محمد عمر خليل، أو العراقي فيصل لعيبي، أو الباكستانية نيزا خان، أو التركي نظيف توبكو غلو، أو السوري يوسف عبدلكي، او الروسيين فلاديمير كوبريانوف وليونيد تشيكوف، أو البريطانية كيت إيريك... الخ.
أربع غاليريات لبنانية شاركت في المعرض هي «غاليري أجيال» التي عرضت أعمالها في جناحين، الأول للعراقي محمود عبيدي، الذي طرح فيه عملاً مفهومياً يعتمد على فكرة مناهضة ما يجري في المطارات الأميركية من تمييز بين أصحاب السحنة البيضاء وأولئك الذين تظهر على وجوههم ملامح شرقية. جاء العمل تحت عنوان FAIR SKIES، وتضمن صناديق معدنية مثل تلك التي توضع في المطارات والمرافق العامة، تلقّم قطعاً معدنية فيخرج منها منتج. أما سلعة هذه «الشركة» المفترضة التي حملت عنوان المعرض فهو عبارة عن مركبات ومراهم تبيّض الوجوه وتجعل العيون زرقاء، ما يجعل الزائر المرفوض في المطارات مقبولاً بعد استخدام المستحضر الجديد. في الجهة الأخرى من الجناح مجسمات لصفوف الناس في المطارات، وفيلم فيديو يعبر عن المشكلة نفسها. عمل ساخر، لكنها السخرية المرة التي تعلق في عيون العديد من المتنقلين في المطارات الأميركية وحناجرهم، وأحياناً الأوروبية. وتعرض «أجيال» أعمالاً أخرى في جناح مشترك.
المشاركة اللبنانية في المعرض تمثّلت أيضاً بغاليري «جانين ربيز» التي حضر معها الفنان هنيبعل سروجي، وعرضت من أعماله ومن مقتنيات الغاليري الأخرى. وكانت غاليري صفيرـ زملر ومعها أعمال لفنانين لبنانيين وعرب وأجانب، ومثلها عرضت غاليري تانيت أيضاً. أربع غاليريات لبنانية إذاً، من بين 16 غاليري عربية مشاركة، علماً بأن الطاغي على عناوين الغاليريات المشاركة دبي ولندن، وان الغاليريات تمثل 30 دولة من العالم، ما يعني ان المشاركة اللبنانية أتت نسبياً عالية.
لا نستطيع التحدث عن تقنيات الألوان وحدها في المعرض، وإن كانت اللوحة التقليدية لا تزال طاغية، الى جانب المنحوتات أو المجسمات. فالكثير من المواد قد تشكل العمل الفني منفردة، معدنية أو خشبية أو حجرية، أو تتشارك مع المواد اللونية في عمل واحد، فتدخل المسامير والشرائط والزجاج والنيون والبث الضوئي، وهكذا نرى مثلاً مشهداً طبيعياً مصوراً بالألوان على لوحة قماش، يتحرك على صفحته الصامتة أرنبان يتقافزان، من خلال بث فيديو، ما يقدم مثلاً بارزاً على الرغبة في إضافة أي تقنيات جديدة الى العمل المحترفي التقليدي، بغية المزاوجة بين تقنيات مكرسة وأخرى تماشي العصر وتستفيد من خلاصاته ورموزه. لا شك في أنها تظاهرة فنية كبيرة تفتح الذهن والمخيلة على فنون العالم الحديثة، بينها نسبة عالية من فنون الجيل الجديد. تظاهرة مقترنة بلا شك بالهواجس المالية كونها أساساً تظاهرة غاليريات، إلا أنها باتت في دورتها الرابعة أكثر نضجاً، وأكثر حضوراً على المستوى الإعلامي. أسماء الغاليريات تتكرر، مع إحداث اصحابها مراجعة لأسماء الفنانين المشاركين معها، بغية تحقيق الأرباح، أو على الأقل تخفيف الخسائر، التي تضطر بعض الغاليريات تحمّلها، ذلك ان إيجار المتر الواحد هذه السنة 600 دولار أميركي، ما يعني أن جناحاً مساحته 50 متراً يؤجر بـ30 ألف دولار، تضاف إليها مصاريف نقل الأعمال والسفر والإقامة والتأمين... قد يوفق البعض ببيع أعمال ثمينة فيعوض خسارته، وقد لا يحدث ذلك فيكون قد اشترى انفتاحه على الشهرة والعلاقات الفنية الدولية بماء الذهب.