fb

المقاومة واستراتيجية «دهاليز الموت»

27 آذار (مارس) 2010 , بقلم عبدالزهرة الركابي

ما جرى في الفترة الأخيرة من لقاءات واجتماعات في العاصمة السورية دمشق والتي سميت من قبل المحللين (مجلس حرب) ترك انطباعاً لدى المراقبين، بأن هناك تحركاً عملياً وتنسيقياً في محور المقاومة على صعيد الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حتى ان هذه الاجتماعات شكلت مفاجأة من العيار الثقيل للدولة العبرية، لكونها تزيد المخاوف الإسرائيلية من هذا التنسيق الثلاثي والمتمثل في سوريا وإيران والمقاومة اللبنانية، ويأتي في هذا السياق التحذير الذي أثاره رئيس وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية العميد يوسي بايدتس، من التطورات التي تقع خلف الحدود مع لبنان على الجبهة الشمالية، بعدما قال في عرض أمام لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، (ان سوريا تنقل الى حزب الله مكونات لم تجرؤ على تسليمها اليه قبل الآن).

والحقيقة ان هذه الاجتماعات تحتاج الى مرور وقت، حتى يمكن هضمها من بعض السياسات في المنطقة وتبيان نجاعة توجهاتها، كونها شكلت قفزة نوعية في مواجهة إسرائيل، لا سيما ان التسريبات لوسائل الأعلام، ذكرت ان الرد المقابل النوعي الذي من المتوقع ان تتلقاه إسرائيل في حال قيامها بعدوان على لبنان او توجيه ضربة شاملة لمحور المقاومة، سيجعل الكيان الصهيوني يفكر ألف مرة قبل الإقدام على مثل هذا العدوان، لأن في هذه المرة ستدخل قواته الى دهاليز الموت، ولن يكون سلاح طيرانه قادراً على توفير الاسناد الناري لها، كما ان سلاح الدروع الإسرائيلي ستتعطل فعاليته، بفعل الصواريخ المضادة للدروع ومطاردة أفواج القوات الخاصة له على أكثر من جانب بما في ذلك إنزال قوات خلف خطوطه ومواقعه، وبالتالي فلن تكون هناك معركة دبابات وفقاً لما يشتهيه سلاحا الطيران والدروع الإسرائيليان. وإذا كان حديث الحرب قد خفت حدته في هذا الكيان، فإن السبب يعود الى نقص المعلومات الاستخبارية الحاسمة التي من المفترض ان تكون في حوزة الجيش الإسرائيلي، والتي تتعلق بامكانية شن حرب سريعة وناجحة على جبهات محور المقاومة في آن واحد، وقيادة الجيش الإسرائيلي هي الجهة الوحيدة التي يمكن أن توصي بعمليات حربية صغيرة كانت أم كبيرة. بات واضحاً أن خطة الهجوم على جبهة واحدة، تظل تكتيكاً محل نقاش في أروقة القيادة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً ان الجهوزية الميدانية ما زالت غير مكتملة في هذا الجانب، بينما ترى هذه القيادة ان عملية الهجوم الشامل على كل الجبهات، ربما تجعلها تنقاد الى حرب متوسطة الأجل او حتى طويلة، ستكون مكلفة لها في نهاية المطاف، لعوامل بشرية واقتصادية وسياسية ولوجستية، وبالتالي لن تكون في صالح الدولة العبرية جزئياً أو كلياً، إذا ما تم حسبان النتائج بمنظار استراتيجي يتمثل في شقين: الأول ان سوريا لن تقايض مقابل الجولان مهما كانت الاغراءات الدولية والاقليمية، والآخر ان استعادة حقوق الشعب الفلسطيني تظل هدفاً استراتيجياً لا يمكن ربطه باحتلال الجولان او تحريره.

ويكشف أحد المعلقين الإسرائيليين مقدار الخشية الإسرائيلية من أخذ زمام مبادرة الحرب، او حتى القيام بعملية يمكن ان تتدهور الى حرب، لأن مثل هذا الأمر ينطوي على مخاطر ترتبط بطول نفس الاقتصاد، الجيش والذخر الدبلوماسي. والحكومة بوصفها المسؤول عن مخازن الجيش في هذا الجانب، مضطرة لأن تأخذ بالحسبان أيضاً التأثيرات السلبية للنجاح العسكري، فما بالكم بالفشل، على قدرة تحمل جبهة داخلية عصبية وهشة.

وقد كانت زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن الى إسرائيل محاولة أميركية لتهدئة أجواء التوتر التي سادت القيادة الإسرائيلية التي ربما ركنت الى الهدوء مرحلياً، استجابة للنصائح الأميركية على الرغم من العلاقة الفاترة بين الرئيس الأميركي أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما ان القيادة الأمنية في الدولة العبرية اتساقاً مع جهود التهدئة في الجبهة الشمالية، التي تتمثل في إسرائيل من جهة، وسوريا والمقاومة اللبنانية من جهة، قامت بتغيير جزئي للمناورة الأركانية (حجارة نارية 12) في نهاية شباط فبراير الماضي، بغرض عدم زيادة التوتر مع سوريا، التي راحت في الآونة الأخيرة تلوّح بامتلاكها قدرات هجومية ودفاعية فائقة التطور، كما يشيع الإسرائيليون ان سوريا قامت بتزويد المقاومة اللبنانية بأسلحة تعد محطمة للتوازن النوعي بين هذه المقاومة والدولة العبرية، ومن الواضــح ان إلغاء خطة مناورة تجميد الاحتياط واستدعاء وحدات نظامية، يأتي في هذا الاطار.

ومن هذا، فإن القدرات التسليحية التي أصبحت بحوزة محور المقاومة وعلى ضوء اعتراف الإسرائيليين أنفسهم، عززت الثقة لدى أطراف هذا المحور بامكانية تطوير الحرب في حال اندلاعها، الى مراحل ليس بمقدور الدولة العبرية الاستمرار فيها، من واقع ان العقيدة العسكرية الإسرائيلية تعتمد على التفوق التكنولوجي المتعلق بكسب حرب سريعة وشاملة، في حين ان التكتيكات التي من المتوقع استخدامها من قبل محور المقاومة، كفيلة بإبطاء هذه السرعة وتعطيل نتائجها كمرحلة أولى، في حين ان المرحلة التالية تتمثل في عملية قفز خلف المواقع الإسرائيلية، بهدف محاصرتها والاطباق عليها، وبمساندة شاملة من حمم القذائف والصواريخ الحديثة، التي ستدخل المعركة أول مرة على مستوى التدشين العملي والفعلي، بينما ستكون المرحلة الأخيرة انطلاق الموجات البشرية المتعاقبة من ألوية المشاة والآليات الخفيفة الى أهدافها المرسومة بحماية من الصواريخ المضادة للجو، كمرحلة حاسمة لتحرير الأرض.

fb