أزمة مع الولايات المتحدة: تنفس الصعداء في إيباك
31 آذار (مارس) 2010 , بقلم يوسي بيلينالمستقبل - الاربعاء 31 آذار 2010
احتشد نحو 10 آلاف شخص من أجل سماع البث المكرر: القدس هي عاصمة إسرائيل ونحن اصدقاء جيدون للولايات المتحدة على الرغم من جميع الخلافات. الكثير من الاحترام، واحتضان كبير، مع تصفيق لا ينتهي من قبل الحضور وهم واقفون. عام تلو عام يُحصون عدد الشيوخ (أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي) الذين يأتون (حضر 60 سيناتورا هذا الاسبوع) وأعضاء مجلس النواب (لا يمكن عدهم)، ويتنفسون الصعداء: ايباك لا تزال على قيد الحياة.
كل ذلك ـ على الرغم من أزمة الاسبوع الماضي والكلمات الشديدة التي قيلت في واشنطن وفي القدس، وعلى الرغم من كلام الجنرال بتراوس، وعلى الرغم من منظمة "جي ستريت"، التي تعرض بديلا ليبراليا ومعتدلا لسياسة ايباك اليمينية المحافظة، وعلى الرغم من النقد المتزايد الموجه إلى المنظمة والذي بلغ ذروته في الكتاب المشترك الإشكالي للبروفوسور ستيفن وولت والبروفوسور جون ميرشهايمر، الذي يدعي ان المنظمة تقود الولايات المتحدة الى قرارات تتناقض مع مصلحتها، وتتناقض مع المصلحة الحقيقية لإسرائيل على المدى البعيد. أقوى اللوبيات في العالم ولاء لإسرائيل يُعتبر أيضا اللوبي السياسي الأقوى في العالم. في السنة القادمة ستحتفل ايباك بمرور ستين سنة على تشكيلها، لكن الحقيقة أن ايباك كانت، طوال عشرات السنين، لوبيا متواضعا تحولت إلى أداة سياسية ذات مغزى مع تولي توم ديان منصب المدير العام في 1980 فقط.
في الثلاثين سنة الاخيرة تحولت ايباك إلى أهم منظمة يهودية في أميركا وإلى العامل القادر على تغيير القرارات. وهي تحولت من لوبي عملت مقابل الكونغرس الى لوبي يعمل مقابل الادارة، وبهذا سببت انتقادا غير قليل لانها ضالعة في تناقض مصالح. اتهموها بامتلاك "كتب سوداء" في مواجهة اعضاء كونغرس ممن تجرأوا على التصويت خلافا لرأيها. تكمن ميزة ايباك في شأنيتها وصلتها بالواقع. فقد ولدت منظمات يهودية كثيرة في النصف الاول من القرن العشرين، وكان هدفها تمكين يهود الولايات المتحدة من الاندماج في المجتمع غير اليهودي او إقامة بدائل للمنظومات والمؤسسات التي لم تسمح لليهود بالمشاركة فيها (نوادي الأعضاء على سبيل المثال). وكان هناك هدف آخر هو مساعدة إسرائيل، وهدف ثالث هو المساعدة في فتح أبواب الاتحاد السوفياتي أمام الهجرة اليهودية. كل الاهداف الاصلية تحققت.وقد أصبحت بعض المنظمات من دون أهداف، ومنها على سبيل المثال اللجنة اليهودية الاميركية، والمؤتمر اليهودي الاميركي، والجبهة اليهودية الموحدة، والمؤتمر اليهودي العالمي وغيرها، على الرغم من تحولها إلى قصة نجاح حقيقة. منذ ستينيات القرن الماضي، اندمج يهود أميركا في أجهزة الحكم إلى درجة تحولهم إلى موضوع انتقاد لتفضيلهم الزائد. فهم يشغلون مناصب مركزية في السلطة التشريعية وفي السلطة التنفيذية، وآخر شيء يحتاجون اليه هي منظمات تصر على حقهم في الاندماج في المجتمع الاميركي. إسرائيل ليست بحتاجة الى المساعدة المالية من يهود أمريكا، والمبلغ الضئيل الذي تحوله الاتحادات اليهودية الى إسرائيل بواسطة الوكالة، تحول في عشرات السنين الاخيرة إلى الطريقة الوحيدة التي تنجح بها الجبهة في احراز تبرعات للاقامة الجارية لنشاط الاتحادات في أميركا الشمالية.
نتيجة لذلك، فإن ما يحدث لاكثر المنظمات اليهودية (ما عدا التيارات الدينية الثلاثة التي تقدم الخدمات الدينية) هو ان عليها ان توجد أنفسها من جديد أو أن تزول. المؤتمر اليهودي الاميركي يتلاشى بهدوء. والجبهة اليهودية واتحاد الفدراليات أقاما منظمة مشتركة فشلت، أما منظمة البوندس فلا مبرر لبقائها.
بقيت ايباك منظمة ذات صلة.ثمة هدف لها حث مصالح إسرائيل في الولايات المتحدة. وهي تصارع ضد ميول معاكسة، وثمة للمنظمة التي تناضل امكانية تجنيد أعضاء. يشارك في عضويتها قدامى إلى جانب شبان. ميزانيتها ليست كبيرة على نحو خاص، وميزتها الكبرى تكمن في فهمها للجهاز السياسي الاميركي وقدرتها على استغلال قوانين تمويل الانتخابات بطريقة تحول جزءا كبيرا من أعضاء الكونغرس (ولا سيما في مجلس الشيوخ) إلى أعضاء مرتبطين بها او يخافون منها. لقد نجحت في أن تتحول إلى منظمة مهدِدة، تجعل المشرعين وأصحاب القرار يشاركون في مناسباتها، ويوقعون الرسائل الكثيرة التي تبادر اليها، وتخيف اشخاصا وجهات في الادارة ممن يفكرون بالضغط على إسرائيل.
ينتخب رئيس المنظمة كل سنتين وليست له أي أهمية. تسعى ايباك إلى انتخاب شخص يكون من حزب الرئيس، لكن يتعلق الأمر دوما بمليونير متطوع، لا يعيش في واشنطن أبدا تقريبا، ولهذا تأثيره على اللوبي ونشاطه معدوم. السيطرة موجودة في يد البيروقراطية التنظيمية، وهي تميل جدا الى اليمين بشكل عام، وتهب الى المعركة مع الادارة مستخدمة الكونغرس في ذلك. عندما يوجد اتفاق في الرأي بين حكومة إسرائيل والادارة الاميركية يقع اللوبي تحت الضغط لانه يخسر مبرر وجوده. في مقابل ذلك، عندما يتعلق الأمر بمواجهة بين حكومة يمين في إسرائيل وبين ادارة اميركية تحاول حث مسارات سلام، تجند ايباك اشخاصا، وموارد، وموقعين على عرائض ورسائل وتسعى إلى ليّ ذراع الادارة.
ايباك ليست منظمة تمثل يهود الولايات المتحدة. ففي حين توجد فيها هيمنة جمهورية، نحو 80 في المائة من يهود أميركا ديمقراطيون. وهي تشعر نفسها كأنها سفير إسرائيل الحقيقي في الولايات المتحدة، وتدخل أكثر من مرة أيضا في مواجهات شديدة مع السفارة، عندما تطلب هذه الاخيرة تقديم عملية معينة، وتكون ايباك مقتنعة أنها من مناقضة لمصلحة إسرائيل الحقيقية. هكذا، مثلا، أحبطت ايباك مساعدة مالية خاصة لإسرائيل قبل أكثر من عشر سنين لانها كانت منوطة بمساعدة خاصة لمصر. حاولت حكومة إسرائيل، من دون نجاح، دفع ايباك كي تتنازل، وفي نهاية المطاف اضطرت إسرائيل تحديدا للتخلي عن المال. وبما أن أكثر يهود أميركا بعيدين جدا من أهداف ايباك اليمينية، لم يكن من الصعب على نحو خاص اقامة لوبي موال لإسرائيل لكنه يؤيد السلام تحت اسم "جي ستريت". تعتبر ايباك هذه المنظمة، التي اقيمت قبل اكثر من سنة والتي تحظى بعدد كبير من الاعضاء وبمساعدة مالية كبيرة، منافسة خطرة، وهي تحاول فعل كل ما في وسعها لمنع نمو المنظمة المنافسة (بما في ذلك اقناع مسؤولين كبار في القدس بأن لا يلتقوا أعضاء كونغرس أتوا في المدة الاخيرة لزيارة إسرائيل تحت رعاية جي ستريت).
الازمة بين إسرائيل والولايات المتحدة منحت ايباك حياة متجددة، ولم يكن في وسع أي أمر أن يشكل خلفية أنجح للمؤتمر السنوي. فالأزمات وحلولها الناجحة ترياقها.ايباك، المنظمة اليهودية الاكثر شأنية وصلة بالواقع، والتي تمثل نموذجا تحتذى من قبل جهات مختلفة (ولا سيما عربية) في العالم، تكافح اليوم ضد موجات انتقاد داخل الجماعة اليهودية الاميركية وخارجها. ان حكومة يمين غير مستعدة لدفع الحد الأدنى ثمناً للسلام وتواصل وتيرة الاستيطان بزخم، هي الفرصة الأكبر أمام هذا اللوبي من أجل تعزيز قوته حتى في مواجهة موجات الانتقاد هذه.
إسرائيل اليوم 27/3/2010
ترجمة: عباس اسماعيل