فضيحة عبده وازن
12 نيسان (أبريل) 2010 , بقلم عباس بيضونليس «قلب مفتوح» لعبده وازن الكتاب الوحيد الذي يصعب تصنيفه. فالكتب العصيّة على التصنيف تتكاثر، وهذا على الأغلب جزء من تطور الكتابة نفسها. حرية الكتابة تنفذ الى تحطيم حدودها، يمكننا القول انه سيرة او رواية او سرد او مجرد نصّ، ليس التصنيف هو ما يهمني. قد يكون الكتاب سيرة لكنها سيرة مضادة إذا جاز القول. لا يذهب عبده أفقياً في حياته، إذا كانت هذه هي حقا حياته، انه يذهب عمودياً الى حيث لا تبقى هذه حياته وحدها. ليست الأحداث هي ما يهتم «عبده» ببساطة. ما يهمه أكثر هو العالم الداخلي. نستطيع الكلام هنا على سيرة نفسية، لكن الحياة النفسية إذا جاز القول تفيض عن الحياة نفسها، انها تتقاطع مع حيوات اخرى، تتقاطع مع تجارب وقراءات واستدعاءات. ففي النفس روافد لا يمكن حصرها في حياة واحدة. هكذا يتوازى حديث عبده وازن عن الانتحار مع استدعاءات لافتة من قراءاته. يدهشنا هنا ان نرى هذه الموازاة بين القراءة والعيش، يدهشنا ان نرى مفاتيح العيش في القراءة، او نرى القراءة وهي تتأمل الحياة وتتلبسها. وحين يقول عبده انه يعيش ما بعد الانتحار يقول هذا بلسانه وبلسان غيره. نراه يجد أحيانا نفسه أكثر في عبارة غيره.
ليست الحياة في كتاب عبده وازن تعاقباً زمنياً وحدثياً، انها بخلاف ذلك فصولاً او أقانيم داخلية. اليتم، الانتحار، الأحلام، الملائكة... هذه ليست موضوعات فحسب، انها بالاحرى سياحات داخلية، يمكن الكلام هنا على أزمنة نفسية متوازية. يذهب الكتاب في كل منها الى الأقصى وحتى الاستنفاد، التداعي المحسوب، التركيز الداخلي، التأمل المجبول بالمعاناة، التجربة التي تصاغ على شكل أفكار، الأفكار القريبة من ان تكون جلداً وتكون ألما. هذا تقريبا ما يجعل من كتاب عبده وازن أكثر من سيرة. انه نوع من اختراق النفس والنفاذ منها الى ما يبدو وضعاً إنسانياً ومصيراً، ليس الراوي انتحارياً لكن الانتحار هو تقريباً غلافه ومزاجه، لن ينتحر لكنه يفكر كمنتحر. اننا امام شروط إنسانية تقريباً: شرط اليتم وشرط الملاك وشرط المنتحر.
قلب مفتوح وأهم من ذلك كله فضيحة داخلية. لسنا هنا امام ذلك المفهوم الدارج للفضيحة، لا يتكلم عبده إلا لماماً على الجنس، لا يتبجح بالانتهاك ولا الاحتجاج ولا ينتصب داعية من أي نوع. انه يقول عكس ذلك تماماً. يقول انني جبان. هذا ما يمكن فعلا ان نسميه فضيحة، لا يقول انه بطل الجرأة والتمرد. لا يقول انه بطل من أي صنف. بطل تقليدي... بطل مضاد. بطل... انه يقول ببساطة انه ليس بطلاً، يقول انه في النهاية كائن ديني، لكن الكائن الديني هو ايضا خلاصة المعاناة، لقد ولد من الخوف والألم فحسب. يتكلم عبده على الاكتئاب والمعاناة العصبية، على اليتيم الذي لا يفارقه، على المنذور الذي كانه، على أمه الأمية، هذه بالضبط الفضيحة. عبده يتكلم ضد كل المواضعات الأدبية كما الاجتماعية، ينحّي جانبا اسطورة المتمرد كما ينحّي ادعاء البطولة. ثقل النفس وثقل المجتمع، يكتب كما يتنفس. قريباً من جلده وجرحه ورضوضه، يتكلم كمعترف، وبدون ان ينتبه. بيتمه وخوفه وانهياره العصبي يبدو إنساناً ويبدو ايضا فريداً.