fb

اليسار: أزمته تتجاوزه وماركس انتهى تاريخيا/ عبدالامير الركابي

24 نيسان (أبريل) 2010 , بقلم عبدالامير الركابي

4/23/2010

بين فترة وأخرى نقرأ كتابات تتحدث عن ’أزمة اليسار’، العالمي أحيانا، والعربي مرات / اليساريون العراقيون بالذات لايشعرون بالأزمة، ويستعيضون عن التعبير المذكور بتعابير تتحدث عن توحيد مايسمونه ’اليسارالوطني’ / تلك المعالجات، توحي بان اليسار مايزال رغم كل شيء موجودا، وهو مايزال ممثلا أحيانا في تنظيمات او أحزاب وتجمعات. وفي حالات استثنائية وجد اشخاص ان من مبررات وجود هذا التيار / هم عراقيون حصرا/ ان يطلقوا عليه تسمية ’الوطني’، وهو تخريج معقول، يذكرنا على الأقل بان العراق بلد محتل. ويستمد كثيرون شعورهم بوجودهم وبانهم يسار قويم المبدأ، في العراق بالذات، من ذلك الامتياز ’الوطني’. حتى وان كان ما يفعلونه من دون أية تبعات تتعدى الكتابة ضد الاحتلال.

من أسوأ الدلالات التي ينبىء عنها وضع اليسار كما هو قائم الان، أو حسب مايرد بشأن أزمته من كتابات، انه لم يصل بعد درجة الشعور بتجاوز أزمته له، ولوجوده. والاحاديث التي يرددها هؤلاء عن الماركسية ونقاوتها، وتخلف الماركسيين العرب عن استعمال، أو التفاعل الحي مع ماركس، وليس كما هو حاصل، أوكما فعل الماركسيون العرب، يتدنى الى الحد الذي يذكر الشيوعيين مثلا في العراق بمصادر أقل اهمية وقيمة بكثير، مثل فهد وسلام عادل وهما امينان عامان اعدما بالشنق او تحت تحت التعذيب 1949 / لفهد و1963 لسلام عادل. وكأن هذين القائدان يمكن ان يكونا مصدرا ليسار عراقي مختلف سواء في الماضي أو الحاضر. والتهم حول مصدر الانحراف معروفة، وقد يكون بعضها صحيحا، كما هو الحال مع الترسيمات السوفييتية للدولة ’الاشتراكية’، وتعميماتها الصورية والنصية، واثر معاهدها في تعميم الجهل والمفاهيم السلطوية الحكومية الروسية قبل تفتت الاتحاد السوفييتي. والمثير أن بعض الاشخاص في العراق مثلا، مازالوا يتحدثون عن ’حزب شيوعي عراقي’ هو كما يتصورون، غير الحزب الشيوعي، الذي يتزعمه حميد مجيد، الموجود حاليا في العراق، يمارس عمله العلني منذ الغزو الامريكي عام 2003 كمشارك أصيل في ’العملية السياسية الامريكية’ .

والحقيقة ان الشيوعيين العراقيين، هم في مؤخرة اليساريين والشيوعيين العرب، اذا اعتمدنا مقياس الثقافة العامة. كما أنهم اقرب الى التكلس والعصبوية. مع تميزهم الخاص الاستثنائي في الجانب العملي. ومثل هذه النقيصة، تتجلى اليوم بارزة في ظل الازمة العامة، في حين يطغى التراث العملي والعصبوي، ويلعب في الظروف الحالية، دورا سلبيا، حين يتحول الى ميدان لاثبات البقاء الذي قد يصل لحد تخيل صحة الموقف والاصرار عليه. وكل هذه طبعا ظواهر لاتمت الى الحياة ولا الحقيقة ولا اليسار بأية صلة، وما يسمى صفاء المصادر وحسن التعامل معها لا معنى له، والتاريخ تعداه كليا، وتعدى الماركسية نفسها بما في ذلك ماركس وما قاله وكتبه.

الماركسية والشيوعية المعاصرة انتهت الى الابد. والعالم لم يعد معنيا بأي شكل من الأشكال بها وبموضوعاتها التي اختتمت نهائيا. المشكلة أن اطلاق مثل هذا الرأي، من شأنه ان يخرج قائله من دائرة اليسار. ولا يعود والحالة هذه مشاركا في الاهتمام بالازمة، وقد يعتبر محروما من حق معالجة التساؤلات التي تخص اليسار في العالم وفي المنطقة. وسيطول الوقت قبل ان يتم الاعتراف بالحقيقة التي تريد ترحيل أزمة الماركسية واليسار الى ما وراء ماركسية ماركس وانجلز ولينين. ويمكن ان نأمل حاليا، وبعد جهد، بأن يلتفت بقايا المؤمنين بالماركسية الى الحدود، او الآفاق التي ينبغي لموضوع ’أزمة اليسار’ ان تصل اليها. فالموضوع اليوم هو كيف نعيد احياء اليسار خارج الماركسية، وهل هذا ممكن او لا؟ وهل الامر يتعلق بـ’ازمة’ قابلة للعلاج ام بعلامات نهاية؟ ونحن نعتقد أن أي تفكير آخر، أو بحث داخل حدود الماركسية عن تجديد ما لليسار، لن يؤدي الى أية نتيجة، وهو كما سيكتشف من يتبنونه عقيم ولا حصيلة مفيدة ترجى منه.

مهما قيل، فان الماركسية هي نتاج أثر الآلة ونهضة أوروبا، ونظرتها الى التاريخ غير ديالكتيكية ومحلية. قامت على تعميم استشراقي، لبدايات النهضة الاوروبية وصعود البرجوازية. متخذة مفاهيم أفقية تعمم ماحدث في اوروبا خلال فترة من فترات صعود البرجوازية، على العالم برمته. فانتصار الرأسمالية في اوروبا، هو نفسه بنظر ماركس وانجلس مسار البشرية بعد هذا الحدث، والأمم سترضخ للسلعة، وتواريخها ستصبح من هنا وصاعدا، نسخا طبق الأصل من البداية، أي من تاريخ صعود ’البرجوازية’ اولا. وهذا التصور يعكس سوء فهم للابعاد الكونية للتاريخ ومساراته، ولكيفية تجلي أثر القفزات الكبرى في التاريخ، على التاريخ العام، خارج المراحل الخمس التي تضمنها مفهوم ’المادية التاريخية’. هذا ناهيك عن نفي وجود قوانين أخرى تحكم حركة التاريخ وتستجيب لآلياته، أو الغاء مثل هذا الاحتمال. ويرفض من يسمون بالماركسيين، مثل مؤمني الديانات، أي اعتراف بحجم الوهم الذي يرافق ورافق مسيرة نظرية ’العلم’، سواء عندما فشل تحققها في اوروبا، الموضع الاكثر رقيا وتقدما طبقيا وانتاجيا، اي الاكثر اهلية لاستقبال الشيوعية. أو عندما تحورت ثورات برجوازية، واكتسبت وسائل ’اشتراكية’. والحقيقة التي لا يريد هؤلاء مواجهتها هي هل كان لينين مخادعا أو مخدوعا، وهل الاشتراكية التي أرسى أسسها، هي اشتراكية أم تحول نحو الرأسمالية بوسائل غير تقليدية؟ وهنا بالذات تعود النقطة المذكورة أعلاه لتطل علينا، ولترينا أشكالا من تحورات التاريخ التي نتجت عن الرأسمالية المعاصرة، وعن الامبريالية. لقد انتهت الرأسمالية كرأسمالية بمجرد أن خرجت من أوروبا الى بقية أرجاء المعمورة. فغدى ما يحكمها قوانين أخرى عالمية، في ظل عملية انتاج من طبيعتها أنها تزداد كونية. وهنا تتجلى تناقضية واكراهية الماركسيين، الذين يصرون على وضع مخططات مسبقة واكراهية، يفرضونها على التاريخ. فهم يشيعون فكرة حتمية استنساخ المسار التاريخي الأوروبي في العالم أجمع. وينطلقون بانتباه او تغافل ليصوروا العالم كنسخة أوروبية مكررة، بينما الثورة الآلية الحديثة، وطبيعة الرأسمالية والرأسمال، تفرضان أعظم اشكال العالمية / العولمة الرأسمالية الاولى/. وهم يرفضون القول بان العملية الانتاجية والسياسية العالمية، خلقت آليات صراع وتحول، لم تكن الرأسمالية الطرف الوحيد فيها. وكما انها غيرت العالم، فقد تغيرت من جهتها بعمق. والأكيد أن ذلك. وان التاريخ الحديث والمعاصر، لم تحكمه المادية التاريخية اطلاقا. ونتائجه، وماحدث في روسيا الرأسمالية، والصين التي نراها الآن، هو من مآلات تكثيف الصراع، وفعل آليات راسخة، لم تتمكن الرأسمالية من الغائها بل خضعت لها.

والأكيد أن الماركسية هي الفرع الراديكالي من الفكر الرأسمالي، وهي لم تؤد حتى الآن غير تلك المهمة، فساعدت في انتصارات رأسمالية، بوسائل غير رأسمالية تقليدية / روسيا الصين ... / وهو مايشير الى عدم انطباق حيثيات وآليات تاريخ أوروبا الغربية والوسطى على بقية ارجاء المعمورة، بقدر مايدل على تحورها. هذا والماركسية قامت على معطيات محدودة وضيقة، وغيرعليمة بحقائق التارخ ومسار الحضارة الانسانية الاوسع، بالضبط مثل الحالة التي اورثتها في اماكن كثيرة من العالم، وبما يعرف عنها من نزعة تلخيص التاريخ وتاريخ اوروبا، فقد أوجدت نمطا من ’المفكرين’ السطحيين، وممن يمكنهم ان يتصورا متوهمين، بانهم ينتمون الى أرقى عوالم المعرفة والتحليل والابداع النظري والفكري. فشاع حضور نوع من العقول المتكلسة، لا بل المتحجرة أحيانا، والمحبوسة داخل قوالب، تريد بواسطتها أن تخضع العالم، وكل ما فيه من حقائق لاتدرك، لرؤيتها الجافة والجامدة. وفي الآونه الأخيرة انتعش أمثال هؤلاء، يوم انحدرت الرأسمالية، وتفجرت أزمتها المالية الأخيرة، فطاروا فرحا لأن ماركس عاد من سباته. والحقيقة ان تلك لم تكن سوى ’يقظة رجعية’. فالتشفي بالافتراضية الرأسمالية، لم ترافقه أية مجهودات تتحدث عن مستقبل ’الافتراضية’، واذا كان العالم برغم كل شيء، مقبل من هنا فصاعدا، على انتصار عالم واقتصاد الآلة التي أكل الدهر عليه وشرب، أم على انتصار الافتراضية والتكنولوجيا شعبيا وكيف؟

من السهل طبعا استعادة منطق الشعارات والايمان السهل ’العميق’ بتلك ’الحتمية’، الاشبه بالحتمية البيولوجية، خاصة وأنها قد ذكرت العالم بوجودها اليوم، لكن من السهل بالمقابل العثور على العجز مخيما على عالم بقايا الماركسيين، الذين تحولوا الى عجائز تلعب خارج التاريخ وتبتسم وهي تتذكر ماضيها. وهذا لن يمنع بالطبع التاريخ من أن يواصل طريقه. والأكيد أن العالم تجاوز الآلة ومتعلقاتها الفكرية التي ثبت عدم انطباقها على الحقيقة، برغم ما تتميز به من روح انسانية، ومطابقة لرغبة وحلم الانسان بالعدالة والمساواة في وقت بعينه. غير ان حالة الماركسية، وماقد أثارته في نفوس وعقول الملايين من البشر، ومن العقول الحية والكبيرة في عصرنا، هو من دون شك، فصل عظيم رافق تداعيات العصر الراهن، وأثبت لنا من جديد، كيف أن البشر يمكن أن يؤمنوا بافكار مثالية، يظنونها ’واقعية’ أو كما يحلوا للماركسيين الترداد ’علمية’ محكومة بقوانين بلورتها نظريا، وجعلتها قابله للتركيب خلال ظروف معينة. فالراسمالية ومارافقها من مظالم رهيبة وحروب وتدمير، وما قد أوحت به من تسارع في وتائر الحياة، ومن تطور هائل، وايضا من اعادة قراءة للتاريخ ومساراته وقوانينه، كل هذا هو ما اوحى بتلك الفكرة. والموجه الكبرى من الآمال بالعدالة، وامكانية تحققها ’علميا’، وعبر الصراع الطبقي، وحركة التاريخ والثورة. لكن الشيء الأكيد، الذي تبين لاحقا، هو أن الفرق هائل بين تحقق العدالة بناء على آليات التاريخ الموصوفة في المادية التاريخية، وبين تحققها باعتبارها كينونة أصلية ثابته في التاريخ. وان أوروبا التي يصفها ماركس، وافترض حتمية تحولها نحو الشيوعية ومجتمع اللادولة، هي فرضية تتحدث عن مكان غير مؤهل لمثل هذه النتيجة اطلاقا. فمجتمعات اللادولة، ومفهومها لمسار التاريخ والحضارة، موجودة في أماكن اخرى ككينونة، وهذه، هي فقط المؤهلة بالفعل لتحقيق مجتمع اللادولة المشاعي. وهذا المفهوم عن العدالة وتحقق النهاية بوراثة الله للارض وماعليها، تحتاج الى بحث آخر أوسع وأكثر تفصيلا.

من المفترض بنا ان لانكون ’محصنين’ ضد التغيير، بعد كل هذا الذي حدث في العقدين الاخيرين، والأهم أن لانظل ’عقلانيين’ أكثر من اللازم، في وقت انهارت فيها اسس العقلانية، وتراجعت بقوة في الغرب نفسة. وعودة المنطق التوراتي لزعيم أعظم امبراطورية واقواها في العالم في القرن الحادي والعشرين، مازال يثير الانتباه والحيرة، والآراء تذهب اليوم الى مايسمى نظرية الفوضى / كتاب نظرية الفوضى وعلم اللامتوقع ـ جايمس بليك ـ صادر عن دار الساقي / مثلا، وهو يأخذنا نحو بدايات منظور آخر، موافق لعالم التكنولوجيا الحالي، والى مايمكن أن نطلق عليه ’العقلانية اللاعقلانية’، أي تلك العقلانية الكامنة في قلب الحياة والكون. وهنالك أكثر من مبرر وسبب كبير مما حصل في العقدين الأخيرين، لايمكن ان تسمح للفكر بالبقاء متنعما بمرافقة الجثث حبا بصمتها.

ما أن شهدت أوروبا ثورتها الحديثة، حتى اكتشفت أنها انما تواجه حالة تتفجر بسرعة لتصبح عالمية الجوهر والمصير، ومن تلك اللحظة انتهى العالم ’الخاص’، واوروبا الصافية التي يتحدث عنها ماركس، لم يعد لها وجود الا في مخيلة الرجل، أما مفهوم ’الامبريالية’ اللاحق، فلم يكن سوى محاولة اكراهية لتعميم شروط أوحت باستمرار هيمنة قوانين الرأسمالية عالميا. والحقيقة ان الحضارات الزراعية السابقة على الرأسمالية، لم تكن بمثل تلك الطواعية. وحيث كانت لهذه قوانين خاصية وآليات حكمت تاريخها، فانها واصلت أقلمة وجودها الراهن، من دون ان تستسلم للقوانين الاوروبية في توطين الآله. ومثل هذا الوضع عرف في روسيا والصين والهند، وفي العالم العربي، والى حد ما الاسلامي. وتكمن هنا تفاصيل هائلة، ووقائع لا تحصى، أثرت بصورة جوهرية على أوروبا نفسها، وأنهت فعاليتها، منذ الحرب العالمية الثانية، بينما كانت أمريكا ’المختلفة’ كليا عن اوروبا. بنية وتكوينا، هي التي تصعد. ومنذ سنوات قليلة، عندما تم غزو العراق. كان التاريخ يستعيد نكهته ومحاكماته التوراتية، وبوش أبلغ رسميا الرئيس الفرنسي شيراك، بان المهمة، هي من أجل القضاء على ’ياجوج وماجوج’ الموجودين في أرض ما بين النهرين، هذا بينما كانت الاشتراكية السوفييتية / التي هي طبعا رأسمالية بوسائل غير رأسمالية تقليدية / تنهار، والعالم ينقلب كمقدمة لانقلاب التاريخ الشامل، لاعلى مستوى التاريخ البشري فقط، بل وعلى صعيد البيئة والمحيط. وكم من المتحجرات ستظهر وتؤخذ الى المتاحف، في حال استمر البشر يحتاجون في المستقبل للمتحف، والماركسية كما كان يحلو لماركس ان يردد، دخلت المتحف الى جانب الفأس والمحراث البابلي.

’ كاتب عراقي

fb