مناخ فانتازي
24 نيسان (أبريل) 2010 , بقلم محمد إسماعيل زاهرآخر تحديث:السبت ,24/04/2010
في رواية “أبناء الجبلاوي” لإبراهيم فرغلي، تختفي روايات نجيب محفوظ من العالم، وفي مناخ فانتازي تنطلق شخصيات محفوظ في الشارع، تصبح حية ومتحركة، ربما نختلف حول تقييم الرواية أو نتوقف طويلاً أمام فكرتها الجديدة والمبتكرة، ولكن نظرة أعمق تخبرنا أننا أصبحنا نعيش في واقع يبحث عن شخصياته المعبرة، التي تنتظر قلم الروائي ليدخلها إلى عالم الخيال .
تود الرواية أن تسأل: ما هي الشخصية المحفوظية التي تصلح للبطولة في هذا العصر؟ في إدانة واضحة للرواية العربية الراهنة، أو التي تغيب عن فضاءاتها تلك الشخصية الممثلة لأوسع قطاع ممكن من المجتمع، إن أي متابع للرواية سيلاحظ أن الشخصيات التي أبدعها جيل سابق من الروائيين العرب كانت موجودة بالفعل على أرض الواقع، تعيش بيننا تفكر بطريقتنا وتتبنى طموحاتنا وأحلامنا، وتناقش أفكارنا، كانت بمثابة انعكاس مباشر لحياتنا مهما غرقت في نخبويتها، أو مداراتها الذاتية، حتى نستطيع التنقل بسلاسة بين رواية مجتمعية وأخرى للمثقفين، وثالثة تبحث اشكالية علاقة الشرق بالغرب . “القاهرة 30”، “شرق المتوسط”، “موسم الهجرة إلى الشمال”، لنجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف والطيب صالح على التوالي، نجحت جميعها في تحقيق هذه المهمة التي تبدو شاقة وعسيرة بالنسبة للإبداع المعاصر، نتذكر شخصياتها بأسمائها وسماتها وإشكالياتها النفسية وندرك كيف استطاع قلم الفنان أن يعبر من خلال الفرد عن المجتمع وهمومه الكبرى .
نحن نسأل الآن عن تلك الشخصية الروائية التي تلخص مفرداتها أوضاع شريحة ما في مجتمعنا المعاصر، نقرأ روايات جيدة نستمتع بها، ربما تمتلك أطروحات واضحة عن قضايا مهمة، ولكنها أبداً لا تحتوي أبطالاً يلخصوننا، ملامح البشر تبدو غائمة وأحاسيسهم باهتة ومفتعلة وعزلتهم عن محيطهم واضحة، وبإمكاننا ملاحظة ان هذه العزلة لا تعطي أي مؤشر على أزمة وجودية تحيلنا إلى قضية الذات الفردية واغترابها، كما نشعر ونحن نقرأ دستويفسكي وسارتر وكامي وغيرهم، هي شخصيات معلقة في فراغ، تسقط بعد حين من الذاكرة .
يستطيع الناقد الأدبي والثقافي أن يلقي باللوم على الوضع التعيس للإبداع الروائي، والمنظر أيضاً بإمكانه القول إن الواقع الذي يبدو مسطحاً لابد أن يفرز حتماً تلك الشخصيات الشبحية، وسنسمع من يخبرنا أن تقنيات الرواية وصياغتها الفنية الحديثة أصبحت متجاوزة لمسألة التعبير عن بشر من لحم ودم . . الخ، وكل مقولة من هذه المقولات بإمكانها أن تفتح جدلاً واسعاً حول أوضاع الرواية العربية المعاصرة، خاصة في ظل مقارنتها بنظيرتها الغربية أو اللاتينية، وهي مقارنة لن تكون في مصلحة روايتنا التي تعيش عصرها الذهبي على حد التعبير الرائج في الساحة الثقافية “زمن الرواية”، والسؤال المحرج الذي طرحته علينا رواية فرغلي . . هل واقعنا مفرغ لدرجة أن يبحث عن شخوصه المعبرة في روايات نجيب محفوظ؟ لا يحتاج إلى رصد صحافي أو متابعة نقدية وحسب، ولكن إلى مشرط عالم الاجتماع .