نسخة من المقال للطباعة fb

هل الثقافة العربية معادية للعلم؟

2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 , بقلم السيد يسين

في إطار اهتمامنا ببحث مشكلة التخلف السائد في المجتمع العربي والذي تدل عليه مؤشرات متعددة كمية وكيفية معاً، سعينا إلى استكشاف آفاق التقدم الذي حلمت أجيال متعددة من المثقفين والسياسيين العرب، بتحقيقه منذ عصر النهضة العربية الأولى في الوقت الراهن.

وكان لابد أولا من تشخيص الموقف لمعرفة الأسباب العميقة الكامنة في الثقافة العربية، والتي قد تكون هي المسؤولة عن الوقوف عثرة في سبيل التقدم. وهذا التحليل الثقافي تراه ضرورياً، بل إنه في تقديرنا -كما أكدنا أكثر من مرة- يسبق في أهميته التحليل السياسي التقليدي.

والواقع أنه قد دار جدل في دوائر العلم الاجتماعي المختلفة حول دور الثقافة وعلاقتها بالتنمية خصوصاً وبالتقدم عموماً. فهناك علماء اجتماع أعلوا من شأن الثقافة، واعتبروا أن رؤى العالم التي ينطوي عليها في كل مجتمع، قد تدفع بمسيرة التنمية إلى الأمام أو تعوقها.

وقد أتيح لي أن أطلع مؤخراً على كتاب مهم حرره كل من "لورانس هاريزون" وعالم السياسة الأميركي المشهور بنظريته في "صراع الحضارات" "صمويل هنتنجتون"، عنوانه: "الثقافات وقيم التقدم" وقد ترجمه شوقي جلال عام 2005.

وترد أهمية الكتاب إلى أن محرره الأول وهو "هاريزون" من كبار الخبراء في التحليل الثقافي وتطبيقاته في أميركا اللاتينية. وقد أصدر كتاباً مهماً عام 1985 أثار جدلا شديداً وعنوانه "التخلف حالة عقلية: حالة أميركا اللاتينية"، وقد استخدم المؤلف دراسات حالة متوازية لإثبات أن الثقافة في الغالبية العظمى من بلدان أميركا اللاتينية، كانت هي العقبة الأولى على طريق التطور.

ومعنى ذلك أنه لكي نعرف أسباب التخلف في مجتمع ما وطرق اكتساب التقدم، لابد لنا أولا أن نحلل ثقافته تحليلا عميقاً لنكشف عن ملامح "رؤية العالم" التي يتبناها هذا المجتمع.

إلا أننا في مجال تفسير التخلف العلمي في المجتمع العربي ألقينا المسؤولية على عاتق النخب السياسية الحاكمة، التي لم تستطع أن تدرك إدراكاً صحيحاً أنه لا تقدم بغير بحث علمي وطني وقومي أصيل، في ظل تشجيع الابتكار والإبداع، كما ألقينا المسؤولية أيضاً على عاتق المجتمعات العلمية العربية من ناحية أخرى.

ولكن تبين لنا بعد الاطلاع على مقالة بالغة الأهمية للباحث المصري سمير أبو زيد منشورة في عدد سبتمبر 2009 من مجلة "المستقبل العربي" وعنوانها: "العلم والنظرة العربية إلى العالم: التجربة العربية والتأسيس العلمي للنهضة" أنه يقدم تفسيراً جديداً تمام الجدة لمشكلة التخلف العلمي العربي. ويزيد من أهمية المقالة أنها خلاصة لكتاب شامل سيصدر قريباً.

ومعنى هذا أن المؤلف يمتلك أطروحة متكاملة لتفسير التخلف العلمي العربي، وليس ذلك فحسب، ولكنه يقترح استناداً إلى بعض منجزات التراث العلمي مدخلا للتقدم يقوم على منهج "الفصل والوصل" كما ورد في نظرية النظم عند العالم البلاغي العربي الكبير عبدالقاهر الجرجاني.

فلنحاول ابتداء أن نعرض للملامح الأساسية في هذه الأطروحة الفكرية الجسورة للأستاذ سمير أبو زيد، والتي من شأنها -لو صدقت أفكارها الأساسية- أن تحدث انقلاباً فكرياً في طريقة معالجة مشكلة التخلف في المجتمع العربي المعاصر.

والآن بعد كل المقدمات التي سقناها آن أوان السؤال المهم: ما هي الأطروحة الأساسية التي يقترحها الباحث لتفسير التخلف العلمي العربي؟

إنه يبدأ أولا بالتأكيد على أنه بعد حوالي قرن ونصف القرن من بدايات النهضة العربية الحديثة، حدث تقدم في بعض المجالات سواء على مستوى النظم الاجتماعية أو الفنون والآداب، أو البنية التحتية والنظم الخدمية. ولكن بقي مجال واحد سقط تماماً تقريباً من هذا التقدم النسبي وهو العلم. ويدلل على ذلك بأنه طوال تلك الفترة الممتدة لم تنتج المجتمعات العربية -باستقلال عن الغرب- ابتكاراً علمياً واحداً، ولا عالما بارزاً واحداً، ولا تطبيقاً تكنولوجياً عالمياً جديداً، أو حتى منتجاً صناعياً جديداً بشكل تام.

والفكرة الثانية التي يقدمها، قبل أن يصوغ تشخيصه النهائي للتخلف، هي أن الفرد العربي أظهر "رفضاً كاملا للعلم" ويضيف أن التبرير المعروف لهذه الحالة هو أن النظم السياسية العربية لم تتحول بعد إلى حالة الحداثة التي تضمن حراكاً مجتمعياً حقيقياً وإطلاقاً لطاقات المجتمع. وهذه النتيجة صحيحة تماماً في نظرنا وقد توصلنا إليها في كتابنا "أزمة المجتمع العربي المعاصر: غياب الحداثة في عصر العولمة".

غير أنه يرى أن هذا الغياب لا يصلح في ذاته تفسيراً شاملا لظاهرة التخلف، لأن المجتمعات العربية -كما يقول- ترفض العلم على مستوى اللاوعي. ويقرر أن "الفرد العربي لا يؤمن بالعلم سواء كان هذا الفرد فرداً عادياً لا تأثير له في اتخاذ القرار، أو سياسياً له تأثير كبير في توجهات المجتمع، أو حتى عالماً متخصصاً يمارس العلم في المدرج والمختبر". والتفسير الحقيقي في نظر سمير أبو زيد، يكمن في أن نظرة هذه المجتمعات العربية للعالم مضادة للعلم المعاصر، ولذلك ينبغي إعادة تأسيس العلم في تلك النظرة.

ويلفت النظر بشدة أن الباحث يعتمد اعتماداً أساسياً على "مفهوم النظرة للعالم" World view وهو أحد المفاهيم الأساسية التي استخدمتها في خطة بحث السياسة الثقافية التي قدمتها وأشرفت على تطبيقها للمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1990 ونشرت دراسات متعددة في هذا المشروع بناء عليها وأهمها "المناخ الثقافي في المجتمع المصري" و"ميزانية الوقت" و"رؤى العالم" التي أشرف على دراساتها الدكتور أحمد أبو زيد. ويمكن القول إن رؤية العالم السائدة في ثقافة ما كالثقافة العربية، هي النظرة للكون والمجتمع والإنسان.

وقد حاول سمير أبو زيد أن يحرر مفهوم النظرة إلى العالم كما استخدم في الفكر الغربي، وخلص إلى أن هذا المفهوم "شامل بأقصى درجات الشمولية، وهو مفهوم بنيوي يتكون من بنية مفاهيمية جزئية... وهذه البنية تتركب بشكل أساسي من الكيفية التي ندرك بها العالم، سواء كانت دينية أو فلسفية أو علمية".

وبعيداً عن هذه التعريفات المجردة التي قد تكون مرهقة للقارئ، فإن الباحث يقرر أنه ينطلق من فرضية أساسية هي "أن المعاينة المباشرة لواقع المجتمعات العربية تبين أن الجهود المبذولة في فكر النهضة العربية الحديثة منذ بداياتها وحتى الآن لتأسيس العلم في المجتمعات العربية قد فشلت، وأن السبب في ذلك هو أن العلم السائد في تلك الفترة، هو العلم الحتمي الميكانيكي الحديث، الذي يتناقض مباشرة مع النظرة العربية للعالم".

ونأتي أخيراً للسؤال: ما هي مكونات النظرة العربية للعالم؟ يجيب الباحث على هذا السؤال الجوهري بأن هذه النظرة "تشكلت واكتملت من خلال نص منزّل". وهي تتكون من عناصر اعتقادية هي:

قدرة العقل باعتبار أنه هو الأداة الأساسية في المعرفة ولكنّ هناك حدوداً للعقل. ودور الاعتقاد. ثم أن وظيفة الإنسان دينية، وأخلاقية. وكذا القدرة على الاختيار على المستوى الجزئي، وعلى المستوى الكلي هو مجبر.

وإذا كانت هذه هي مكونات النظرة العربية للعالم التي أدت إلى تعارضها أحياناً مع العلم المعاصر، فما الذي يفسر الإنجازات العلمية الباهرة التي قدمتها للإنسانية كلها كوكبة كاملة من كبار العلماء العرب وفي مقدمتهم الحسن بن الهيثم وجابر بن حيان وابن سينا وغيرهم عشرات؟ سؤال يحتاج إلى إجابة في ضوء اجتهادات الباحث المبدعة التي تدعو إلى التأمل النقدي العميق !

نسخة من المقال للطباعة fb