كوسموبويتيكا... أعجوبة المسجد وروائح الذاكرة: شعراء الرواية وشبان الثمانين
30 نيسان (أبريل) 2010 , بقلم عباس بيضونإلى لوز غوميز وخيورخي خمينو
لم أزح الستارة عن نافذتي رغم أن هذا أول ما أفعله بعد ان أتفقد الغرفة، فالفندق هو أول مكاسب السفر. سيكون لك هذا السرير وتلك الخزانة وذلك المقعد لأيام.سيكون أيضا لك المشهد تحت النافذة، لك مدخل الفندق وأروقته ومطاعمه وحتى إيوان الاستقبال وربما خدمات لا تفكر فيها. سيروقك انها هناك وانها لك وان لم تستعملها، سيكون ذلك لك وان لم تملكه. انه أشبه بحب قصير لا يترك مرارة. ما تملكه حقا هو كجلدك لا تعرف كم هو ضيق عليك إلى أن تلمس جسداً آخر. دخلت مع ذلك إلى الغرفة بعد رحلة 14 ساعة بين بيروت وباريس ومدريد وقرطبة، كنت قد داورت جسدي في الطائرة والسيارة والقطار حتى استنفدت مرونته كلها وغدا في النهاية يابسا ومشدوداً. كان التمدد على السرير هو كل ما اريده. ان أبسط أخيراً جسمي ولا اضطر لليه في مقعد ضيق أو طيه في ركن أو زاوية. لم أفتح الستارة ولم أنظر إلى ما تحتها وفاتني ذلك وقتا طويلا حتى نسيت أن أفعله.
كنا خارجين من الكلية الفندقية حيث نتناول غداءنا (للطعام الأندلسي حديث خاص). سألني أحد المنظمين إذا كنت أفضل العودة مشياً. كنت لا أزال متعثرا بجسدي لكني أحببت أن أجيبه إلى ما سأل. مشينا في الربيع، والربيع عندنا سرعان ما يشويه الصيف، لكنه في أوروبا حقيقة. يمكن الكلام عن سلاسة في الجو قلما نعرفها نحن الا في أواسط الخريف. شمس غير لاهبة ونسمة لطيفة وماء ضاحك في النهر وعليه ضوء فاتر أشبه ببخار الصباح، أشجار تكتسي وتترقرق فيها خضرة بادئة. ورائحة زهر، هو تارة ياسمين وتارة برتقال، جارية في كل هواء المدينة. من الصعب ان يكون لمدينة رائحة حاضرة ملازمة فأنت ترى وتشم معاً. لكن هذه قرطبة وأنت تشعر بأن الرائحة تفعل في ذاكرة سابقة. تنقلك في الواقع كسلك زمني، وتعيدك إلى حيث ما ظننت انه انطوى مع كلامه. النهر والرائحة يستيقظان هنا في كلام الموشحات التي تغدو فجأة موقعة على حركة النهر وطرقات المدينة وسريان الزهر «وعائم وغريق من جنى الريحان».
لست من الحالمين بالأندلس ولم يكن له مكان خاص في رأسي ولا كلامي. بل ان لفظة «الأندلس» لم تكن بالنسبة لي أكثر واقعية من أسماء العصافير والازهار التي أسمعها وأرددها بدون ان أعرف ما تدل عليه كأنها لم تعد تدل الا على نفسها. كانت الأندلس بالنسبة لي مجرد كلمة لا تدل إلا على نفسها، زرت من قبل غرناطة وتجولت في قصبتها ونزلت مرارا عبر الغابة من القصر إلى المدينة. كنت مهيَّأ لذلك. اما الآن فلم أكن متهيئا لشيء. عصرني السفر وعصرتني أشياء أخرى حتى كنت، وهذا ما يحصل مراراً، لاهيا عن كل شيء الا عن ضيق بجسدي ونفسي حبسني تماما وجعلني بحجم قدمي أحياناً. لكن الرائحة والماء تسربا بدون وعي وشملتني بالتدريج حال من تذكر غامض. قال لي صاحبي إنه من الأفضل أن نترك هذا الجسر إلى الجسر الروماني. ودار بي في طريق ملتفة إلى أن وجدتني قبالة المسجد وحد النهر، كنت علمت بأن المسجد في بصر الفندق ولمت نفسي قليلا انني لم أستفد من فراغ الصبيحة لزيارته. وها أنا تحت جدرانه. ترددت في أن أعود فورا إلى الفندق. تركني صاحبي إلى موعد له كنت نعسان ومنكمشا حين وجدني أدور حول المكان الشاهق كما لو كنت ألف حول حصن ممتنع. لم يكن لي عذر في أن أعود أدراجي، سيكون هذا لو حدث، عجزا يجمع على تعبي وثقل قدمي ويحولني إلى قاعد سخيف. لم يكن لي عذر. كنت أمام أمر صدعت له بدون حماسة، تحت واجب لم أستطع تفاديه.
المسجد
درت ألتمس الباب، لكن على طريقي كانت هناك أبواب تلو أبواب مغلقة مصمته. الباب المنصوب وسط الحائط هو بحد ذاته تحفة. كان كالعادة مشغولا في كل قسم منه بنمنمة فريدة. يد المزخرف تملأ المثلثات والمربعات وأنصاف الدوائر والأشكال الاهليليجية بتشكيلات مسامية تشبك وتورّق وتشجر وتلون حتى تصل إلى النهايات وتترك في كل مساحة، مهما دقت أو صغرت، بصمة كمال. كان هناك كالعادة هذا الامتلاء الذي لا شغور فيه، يتكلمون غالبا عن رعب الفراغ وهو الجار الشقيق لرعب الصمت، لكن ما نراه هنا ليس مجرد امتلاء ولا مجرد ثرثرة.
اننا نجد في الغالب ملء الفراغ بما لا يقل خفة عنه ويكاد يحاكيه وينسج منه. فإن ما يرتسم على الفراغ بلا حجم ولا كتلة ولا يوجد الا في تناغمه وتشابكه وتكوينه السحري. ثمة هنا مبادلات في الخلية ذاتها وفي الفضاء ذاته. بل ما نجده هنا تجل واختفاء، تجسد وذوبان، بل نكاد نقول ان الفراغ امتلأ من مادته.
كل هذا ليس جديدا، الجديد هو تعاقب الأبيض والأحمر وانفراد الأحمر بنفسه بدون أرضية من النقوش. في كل هذه التكوينات المسامية يسود الأحمر وحده على مساحته. انه سطح لوني ليس إلا. انه الأحمر فحسب. هنا نتخلص من الفراغ الذي يبقى ارتجاجا وذبذبة في الأشكال الزخرفية. يعطي الأحمر لهذا الموران الزخرفي نهايات واستراحات. يكفي اللون للخروج من تململ وحراك أبديين، ليس حوار اللون والنقش هنا غريبا عن حوار الفراغ والامتلاء. فنحن هنا وهناك نبقى في الحركة ذاتها. ثم ان الأشكال الهلالية وليس نصف الدوائر فحسب هي التي في تقاطعها تضعنا في متوالية أخرى. درت حول الأبواب المغلقة. من الواضح انها لم تنشأ لذلك. لم تكن متراصفة على مسافات متساوية لولا انها أنشئت لتفتح ولينفذ الضوء (الحقيقي) منها إلى الداخل. لكننا نتابع إلى أن ينتهي البناء ونجد أنفسنا امام الحديقة فندخل. لم تعد الحديقة بالطبع هي «الجنة» التي ينفتح عليها المسجد. أشجار النخل والبرتقال والياسمين. رائحة النارنج والياسمين تحملنا جزئيا إلى ذاكرة المسجد، لكن المسجد مسدود عنها. مثلما انه بأبوابه المغلقة مسدود عن ضوء النهار. لقد عزل هكذا ليتحول الى حصن أو كاتدرائية، فيما كان في الأصل مفتوحاً ليستقبل الضوء ويستقبل الحديقة، فهذه جميعها ليست فناءات خلفية ولا ملحقات. انها أجزاء تكوينية في معمار المسجد وفي فكرته. أجد زاوية وموظفين وشباك تذاكر فأشتري تذكرة ثم أقف لا أعرف كيف أدخل. ما من باب واضح هنا سوى شق أشبه بأبواب السينما المردودة. يشير إلي الموظف أن أدخل من هنا. هكذا كمن أدخل إلى صالة سينما أدلف في الظلمة تقريباً إلى المسجد. أجد نفسي فجأة شبه ضائع، لا أعرف في أي نقطة أو ناحية أنا من المكان. لا أجد جهة أمامي. لا أستشف حدوداً بعيدة أو قريبة، هناك فقط هذا الفضاء الذي يلعب فيه الضوء الاصطناعي ولا يزاولنا فيه الشعور بأن ثمة طيفاً من الظلمة لا يتبدد بل يسيل في الجو كله. هذا بالطبع أقرب إلى أجواء الكاتدرائيات حيث الشموع والاعتزال للعبادة. الكاتدرائيات بالطبع. فالمسجد تحول لدى سقوط قرطبة في يد الملك فردينانو الثاني إلى كاتدرائية، هو الذي نشأ في الأصل على كنيسة صغيرة اشتراها المسلمون. عاد المسجد كاتدرائية، زرعت في وسطه كنيسة ملكية وازدانت جوانبه بتماثيل ومزارات فيما علقت على أعمدته وجدرانه لوحات دينية. مع ذلك بقي تقريبا على بنائه الأول ولم يضف إليه الكثير. بقي في بنائه ومحرابه. أي انه بقي مسجداً وكنيسة في الوقت ذاته. تتبدل الكنائس إلى مساجد والمساجد إلى كنائس لكن إزالة الأثر الأول يتم بقدر من الكمال لا يبقى فيه سوى خيط بسيط من الجريمة. اما في مسجد قرطبة الذي تسميه تذكرة الدخول «كاتدرائية» وتسميه الكتب السياحية «مسجداً»، فلا يزال التنازع على صفته واسمه حاضراً كصلاة يومية. مع ذلك فإن قيام مسلمين نمساويين بالصلاة في صحن المسجد أثار عليهم الحراس وطُردوا خارجاً.
أقف في وسط المسجد وأتقدم باحتراس، امام الجوانب المغلقة على مزارات وتماثيل. ليس عبثاً أن أسير في محاذاة الجدار فانسياح المكان وتمدده في كل جهة أشعرني بجفلة لم تفارقني. كان عليّ أن أعرف موضع قدمي. مررت أمام المزارات متسائلا أين المسجد، كنت أمشي بدون أي خطة ولا طريق. كان عليّ أن أترك الجوانب وأدفع نفسي إلى وسط الأعمدة التي يزيد عددها اليوم على 850 بعد أن بلغت من قبل 1016 عموداً. انه الفضاء المزروع بأعمدة تتابع وتتقاطع وتتقارب كلما ابتعد النظر حتى لا يعود فيها منفذ لرؤية. أعمدة وليست أعمدة، اذ يروى ان المسلمين كالعادة بدأوا بالبناء على اعمدة موجودة رومانية وكورنثية انتزعت من أماكنها. لم تكن هذه شاهقة بل أقرب إلى القصر ولا يقوم عليها سقف في علو سقف المسجد. تقول الحكاية هذا ولك أن تصدقه او لا. الا ان ما أراه شيء آخر، فالعمود القصير الصاعد تلبّس بعمود ساقط من فوق وتثبت هذا العمود بقوسين مزيجين بالأحمر والأبيض متراكبين على مسافة بينهما. لا يصح تشبيه «غابة الأعمدة» هنا فالغابة والدغل كما نعلم شائكان وأشجارهما متماسة متداخلة. ليس هذا شأن المسجد فالأساس هنا هو الفضاء والفراغ والأعمدة أشبه بسيقان نباتات مزروعة في حقل، نظل نرى السطح والخلاء اللذين بين القضبان. يبدو الفضاء هنا مخططا او مزيحا او منقطا بالأعمدة، انها تنقله وتعيده في تكرارها الآتي، تنقله وتعيده وتجعله في حال من ذبذبة وتململ دائمين. لا تملأ الأعمدة الفراغ بل تلابسه، انها اعمدة رقيقة تحاكيه وتنحته تقريبا. هي في كثرتها وتكرارها تتداوله وتعرضه لدوران ساكن وبلا صوت. انها تنقطه او تتداوله من نقطة إلى نقطة. المساحة المترامية تجعل المكان شاغرا ومليئا بالقدر ذاته. مع الامتداد اللامحدود لا تعود للمكان نفسه حقيقة ثابتة، انه تقريبا هذا الايقاع الذي يتردد إلى ما نهاية ويتتابع في السر وحين تمحي الحدود.
السقف هنا أعجب. اذا قامت على الأرض سيقان فإن الأهلة المتراكبة المتتابعة تتصل وتتقاطع على نحو يجعل لها حركة مرئية. بل هي تبدو من فوق في حال تموج مستمر، إذا كان التنقيط الإيقاعي تحت فإن تشبيكة الأهلّة والأعمدة فوق تبدو حملا لحنية. فوق الدينامية العارمة للسماء لكن هناك أيضاً حركة البحر.
ماذا لو فتحت الأبواب ودخل النهار الى المسجد، سيدخل العالم ويخرج من هناك، سيكون للضوء كلامه مع الفراغ واللحن الصامت للأعمدة والأهلة. ماذا لو انفتح المسجد على الحديقة ودخلت الجنة الى رحابه سيكون هناك بالتأكيد كلام آخر يتوازن مع النهر ومع «خداريا» الحي اليهودي في أيام العرب حيث السور والقناطر والشرفات المليئة بالزهر وفناءات الدور (الباثيو) المغطاة حيطانها بأصص الزهر، ورائحة الياسمين والبرتقال التي يعوم بها الفضاء. «مدينة الزهراء» التي اختطها الحكم الثاني لتكون عاصمته، هي بنت المسجد القناطر والأهلة المعلمة بالأحمر والأبيض. الأندلس
دام عمار مسجد قرطبة 200 عام وجدد ووسع على 5 مراحل، لما استنفدوا ناحية النهر عمر الوزير المنصور من الناحية الثانية. جعل ذلك للمسجد سعة جنونية وكلّفه انحرافات جمالية، وربما كان منها جدل على صحة موقع المحراب، لا يمكن ان يكون «اعجوبة» بهذا القدر إلا بثمن كهذا.
الأندلس يظل كلمة فحسب في ماض لم يعد لأحد حتى تصل إليه. في الطريق من مدريد الى قرطبة تراه، انه حقيقة، وبكثير فوق ما يقوله ذلك الماضي اليتيم وفوق ما تغنّيه الموشحات، عندما نرى مساحات خيالية مؤلفة من هضاب متقاطعة على نحو شبه موسيقى، متحاضنة منقطة من أعلاها حتى أسفلها بأشجار الزيتون او الشجر الدغلي. الأندلس حقيقة كما هو في أشعار غارسيا لوركا وكما هو في الموشحات. ليست البساتين والغابات وحقول البرتقال والزيتون وحدها التي تؤكده، فالأرجح ان الرموز الاسبانية الكبرى هنا. الفلامنكو وصراع الثيران والفولكلور وهنا ايضا لوركا وماشادو ومن هنا بيكاسو. مع ذلك بقي الأندلس جرحاً في التاريخ الاسباني الحديث. الماضي العربي لا بد في أساس هذا الشقاق، الأندلس نفسه تعثر بهذا التاريخ وبقي وقتاً يتخبط فيه ويتردد إزاءه، لكن ثمانية قرون هي حتى الآن الكفة الراجحة في التاريخ الأندلسي الذي لم يعش في الدولة الاسبانية وقتاً أكبر. ليس التحرر سهلاً من دمغة بهذا الحجم. هكذا جاء وقت المصالحة، ومن الإنكار والتجاهل الى اعتراف بالحجم ذاته. استدخل الأندلسيون هذا الماضي في تاريخهم وقبلوه واعتدوا به. مسجد قرطبة، قصر الحمرا وأشباههما اشهر المعالم الأندلسية ومن المستحيل تجاهلها. تسمّت المدارس والمؤسسات بأسماء الخلفاء وخاصة في قرطبة التي كان من عناصر اعتدادها انها عاصمة الخلفاء الأمويين، مدينة عبد الرحمن الداخل والحكم. دعيت للقراءة في مدرسة اسمها مدرسة المنصور وهو الوزير الذي دمر «كومبا ستيلا» المدينة المسيحية المقدسة، انه في كتابات الاسبان الجنرال. قالت لي المدرسة انهم لم يجدوا اسماً آخر فقد سبقهم الآخرون الى أسماء الخلفاء. بقي لهم فقط اسم هذا المحارب فقبلوه. المحارب هو الصفة التي أطلقتها على المنصور. ليس السفاح ولا جزار المسيحيين ولا أي اسم من هذا النوع.
لوز غوميز استاذة الفلسفة العربية في جامعة مدريد المستقلة تقول ان الأندلس اعطى اسبانيا رموزها وأعيادها الاساسية وفولكلورها. انه اسم ثان لإسبانيا. مع ذلك فإن ثمة حفيظة تجاهه، ليس الماضي العربي هو العقدة لكن ثمة اسبابا اخرى راهنة. تقول لوز ان الأندلس بلد زراعي وما بينه وبين الشمال ما بين الاقتصادين الزراعي والصناعي. الأندلسيون في نظر آخرين أهل رين وأهل زراعة. وهم أيضاً، ربما للسبب نفسه، أهل فولكلور وموسيقى ورقص وأعياد وطعام وشرب. كل هذه صفات تجعلهم في نظر الذين تفتنهم القفزة الاسبانية الحديثة ويؤثرون انخراطاً أكبر في الغرب، تجعلهم ريفيين وكسالى وربما شرقيين وتقليديين. المهرجان
لأمر غير مجهول ارتأى منظمو المهرجان ان يدشنوه بقراءة لميشال هويلبيك. يعرف الناس انه روائي وقلّة هي التي بلغها انه شاعر. هويلبيك الروائي الفرنسي الصدامي والمستفز بمواقف منها ما رشح في روايته «خطة» من عداء للإسلام لا يعد بين الشعراء. انه مشهور بالتأكيد واسمه ذائع، هذا صحيح لكن ما فائدة الشعر والمهرجانات الشعرية إذا توسلت النجاح بروائيين. لم يكن هويلبيك هو الروائي الوحيد الذي دُعي كشاعر. غي نوبتوم الهولندي الذي اسمه على لوائح نوبل كان ايضا من شعراء المهرجان والغيوم البركانية منعته من الوصول. قال لي فرويلا (احد منظمي المهرجان) ان هويلبيك لن ينزل في نفس فندقنا لأنه يصر على ان يصحب معه كلبه، وهذا الفندق لا يستقبل الكلاب. أهي قصة كلب، حين جلس هويلبيك لقراءة أشعاره الموزونة والمقفاة. غالبا أطل رأسه في الصفحة وتمتم بكلام لم يصل إلا بصعوبة الى الأسماع. فرنسيون قالوا انهم لم يسمعوه. ادواردو سانغينيتي الشاعر الايطالي المعروف قال ان كل قصائده عن رجال وان قصيدته الوحيدة كانت في امرأة هي أخته وحتى هنا يفكر سانغينيتي بهتك المحارم.
سانغينتي بالمناسبة في الثمانين. يمشي على عصا ويحتاج الى من يمسكه بكتفه حين ينزل الدرج، لكنه ليس مع ذلك عجوزاً محطما. كنت أراه على عصاه بصحبة امرأته في كل مكان، وإلى المائدة كان يقوم متذمراً من انه لم يجد خمرا قوية ينهي بها وجبته. لأمر ما كان المهرجان مجمع كثير من المسنين الشبان. كالفيري اللطيف كان ايضا في الثمانين لكن جينيس ليبانا كان الظاهرة الأبرز، النحيل المزموم في ثيابه صاحب الهيئة الأيقونية كان في كل مكان حاملاً معها دفترا يرسم عليه اسكيتشات. يلقي محفظته على كتفه بإهمال ويمشي منتصب القامة. آخر دواوينه صدر 2010 ولا يزال في عز نشاطه كما قال. ولد ليبانا عام 1921. أما ماركوس آنا القرطبي الذي قوطع مراراً بالتصفيق، وليس هذا من عادة الجمهور، لأنه مناضل وسجين قديم في العهد الفرنكوي، فقد ولد في 1920. كان يلقي واقفاً وبصوت قوي ولم يخطر لي لحظة انه في التسعين، المسنون الشبان كانوا مصدر عزاء لواحد مثلي بدأ يغالب ستيناته.
خيورخي خمينو الشاعر الشاب الذي يعتبره فرويلا شاعراً مجيداً رغم مجموعته الواحدة، قال ان فضيلة المهرجان استقلاله وكون منظميه شباناً لم يخطوا عتبة الثلاثين او لم يخطوا كثيراً فيها. خيورخي زوج لوز غوميز. قد لا تكون هذه المقالة المهداة إليهما، سوى ملاحظاتي وأنا اتجول ايضا في صحبتهما، وأصغي لهما وأحظى بلطفهما وكرمهما الوافرين. أتبنى ما قاله خيورخي. كان لديّ كلام كثير عن اجواء المهرجان الأليفة وعن القراءات الحافلة، عن متع العشاءات الرائعة وفتنة المطبخ الأندلسي. تفيد منشورات المهرجان أن بين من مروا فيه ديرك والكوت وأدونيس ومحمود درويش.
[ [ [
«كازا عربي» او البيت العربي هو المعادل الاسباني المتواضع لمعهد العالم العربي كما يقول ايسائياس منسق برامج التربية والنشر فيه. كان في برنامج الزيارة قراءة ونقاش في القسم العربي في جامعة مدريد المستقلة بإدارة لوز غوميز وندوة في كازا عربي مع الشاعر الاسباني جودي روس وبمشاركة لوز غوميز. كنت في قرطبة حين علمت بأن موعد ندوتي بات يطابق تماما في اليوم والساعة موعد لقاء مع العماد ميشال عون. كان الموقف بالنسبة لي غريباً الى حد الهزل، اتصلت بإيسائياس وسمعت من بعيد صوته الدافئ يقول ان لقاء شخص كعون يتقرر بحسب برنامجه هو لا برنامج كازا وان لكل جمهوره. قلت ان هذه المقارنة بالضبط هي المضحك في الأمر وان الموقف بحد ذاته غريب ولا عبرة بشيء آخر. فهمني ايسا اياس لكنه لم يستطع تلبية رغبتي بتقديم الموعد ساعتين، قال ان أحداً لا يأتي في هذا الوقت وأنا لم اهتم. في الواقع صرت أفضل ان لا يأتي احد فهكذا لا تكون هناك ندوة. استقبلني ايسا إياس في محطة القطار وصحبني باكراً جداً الى المطار، اين نجد في غير اسبانيا مثل هذا اللطف. كان لا بد من الندوة، انتظرت بخيال كوميدي ان تكون الندوة في حجرة مجاورة للقاعة التي يحاضر فيها العماد عون فاتسلل واختفي هنا وأبدأ في القراءة والنقاش فيما آذان القلائل الذين حضروني لاسباب مجهولة، مشدودة الى الكلام الذي يتسرب الى الحجرة من كلام العماد. كل هذا التصور الهزلي لم يكن مطابقا، تمت الندوة في حجرة في طابق سفلي وكنا هكذا بعيدين بما يكفي، كانت الندوة بفضل جوردي دوس ولوز غوميز جدية وحميمة، قرأ جوردي ترجماتي الفرنسية وكل ما وصله عني. لوز قرأتني كاملا في العربية. هناك في مدريد البعيدة في الجامعة وفي كازا عربي حظيت فرحاً وشاكراً باثنين من أفضل لقاءاتي.
كازا عربي في مبنى كان مدرسة إعدادية لكنها مدرسة ـ قصر. في طوابقها بصحبة ايسا إيناس، رأيت كتبا منشورة بالاسبانية عن العرب ومنهم، بالاضافة الى مكتبة موسيقية وعروض سينمائية وندوات فكرية. كازا عربي بإدارة اسبانية قد يكون في هذا منجاة من النزاعات العربية وضغوط الأنظمة التي طالما أعاقت معهد العالم العربي.