إشراقات" حميد سعيد ولكن.. ما أجمل الشعراء
11 أيار (مايو) 2010 , بقلم ياسين رفاعيةالمستقبل - الثلاثاء 11 أيار 2010
الشاعر العراقي حميد سعيد رئيس اتحاد كتاب العراق سابقاً، غادر بغداد بعد الغزو مباشرة واختار عمان وطناًُ ثانياً، ولا غرو فإن الأردن والعراق بلدان مجاوران وحدودهما مفتوحة بعضهما على بعض، وفي عمان وحدها الآن نحو نصف مليون عراقي، جاءوا تباعاً حفاظاً على أرواجهم وأرواح أسرهم وأولادهم، ونجاة من المذبحة القاسية التي يعيشها العراق ليس فقط من جراء الغزو الأميركي وحلفائه، بل أيضاً من الشعب نفسه، حيث حرك الغزو الكمين الطائفي وشجع على القتل والدمار، فجعل من العراق بلداً مدمراً، الاقتتال الطائفي يأكل أبناءه يوماً بعد يوم.
المنفى
اذاً، غادر حميد سعيد وطنه وبلده ليعيش المنفى إن كانت عمان منفى، وفيها لقي الترحيب تلو الترحيب، ووفرت له إقامة لا تختلف عن إقامته في بغداد. وأحاطه شعراء الأردن بالحب والتقدير فنشر هناك مجموعات شعرية عدة، كانت آخرها مجموعة كبيرة بعنوان "إشراقات" وهي مختارات من مجاميع سابقة وصدرت بمناسبة "القدس عاصمة للثقافة العربية" عن "بيت الشعراء" و"AL Quds" قدم لها بدراسة الشاعر الفلسطيني المقيم في دمشق خالد أبو خالد، وقبل أن نستعرض هذه الدراسة ننقل كلمة الناقد مراد السوداني التي كانت تعريفاً بشعر حميد سعيد وذلك على الغلاف الأخير فيقول: "تلتقي فلسطين والعراق التقاء القدس بالسور والنهرين بحضور أرض السواد.. يلتقي البلدان الشهيدان والشاهدان على غولية الغزاة ونهومتهم النافقة. يلتقيان في اتون سياق المواجهة العارمة ضد الموت والعدمية والاستلاب الاحتلالي... وهما يعلنان بريق الحق وبريق الصمود والمواجهة بالقلم والبندقية وقلوب الطير اللاهبة.. إنما يؤكدان حتمية الانتصار على غوائل النهب ومنازلتهم حتى التحرير الناجز.. وسيبدد مرجل العراق الوهاج ظلموت العتمة وأسلافها الرابخة على الرغم من جراء الغزو النهاب(..) ولأن الشعر صاحب المهابة العالية وقد تخلق على أرض السواد نقشاً أبدياً على عشبة الخلود المحمولة على أسد بابل والجدل البليغ".
المختارات من إحدى عشر مجموعة شعرية صدرت تباعاً منذ عام 1950 حتى عام 2009 مسيرة طويلة من الشعر، كرمها كل من الفلسطيني خالد أبو خالد والعراقي سامي مهدي، فجاء كلام خالد أبو خالد منطقياً فـ"هنا يمكن القول: إن الشاعر وفي الجسر العامر الذي يمتد بين القصيدة الأولى وآخر قصيدة لم يقدم أي تنازل في المضامين التي ذهب اليها في مشروعه الذي يمكن القول أيضاً إنه مؤسس على الثوابت التاريخية والمعاصرة والراهنة في المشهد العراقي النازف، وفي القابضين على جمرة العراق، والذين يبصرون ويعيثون الجمر الكامن في رماد الحرائق العربية من الماء الى الماء. إن حميد سعيد في المسافة بين قصيدتين لم يكتفِ بطرح المضامين التي أراد توصيلها الى المتلقي. وإنما جاهد لكي يرتقي بأدائه الى مستوى المسهم الجاد والفاعل في ترسيخ حركة الشعر العربي الحديث. منذ ما بعد تجربة روادها، مستنداً في كل ذلك الى قاموس شعري يتصل بتراث الشعر العربي المتمثل في "ديوان العرب" محسناً توظيف مفردات جاء بها من عمق توضعاتها الى قصيدته، بحيث غدت جزءاً من مصطلحه الشعري الذي ترك أثراً غير غائب عن معطيات قصيدتنا الحديثة مؤثراً في الشعر العراقي الذي واكبه في جدلية مع العلاقة الخلاقة بين ما اصطلحنا على تسميته بأنه "أجيال شعرية" أعقبت تجربة حميد سعيد ومجايليه. ورست على ضفاف يمكن أن نسميها تواصل الأجيال".
سامي مهدي
سامي مهدي يتناول ظواهر وتحولات تجربة حميد سعيد الشعرية معتبراً اياها تجربة حداثية خرجت من رحم تجربة الشعر العراقي الحديث شأنها شأن تجارب شعراء جيله. ولكنها استقلت عنها منذ البداية. وكونت لنفسها خصائص فنية ما ميزها عن غيرها، وخصوصاً في تمردها على القواعد التي وضعها الرواد للقصيدة الحديثة وألزموا أنفسهم بها. وأرادوا، كما فعلت نازك الملائكة إلزام الآخرين باحترامها، وبذلك فتحت تجربة حميد سعيد لنفسها ولغيرها، أفقاً جديداً واقترحت نموذجاً مغايراً على صعيد بناء القصيدة وموسيقاها ونسيجها اللغوي فهي تجربة لا تشبه غيرها من تجارب الشعر العربي الحديث، لا في خصائصها ولا في منحى تطورها وصعودها برغم ما بدا على بدايتها الأولى من تأثيرات سيابية (نسبة الى بدر شاكر السياب). اما بالنسبة لي فقد عاصرت حميد سعيد منذ بداياته عقب تواصلنا الدائم وشبه السنوي عبر مهرجان المربد الشتوي الذي كان من أسباب قوته دعم حميد سعيد له وهو رئيس لاتحاد الكتاب في العراق، بدماثته وترحيبه وتأمين كل الراحة للمشاركين في تلك المهرجانات. وكنت معجباً بشعره الذي كان يأخذني ببساطته وعمق نظرته للحياة، ذلك أن حميد سعيد يشتغل على قصيدته كالحائك الذي يحيك السجادة بالأبرة، وهذا تشبيه ينطبق عليه في كل قصائده الشعرية وخصوصاً الأخيرة التي فيها ما يشبه الوداعات.
"اعطني برهة من الزمان.. أو فسحة في المكان
انتزعني من الشوك.. وانتزع الشوك من متن روحي
اعطني هامشاً في كتابك.. أو هامشاً لكتابي
أغثني.. وقل لي ما لم أقل
بي من الطمأنينة.. ما أنت مانحه لترابي
وعندي من الخير.. اسئلتي وصحابي
ومنك البراهين.. أنشرها حين تطوى
رأيت يداً.. فتجمع ورد شطاياي.. ثم رأيت يداً
فتشظى كياني.. انتشلني وخذ بيدي".