fb

قراءة في تاريخ

12 أيار (مايو) 2010 , بقلم عبدالزهرة الركابي

المستقبل - الاربعاء 12 أيار 2010

بداية القول، لسنا من دعاة الاتجاه التشاؤمي، والذين ينظرون الى الواقع بمنظار أسود، حتى لو كانت منطقتنا العربية في عصرنا الراهن لم تعد عملياً مهيأة لأطر رهناً برغبات واتجاهات الأجيال في المستقل، وبالتالي دعونا نؤشر على عوامل الافتراق وكذلك مظاهر الإنفاق، ليكون بمقدورنا الحصول على صورة أو صور متحركة عن واقع هذه المنطقة، عبر السياسات التي جعلت هذا المشهد يكون على هذا الحال، لا سيما وان تجارب التوحيد القسرية والاختيارية على حد سواء قد أخفقت، وما بقي وصمد منها، يعد استثناءً لا يمكن تعميمه على الكل. وصحيح ان قراءة التاريخ الحاضر أو التاريخ الآتي من قبل العاصرين يعوزها الكثير من المنطلقات التي تكون من أولياتها توافر مسافة زمنية، تكون محل فصل بينهم وبين الأحداث، وهذه المسافة كفيلة بتزويدهم بحد أدنى من الصفاء الذهني والرصانة، بيد أن تناول هذ الجانب في مثل هذه الكتابة يظل اطاره تحليلياً لمرحلة أو حقبة بدت عصية التغير والتبدل وحتى التطور، وهو أمر يستحق منا تبيان أسبابه، كما ان معالجته وعلى مقدار صوابها، لن تكون حاسمة في هذا الوقت، لكنها تضيف شيئاً لعملية تجاوز هذه الحالة مستقبلاً.

ان الجذر التاريخي للثقافة العربية الاسلامية كان المحرك والدافع للتطلع القومي الذي كان يسعى لتحقيق ما يمكن تحقيقه استناداً على هذا الجذر، وقد كانت المصالح المشتركة لشعوب المنطقة هدفاً من أهداف هذا التطلع، لكن الواقع وتمخضاته ولّد اشكالية تنازعية بين سياسات المنطقة، عندما حلت المصالح القائمة محل المصالح المشتركة، وهذه المصالح القائمة توزعت على مصالح جغرافية واقتصادية وسياسية وأمنية، لتكون مصالح متضاربة ومتناقضة وتضادية وقطرية، وهذا السبب لوحده كان كافياً لمضاعفة وزن الافتراق، فما بالك بالأسباب الأخرى التي ساهمت في هذا الافتراق.

من المهم القول، ان سياسات المنطقة وجدت نفسها أمام خيارات كان بعضها ضاغطاً وبدءاً من خمسينات القرن الفائت أو حتى منذ بدء استقلال بلدانها، وهذه الخيارات كانت ايضاً من الأسباب التي أدت الى اخفاق تجارب الوحدة، وحتى لا تدخل في جانب الشرعية من عدمها، هناك اسباب تتمحور في عملية انتقال السلطة الى النظم القائمة، ما يعني ان أحد الأسباب المؤثرة في اتساع هوة الافتراق بين سياسات المنطقة، هو آلية وصول هذه السياسات الى السلطة في بلدانها، ومن الطبيعي ان هذه السياسات تلجأ الى حصر مصالحها في الأفق الضيق بدلاً من المصالح المشتركة ذات الأفق الاستراتيجي والبعد العروبي.

واذا كنا قد ذكرنا بعض أسباب الافتراق، فمن المفيد في هذا الموضوع هو تناول وذكر مجالات الإنفاق التي يتصدرها المجال الاقتصادي، الذي هو في الوقت نفسه يقع ضمن خانة المصالح القائمة آنفة الذكر، ليكون مجالاً للاتفاق وسبباً للافتراق في آن، وهذا المجال لو توفرت فيه الارادة السياسية والارادة الاقتصادية وغلبت الارادة الاقتصادية على أي ارادة أخرى، فمن المؤكد قيام مشروع السوق العربية المشتركة فعلياً وعملياً هذا على سبيل المثال لا الحصر، لأن هنالك الكثير من العوامل التي تجمع بين بلدان المنطقة، ثقافياً وحضارياً ودينياً ولغوياً وجغرافياً ولوجستيا".

يذكر في هذا السياق، انه قد تم انشاء السوق العربية المشتركة في عام 1964، والتي لم يترتب على قيامها النتائج المرجوة، بسبب الصفة غير التكاملية لهياكل انتاج البلدان الأعضاء، وعدم قيام الدول بتنفيذ ما التزمت به.

وصحيح ان ما ذكرناه من أسباب شكلت طابعاً لنوازع الافتراق في أداء السياسات السائدة، وأضافت شرخاً في اللحمة التي من المفترض تماسكها، ناهيك عن الموقع الاستراتيجي للمنطقة التي جعلها عرضة لأطماع القوى الخارجية بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية بما في ذلك زرع الكيان الصهيوني في قلبها، كما لا ننسى الصراعات الاقليمية في المنطقة وانخفاض الوعي العروبي وضعف العمل العربي المشترك، وهي عوامل أدت الى تداعيات سياسية واقتصادية واجتماعية.

هذا الواقع جعل من الصعب احداث تغييرات شاملة في أداء السياسات، وبالتالي فإن هذه التحديات والمخاطر، وقفت حائلاً أمام قيام نظام عربي متوحد مؤسساتياً، يكون بمثابة قوة عالمية رئيسية في العالم، على الرغم من اعتقاد عدد كبير من الاقتصاديين والساسة ان مجرد التشابه والتقارب في النظم والتوجهات السياسية، والماثل في الاجراءات والبرامج والخطط الاقتصادية، من شأنها تحقيق التكامل الاقتصادي أولاً، وبلوغ التوحد السياسي المنشود ثانياً. وعليه، تظل أمام السياسات مهمة عاجلة، تتمثل بتضييق مجال المصالح القائمة، وتوسيع أفق المصالح العربية المشتركة، كحقبة تمهيدية وتأهيلية، تنطلق من ثوابتها الأجيال القادمة للاتفاق وتشكيل نظام عربي مؤسساتي واحد.

fb