fb

دراسة لأهم الأضرحة والزخارف في العصر الفاطمي : كتاب جديد عن العصر الفاطمي وفنون الخط العربي

2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2009

القاهرة ـ ’القدس العربي’:أصدرت مكتبة الإسكندرية كتابا جديدا تحت عنوان ’النقوش الكتابية الفاطمية على العمائر في مصر’ لمؤلفه ’فرج حسين الحسيني’.

ويأتي هذا الكتاب في إطار مشروع موسع يهتم بالتراث الإسلامي في مصر وتوثيقه، مثل توثيق تاريخ ونقوش المساجد الكبرى والخطوط بأنواعها، وكذلك أرشفة المخطوطات النادرة في إطار اهتمام واسع من مكتبة الإسكندرية بدراسات الخط العربي في مصر من خلال مجموعة منشورات من الموسوعات والدراسات التي تسجل للنقوش الاثرية في مصر وتتناولها بالتحليل والدراسة، كمرحلة لاحقة لتسجيل ودراسة النقوش الفاطمية خاصة على العمائر الباقية في مدينة القاهرة، وكبداية حقيقية لمجموعة من الدراسات التي تبحث في الخط العربي، كإسهام من مكتبة الإسكندرية في إثراء الدراسات الأثرية ليس في مصر فحسب بل على مستوى العالم وكجزء من المشروع الأكبر رحلة الكتابة، الذي يطوف العالم شرقا وغربا، وشمالا وجنوبا مسجلا تطور الخطوط والكتابات منذ استطاع الإنسان أن يختط بالقلم وصولا الى التطور التكنولوجي في مجال الكتابة.

ويعد الكتاب بمثابة انطلاقة نحو دراسات أعمق للخط العربي، هذا الفن الرفيع الذي يعد واحدا من أهم انجازات الحضارة العربية الإسلامية التي قدمتها للبشرية، تجلت فيه عبقرية الفنان المسلم، واستطاع توظيفه في ابدع صورة على جدران المساجد والمدارس، والتحف الزجاجية والأواني النحاسية، والمشغولات الزخرفية والسجاد، حيث تشهد الآثار الإسلامية التي وصلت إلينا حاملة هذا الفن المنمق على ما وصل إليه من رقي وإبداع.

ويتناول الفصل الأول من الكتاب نشأة الكتابة العربية وخصائص الخط العربي، حيث يعتبر موضوع نشأة الكتابة العربية من الموضوعات التي اثير حولها جدل كبير من مؤرخي العرب القدامى وتتلخص آراؤهم في قولين مشهورين، الأول أن الخط العربي توقيف أي انه ليس من صنع البشر، بل إن الله علمه لآدم عليه السلام، غير ان هذا الرأي لا يقوم على حقيقة علمية ثابتة، بل وضع لتفسير بعض الآيات القرآنية، والثاني أن الخط اختراع، وفي ذلك رأيان أن العرب أخذت خطها عن المسند الذي عرف ببلاد اليمن، وأن العرب أخذت خطها عن الحيرة التي كانت تكتب بالخط السرياني.

وقد أثبت البحث العلمي ـ حسب الكتاب ـ عدم صحة هاتين النظريتين، حيث تأكد الباحثون من انقطاع الصلة بين المسند السرياني والخط العربي. وقد توصل علماء الآثار والنقوش أمثال دوني وهوبر وموزيل ودلمان وغيرهم إلى أن بعض النقوش العربية التي يعود تاريخها الى ما قبل الإسلام، تظهر وجود صلة ما بين الخط العربي والخط النبطي.

ويعتبر الخط العربي أحد العناصر الفنية التي أسهمت بنصيب وافر في تشكيل الفنون الإسلامية ولم تتجل عبقرية الفنان المسلم في نواحي الفن بقدر ما تجلت في الكتابة التي ابتكر طرق كتابتها ذهنه الخلاق، ولم يستوح فيها من الفنون السابقة، ولا استلهم عناصر زخرفية كانت معروفة قبله، بل ابتدعها فأجاد وأحسن الابتكار وأطلق العنان لخياله.

وقد كان للإسلام دور عظيم في مجال الكتابة، والقرآن كثيرا ما يشير الى الكتابة والقلم ومن هنا أخذ المسلمون يأنسون لهذه التعبيرات ويعطونها أهمية خاصة.

ويستعرض الفصل الثاني أنواع الكوفي التذكاري، الذي مر بمراحل تطور مختلفة بدأ فيها بطيء التطور ولم تدركه مزايا الخط الجيد كالتفريج بين السطور وتساوي ما بينها، إلا في القرن الثاني الهجري ـ الثامن الميلادي، وحين يتطور الخط الكوفي ينتج أنواعا رائعة تنطق بالروعة، وتكشف عن براعة الفنان المسلم، ويمكن تقسيم الخط الكوفي التذكاري الى الكوفي البدائي والكوفي البسيط والكوفي البسيط ذي الهامات البسيطة، والكوفي البسيط ذي الهامات الزخرفية، والكوفي المورق وأصل الزخارف النباتية بالخط الكوفي المورق، والكوفي المزهر والكوفي ذي اللواحق الزخرفية الخطية، والكوفي المضفر وذي الإطار الزخرفي والكوفي ذي الزخارف المعمارية وأخيرا الكوفي ذي الأشكال الهندسية.

وقد أطلق على هذا النوع عدة أسماء باللغة العربية مثل: الكوفي المربع والكوفي التربيعي، والخط الكوفي المسطر، حيث توجد بعض النماذج مختلفة من الأنواع السابقة للخط الكوفي فلا عجب ان يوجد شريط كتابي يجمع بين نوعين من الخط الكوفي وتكون التسمية على النوع الغالب منها.

اما النقوش الكتابية في العصر الإخشيدي فهي محور الفصل الثالث الذي يركز على العصر الممتد من ’323- 358 هجرية’ وهي الحقبة المعروفة بالعصر الإخشيدي، يلاحظ على شواهد القبور ان بعضها قبيح تذكره أصول الكتابة التذكارية وبعضها وسط بين هذا وذاك، وبعضها دار على اصول هذه الكتابة وتكثر فيه الكتابات الغائرة، إلا أن بعض الكتابات قد لازمها مزايا الحسن ودقة الإنجاز الى حد كبير، ويكفي للتدليل على تمتع الكتابات الإخشيدية بمزايا التجويد والاتقان وعلاقتهما بمراحل التجويد وانصافها بالقوة والجمال والإشارة الى مجموعة شواهد قبور منها شاهد مقبرة محمد بن عبدالله بن أحمد بن علي بن إبراهيم طباطبا حيث يلاحظ فيها تناسق الحروف وتميزها بالوضوح وجريانها على خطة هندسية موضوعة ولا نلاحظ تزاحما بين الحروف ما يؤكد تمتع الكتابات الإخشيدية بالقوة والجمال.

ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بالقاهرة بكثير من شواهد القبور التي تحمل ملامح الكتابات الإخشيدية والتي تشبه اسلوب نقوش مئذنتي جامع الحاكم بأمر الله. ومن خلال القراءة المتأنية لهذا الفصل يتضح أن الكتابات الفاطمية تطور طبيعي للكتابات الإخشيدية.

ويقدم الباب الثاني من الكتاب دراسة وصفية للنقوش الكتابية الفاطمية، حيث يفند الباحث في الفصل الأول من هذه الدراسة ’النقوش الكتابية الباقية من العصر الفاطمي الأول ’358- 466هجرية’، ’968- 1073م’، من خلال الكشف عن العناصر الزخرفية الفاطمية بالأزهر مستعرضا الترتيب الزمني لنقوش الأزهر الكتابية وطريقة رسم الحروف وطريقة رسم الكلمات الكتابية لمحراب فاطمي مبكر بجامع أحمد بن طولون، ونقش تأسيسي باسم والده الإمام العزيز بالله مدعما ذلك بالصور الفوتوغرافية والتحليل الأبجدي للكتابات.

وفي الفصل الثاني ’النقوش الكتابية الباقية من النصف الثاني من حكم المستنصر بالله’، يستعرض الباحث النقوش والكتابات في الفترة من ’466- 487هجرية’، ’1073- 1094م’ ومنها النقش التأسيسي والكتابات الزخرفية لمشهد الجيوشي والنقش التأسيسي لبدر الجمالي المحفوظ بالمتحف البريطاني بلندن ونقش تأسيسي لأحد المساجد من صعيد مصر يحمل سعد الدولة سارتكين الجيوشي، والنقوش الكتابية لأبواب القاهرة الحربية وأسوارها، وكتابات محراب الأفضل بجامعة أحمد بن طولون.

وفي الفصل الثالث الذي جاء بعنوان ’النقوش الكتابية من عصر المستعلي بالله وعصر الآمر بأحكام الله ’487- 524هجرية’ يوثق الباحث لمجموعة من النقوش منها: نقش تأسيسي مسجد باسم الأمير أبو منصور خطلخ الأنضلي، نقش مسجد جعفر الصادق بالقاهرة، ونقش تأسيسي منبر جامع ديرطو سيناء، ونقوش مسيحية بالخط الكوفي بالكنيسة الكبرى بدير سانت كاترين بسيناء، ونقش تجديد الجامع العتيق بالمحلة الكبرى، وكتابات محراب مسجد الخضرة الشريفة، ونقش تجديد الجامع العتيق بالمحلة الكبرى والنقوش الكتابية بقبة الشيخ يونس، والجامع الأقمر.

ويعد الفصل الرابع توثيقا للنقوش الكتابية الباقية من عصر الحافظ لدين الله حتى نهاية الدولة الفاطمية، ومن بينها نص تجديد جامع لأحمد بن طولون باسم الحافظ لدين الله والقاضي أبو الثريا نجم بن جعفر بن عبدالله، والنقوش الكتابية بمشهد السيدة رقية، ونقش عمارة الجامع العتيق بسوهاج ’الفرطوشي’ ونقش تأسيس مسجد الشيخ موسى بمركز الصف، ونقشان يسجلان زيارة بعض الأشخاص للتبرك بالمشهد القبلي ’مشهد بلال’ بأسوان، ونقش تأسيس مسجد الامير ابي المنصور قسطة بموضع قلعة الجبل داخل جامع سليمان باشا، ونقش تجديد مشهد السيدة نفيسة ومحرابها بالقاهرة.

ومن خلال الباب الثالث يقدم الباحث دراسة تحليلية بعنوان ’النقوش الكتابية الفاطمية’ يقدم في الفصل الأول منها مميزات النقوش الكتابية الفاطمية من ناحية الشكل، والحق أن الكتابات الفاطمية لفتت أنظار المستشرقين منذ القرن الثامن عشر الميلادي، فبدأت الدراسات في مجال الكتابات الفاطمية على يد مارسيل احد علماء الحملة الفرنسية 1798- 1801م، حين قام بدراسة نقوش تأسيس جامع القياس 485هجرية 1092م، ونقش تجديد جامع أحمد بن طولون من عصر الحافظ لدين الله ’526هجرية 1132م’، وقد اختفت هذه النقوش فكانت هذه الدراسة عظيمة النفع.

وقد أخذت النقوش الكتابية الفاطمية أهميتها ليس فقط لأنها تساهم بشكل كبير في زخرفة العمائر والتحف وتعدد أشكالها وزخارفها ولكنها أيضا تساهم بشكل كبير في تاريخ العمائر. وفي العصر الفاطمي انتجت مصر نماذج رائعة من النقوش الكوفية التي لازمت العمارة وكانت عنصرا مميزا من عناصر زخارفها، وقد أدى ظهور هذه الكتابات بتطورها الكبير الذي ظهرت به في الجامع الأزهر في ’359هجرية 361هجرية’ وجامع الحاكم بأمر الله الى الاعتقاد بأن هذه النقوش صناعة أجنبية وافدة على مصر من المغرب مع قدوم الفاطميين أو أنها وافدة من شرق العالم الإسلامي.

وبالنظر الى كتابات العصر الإخشيدي المجودة يلاحظ بها وجود أغلب الظواهر الكتابية الموجودة في الكتابات الفاطمية، مثل نقش تأسيس من مقبرة أبي محمد بن طباطبا ونقش وقفية الوطاويط.

ويخلص الباحث الى أن الإسلام لن يحرم الزخرفة من كل طوائفه وملله ومذاهبه، وقد قام الفنان الفاطمي باستخدام الكتابات كعنصر زخرفي في كل ما أنتجه من فن، فقام بزخرفة العمائر بالكتابات التي نجدها منفذة على النماذج والأضرحة والمشاهد وعلى العمائر الحربية مثل الأبواب الحربية، كما بقيت بعض الأشرطة الخشبية التي كانت تزين العمائر المدنية بها نقوش كتابية، مثل: الألواح الخشبية التي أعيد استخدامها في بيمارستان كلاوون وألواح أخرى أعيد استخدامها في ضريح شجرة الدر.

fb