fb

تبعيث المقاومة العراقية من دمشق ومشروع الحكومة الانتقالية المؤقتة / عبدالامير الركابي

18 أيار (مايو) 2010 , بقلم عبدالامير الركابي

بقلم عبد الامير الركابي

في آخر يومين من شهر نيسان الماضي، عقد في ضاحية "كفر سوسة" في دمشق، مهرجان خطابي، دعت له جهة يطلق عليها "الجبهة الوطنية والديموقراطية" العراقية. وهي تعبير يعني من دون التباس، حزب البعث جناح يونس الاحمد، اضافة الى ثلاثة اشخاص يسمون انفسهم "الحزب الشيوعي العراقي" يعتاشون منذ سنوات على دعم التنظيم البعثي، ومجموعة اسلامية صغيرة أخرى. حضر اللقاء ايضا، ممثل عن "هيئة علماء المسلمين" ليس من الصف الاول. ولاول مرة علمنا عن تطور مهم، فلقد اشترك "ادباء" مناهضون للاحتلال في المهرجان. وهذه التفاتة مهمة لو ان الذين حضروا كانوا "ادباء" معدودين، ويمكن اعتبارهم من بين فئة المثقفين العراقيين المهمة والمؤثرة في الحياة العراقية.

مقارنة سريعة بين جهات الحضور ونوعها، وبين نوعية الحضور في ماسبقها من نشاطات قوى "مناهضة الاحتلال"، تدلنا على مدى الضعف الذي لحق خلال الفترة الماضية بوضع هذه القوى. فلقد عقدت من قبل، وفي بيروت بالذات، لقاءات ومؤتمرات، ضمت طيفا اوسع واغنى بما لا يقاس، بحيث كان البعث، الذي مثل في تلك اللقاءات في الغالب، يبدو متواريا وثانويا، بينما كانت قوى عديدة من شخصيات اليسار والمستقلين، والقوميين، والماركسيين المخضرمين، عدا ما يسمى "المؤتمر التأسيسي" اضافة الى مراجع دينية معروفة، تحضر تلك اللقاءات تباعا، كما حدث لأكثر من مرة ان حضر التيار الصدري. وهو ما كان يعطي تلك المؤتمرات بعدا وطنيا مهما. وسوى ذلك فان اللقاءات السابقة كانت تتسم بمحاولات تقديم مساهمات ذات بعد فكري، وهي وان كانت غير مرضية، ولم تفلح في مطابقة المطلوب، الا انها مثلت رغبة من هذا النوع، وصدرت وقتها ابحاث جمعت في كتاب، عن برنامج مقترح لحكومة مقبلة على اثر هزيمة الاحتلال وزواله المفترض، سبق أن ناقشناه واعتبرناه حديثا وفق مقاييس الماضي، عن حالة لها علاقة بالمستقبل.

المهرجان الحالي هو مهرجان بعثي بامتياز، عقد على قاعدة تعذر الاستمرار، فقبل أشهر أعلن في بيروت، بأن جهود عقد مؤتمر للقوى المناهضة للاحتلال قد باءت بالفشل، وكان المنظمون وجهوا دعوات الى قوى عديدة، الا انهم لم يتلقوا استجابة، سوى من عدد كانوا مع ذلك، اكبر من عدد المشاركين الحاليين في مهرجان البعث المنعقد اخيراً في دمشق. ويبدو ان ردود الافعال العصبية والانية، ونهج الاستحواذ والسيطرة، لا تزال هي السيد، والمتحكم الاول في حياة ونهج قوى بعينها. لم يذكر اليوم اسم "قوى مناهضة الاحتلال" واين صارت. وهذا بحد ذاته تطور ليس بايجابي، والمهرجان، تحول الى احياء مناسبات بعثية متداخلة، تتدرج من الاحتفال بعيد ميلاد صدام حسين، الى ذكرى تأسيس حزب البعث، وصولا الى الانتصار في معركة الفاو. وكلها مناسبات متقاربة تقع في شهر نيسان. هذا وغيره، أعطى انطباعا وحيدا، هو الرغبة في "تبعيث" المقاومة العراقية. هل يمكن اعتبار المهرجان الحالي لحظة اعلان عملي، عن موت ظاهرة "قوى مناهضة الاحتلال"؟ منذ وقت طويل ونحن نقول بأن المعارضة تعاني ازمة، وان عليها ان تفكر بعقلية تجاوز حالتها الراهنة، الى ما قد اصبح اليوم المصدر الوحيد للحل. ولكن قراءة ما يجري، لا تدل ابدا على ان الذين ينتسبون بهذا الشكل او ذاك الى معسكر المقاومة او مناهضة الاحتلال، يملكون بالفعل مؤهلات التفكير بعيدا عن سطوة الماضي.

حين كان يرد في فترات سابقة رأي عن نقائص العمل المقاوم، خاصة في ما يتعلق بطابعه الجزئي والمحدود تمثيلا، كان القصد يذهب الى ضرورة معالجة هذا النقص القاتل، املا بالانتقال او توجيه انظار مجموع قوى "مناهضة الاحتلال"، الى رؤية تلتزم منطق "المقاومة الوطنية الشاملة". وهذا الامر كان ينطوي من الناحية العلمية والسياسية، على تجربة او اجتراح منطق استراتيجي، مقابل استراتيجيا جر المقاومة باستغلال نقيصة جزئيتها الى مقتل، من طريق اغراقها في الحرب الطائفية، الامر الذي حدث بالفعل.

وها نحن اليوم نشاهد الاحتلال يباشر عملية تصفية ملفات بوش والمحافظين الجدد. وقد شرع في الاجهاز على تنظيم "القاعدة"، عنصر التأجيج الطائفي التكفيري الاول نهائيا في العراق. ومقتل قائديه المصري والبغدادي وجمع من قادته يقع في هذا الباب. ومع هذا وبالتوازي واياه تلوح في الافق نذر اخرى. والعراق يمكن ان يتعرض الى تدخلات هوجاء، والى بداية التأسيس لأمر واقع تقسمي نهائي. فبدائل اوباما، قد تنتهي الى كارثة، اسوأ من تلك التي عرفناها على يد من سبقه، هذا بينما المقاومة، او من قرر تصدرها وتضييق تمثيلها، يوحي وكأن الوضع تحسن، وان مواقع البعث تتزايد داخل العراق.

اذا قرأنا ما صدر عن ذلك التجمع في دمشق، وما قيل وتسرب، سنرى هؤلاء يتحدثون عما هو ادنى من القاعدة الشعبية، او التمثيل الضيق، الذي كان مفترضا انعكاسه داخل العراق. فهم يركزون اليوم على قواعد البعث فقط لا غير، ويتبارون مؤكدين ان تنظيم يونس الاحمد لديه قواعد شعبية مثله مثل تيار الدوري، بينما تغدو قضية التقارب او الالتحام بين الجناحين وكأنها قضية القضايا. والامر هنا خارج التدقيق، ولا احصاءات يعول عليها. فمنذ اشهر كنا نسمع على لسان احد ممثلي هذا الحزب والناطقين باسمه، انهم يملكون ستة ملايين مسلح!! فهل هذا العدد الكاريكاتوري لا يزال كما هو ام نقص؟ المهم هو كيف يتحول الحديث من اصغر الى اصغر، ومن اضيق الى اكثر ضيقا. مثلا لنأخذ اليسار، فمقارنة بمؤتمرات بيروت يمكننا ان نعدد في الحد الادنى عشرة اسماء، بينهم قادة تاريخيون للحركة الشيوعية، وكوادر مهمة، كانت مواظبة على الحضور، في حين لم يحضر في المهرجان المذكون غير ثلاثة "شيوبعثيين" يرفعو لافتة كتب عليها من دون خجل "الحزب الشيوعي العراقي".

الذي يلفت الانتباه اكثر، الحديث عن "توافر فرصة تاريخية"، هذه المسألة التي بني عليها الامر المهم والمقصود، والمضخم اعلاميا. فجماعة الاحمد، وجهت رسائل الى عزت الدوري، بعد جهود ومحاولات استمرت لسنتين تقريبا، تفاوض خلالها الاحمد مع المالكي والعملية السياسية، ولم ينجح. وهو اليوم يقفز على هذه الواقعة، محاولا اقناع الجميع بأن "العملية السياسية" تم تجاوزها، وان تعقيدات الانتخابات الاخيرة، سوف تفضي الى انقلاب في الاوضاع، ينتهي الى قيام "حكومة انتقالية". فهل هذه هي الاستراتيجية التي اعتمدها اوباما في العراق منذ الان؟ وهل مايقال بهذا الخصوص، هو تضخيمات، وبناء على اسس غير مؤكدة؟ ام سياق تسعى الى الدفع في اتجاهه قوى اقليمية، لا تحسن تقدير النتائج، او تهمها النتائج مهما ساءت؟

على العموم فان البعثيين، وهم في حالهم الراهنة، يمكن ان يوهموا انفسهم، ويضخموا تقولات من الصعب معرفة المقصود منها، او الحقيقي والايهامي من بينها. مثلا يعتقد هؤلاء، ان سوريا يمكن ان تكون موافقة على تلك الترويجات، بحيث تساند هي قيام "حكومة مؤقتة" تدعم بقوات اطلسية وعربية لاحقا. وهؤلاء ينسون ان هذا المخطط، هو رغبة تناقض السياسة والمصالح السورية في الصميم. فالمقصود بهذا الخيار ايران، وفتح جبهة عبر العراق الغرض منها تحويله خط تماس اميركياً - ايرانياً، واذا كان هذا الثمن الذي تريده اسرائيل مقابل تليين مواقفها من الفلسطينيين وقبول صيغة مهلهلة لحل، فان سوريا لن تكون وقتها غير معنية، بل ستقف حتما بالضد من مثل هذا التوجه وتحاربه بقوة.

قد تكون سوريا وافقت على عقد المهرجان المذكور، بعد توسلات وابلاغ عن انغلاق الطرق، ووصول الامر الى حد انتشار الانطباع القائل بدخول المقاومة والمناهضة للاحتلال في مأزق يمكن ان يكرس الانطباع بأنها انتهت. وهو ما يكون حفّز القيادة السورية، ودفعها للسماح بعقد المهرجان المذكور، غير انها ايضا سوف تقيم ما حدث. واذا وجدت انها انما سهلت مهمة اكدت ما ارادت او حاولت ان تنفيه، وفتحت الوضع على مخاطر، تصب في خانة الاطراف الاقليمية والدولية المنتمية للمعسكر الآخر، فإنها سوف تعيد الحساب. لقد اندفع هؤلاء تحت حمى ضيق الافق والاوهام كي يبلغونا: تقولون اننا في مأزق، واننا وصلنا الى حائط مسدود. هاكم ما يثبت العكس. لكنهم في الحصيلة اكدوا ماسبق وقلناه، القاعدة الاجتماعية والسياسية للمقاومة ضاقت، حتى تحولت قاعدة ما دون جزئية، تبيع الاوهام والعصبوية الحزبية والاحادية الكريهة، وترفض باصرار فتح النوافذ على الحياة والحقيقة.

هل تدرك سوريا ما الذي يعنية مشروع "الحكومة المؤقتة" الجاري الحديث عنه؟ هنالك عملية جس نبض تجري من قبل ادارة اوباما في اوروبا، وعبر اروقة الامم المتحدة، تستمزج من خلالها آراء الاوروبيين بخصوص احتمالات تدخل جديد في العراق. وقد مر على تلك المحاولات بضعة اشهر، بينما هي تجري بسرية تامة وبعيدا عن الاضواء. وثمة في العالم العربي من يحبذ هذا المسار، ويريد ان يصل به الى النهاية، الى درجة تحميل الجامعة العربية والسيد عمر موسى، تبعات تدخل مشترك، يأتي بنتيجة قرار شبيه بذلك الذي تم بموجبه ادخال بعض العرب في "حرب تحرير الكويت"، وكل هذا يحتاج الى تبرير. وتصاعد الكلام عن اكذوبة فوز اياد علاوي، ومنعه من ان يصبح رئيسا للوزراء، (المذكور فاز بـ 28 بالمئة من عموم الاصوات فقط، والدستور يقول بأن التعويل على البرلمان وان الغالبية المعتمدة فيه برلمانية وليست انتخابية) قد يكون من قبيل الاستدراج المحسوب، ومبادرة اياد علاوي لطلب تدخل الامم المتحدة، واثارته موضوع خضوع العراق للفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، هو ذهاب نحو محطات خطرة تستوجب ان نراقب ما خلفها.

وفي المقابل علينا ان لانظن ان الامور يمكن ان تسير كما يتصور او يشتهي البعض. فالعراق بناء على تلك التصورات، مرشح مرة اخرى للدخول في اتون دوامة رهيبة. فهل تقبل سوريا ان ترى فوق ارضها مليون مهجر اضافي يصلونها من العراق، هذا هو ما سيحدث. فبغداد سوف تخلى كليا هذه المرة من سكان اصليين، ومكون مهم واساسي وحي من مكوناتها التاريخية. ونحن لا نستطيع في ظروف كتلك التي يريد البعض فرضها، ان نطلب من احدى الطوائف، ان تمنع نفسها من انهاء اسس الصراع البشرية وتقوم باخلاء بغداد بالقوة والدم. غير ان هذا الخيار الطائفي الاستراتيجي، سوف تترتب عليه نتائج خطيرة على مستوى الكيان والمنطقة. عدا ذلك، فان هذه العملية سيرافقها تحقيق حلم كردي مؤجل في الوقت الحالي، ومكبل باعتبارت واعراف وتوازنات. من شأن اي تطور كالذي نتحدث عنه، ان يلغيها، ليفتح الباب امام هيمنة الاكراد على الموصل. وكل هذا لا وسيلة تحققه سوى القوة والقهر والمجازر والترويع. وهو سواء نجح في تحقيق اهدافه او لا، سينتهي الى تغيير ديموغرافي لاعلاج له على الاطلاق. وسيكون الخاسر الاكبر وقتها العراق بوحدته وثراء تكوينه، لا السنة فقط. ونحن نذكر ذلك حتى لا يظل من يرددون الحديث عن "الحكومة المؤقتة"، يرفعون تلك النغمة بينما هم يقفون على حائط المقاومة المقدس، او يساعدون من يرفعون هذا الشعار، من موقع دولة تعتبر نفسها ممانعة، وحريصة على العراق ووحدته واستقراره. فالطريق الى جهنم مليء بالنيات الحسنة.

فاي جهنم افظع من تلك التي تنتظر العراقيين، اذا ادخلوا الحرب الطائفية من جديد، وانتهى الامر بعشرات الآلاف من القتلى، وباكثر من مليونين من المهجرين يضافون الى من سبقهم، وبأقسى ضربة يتلقاها النسيج المجتمعي، وباختلال نهائي في بنية الكيان، وبدل تحرير العراق من الاميركيين، بتدخل جديد اطلسي، تكون مهمته تخفيف العبء عن قوات الاحتلال الحالية، هذا غير نذر الحروب اللاحقة والخراب الذي لا ينتهي حتى يبدأ.

(كاتب عراقي)

جريدة النهار اللبنانية الاثنين 17/5/ 2010

fb