إنجاز المقاومة اللبنانية يكرِّس دورها العربي والعالمي
7 كانون الأول (ديسمبر) 2009 , بقلم مطاع صفدي07/12/2009
لن تكون مغالين إذا قلنا إن الثورة والسلطة في هذا العصر ضدان لا يجتمعان، يمكن للثورة أن تعارض وتناضل، ولكن قلَّما صار بإمكانها أن تحكم. وإذا ما وثبت إلى السلطة برموز أشخاصها وأفكارها، فإنها تواجه واحداً من الخيارين الحاسمين إما التحول إلى مؤسسة سياسية جديدة أو تدخل تحت عباءة مؤسسة السياسة القائمة كشريحة منها لن تظل مختلفة عن هيكليتها وتقاليدها إلا لفترة انتقالية تطول أو تقصر. نقول هذا أمام الحالة الراهنة التي تولِّدها وثيقة التأسيس الثاني كما أعلنها السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله، معلناً فيها عن منعطفات هامة لما صار ينبغي للحزب أن ينظر إلى نفسه من خلالها، وكما سوف يفهمها الرأي العام اللبناني، بل العربي والاسلامي، والغرب وإسرائيل. فالحزب منذ أن فرض معاني إنجازاته على أصدقائه وأعدائه معاً أصبح شأناً عاماً من شؤون الفكر السياسي العالمي المعاصر. إنه الحزب الصغير المحدود في كل مكوناته هو القوة العربية الوحيدة التي رفضت أن تلقي سلاحها في مواجهة دائمة مع العدو الوجودي إسرائيل، تريد أخيراً أن تعبر الجسر الصعب نحو السياسة دون التخلي عن البندقية. فهل اختار الحزب تلك المعادلة الموصوفة بالمستحيلة بين السلاح المسيَّس أوالسياسة المسلَّحة. هذه الظاهرة الفريدة التي يكتب تفاصيلها حزب الله عبر إنجازاته العملية على أرض الصراع، كما تبرزها تحولاته في سياق الأيديولوجيا والاستراتيجية معاً، إنما تؤكد فرادتها تلك بالنسبة للمألوف من سرديات التاريخ السياسي للنهضة العربية المعاصرة. فالتجربة النضالية للحزب لم تكن تابعة لنموذج الثورة الشعبية الشاملة الداخلية، بالرغم مما تمتلكه من طاقة التمرد على الواقع المفروض، وما قدمته من نتاج العنف المنظّم، الموجه أصلاً نحو العدو الخارجي، ولكن المؤدي إلى تحقيق أصعب الأهداف المطلوبة منه. غير أن الحزب في بداية مشروع التحرير لن يبقى هو نفسه في نهايته. وإذا كانت مقاومته حققت مع ذلك ثمة ثورة ما من نوع خاص تماماً، باعتبار أن انطلاقها كان وضع حداً لما كان يُسمى بالحركة الوطنية اللبنانية إبان الحرب الأهلية. فلقد كان (العدو) الذي تقاتله هذه الحركة بكل فصائلها الحزبية، يتمثل في النصف الآخر من شعب لبنان الذي تختصره ميليشيات الماورنية السياسية، العاملة آنذاك والمصرّة على تقسيم لبنان، وإقامة الغيتو الانعزالي تحت اسم الوطن المسيحي، لكن الدخول الاسرائيلي العسكري المباشر على مختلف خطوط الصراع الأهلوي دعماً لتلك المليشيات الموشكة على الانهيار بسبب اقتتالها الإخواني فيما بين فصائلها، أكثر مما هو بفضل تفوق الجبهة الأخرى المضادة، هذا الدخول الاسرائيلي تكرس باجتياح واحتلال عسكري لنصف لبنان وصولاً إلى غزو عاصمته بيروت. وهنا أصبحت الحرب الأهلية مزدوجة بحرب تحرير وطنية، لم تكن فصائل اليسار اللبناني العروبي مستعدة لها. وهكذا فإن ظروف النشأة الخاصة بحزب الله هي التي ألقت بين يديه شعلة التحرير الوطني للبنان قبل أن يتحول إلى فلسطين الثانية. فقد كان لبنان بنداً ثانياً في أجندة الغزوة الصهيونية المتواصلة للمشرق العربي، كما تصوَّرَهُ مخيالُ الصهيونية العالمية، تحقيقاً لخارطة إسرائيل الكبرى. غير أن هذه الذروة في تطور الصلف العبري شكلت بداية انهيار مشروع إسرائيل الكبرى هذه، مع الاندحار السريع لغزاة بيروت، الذين أجبرهم جبنُهم على التسليم بعجز العبريين عن احتلال أول عاصمة عربية واستعبادها إلى أجل غير مسمى. وبذلك فقد اقترن تأسيس الحزب بالتحول البنيوي في طبيعة الصراع الدموي الداخلي، إلى كفاح تحريري لأرض الوطن اللبناني، متنامياً طيلةَ عقديْ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وكانت المبادرة والقيادة لأهل الجنوب عبر حزب الله، هذا التنظيم الجديد المختلف في عقيدته وتكوينه البشري مقتصراً على أهل الجنوب، عن بقية التنظيمات اليسارية والفلسطينية، المنشغلة سابقاً بالدفاع عن (الثورة) الفلسطينية في أرض الاغتراب، لبنان، كما في حماية هذا البلد من خطر التقسيم الذي تبنَّته المليشيات الفاشية المدعية لحماية المسيحيين. في تلك المرحلة الصعبة المتخمة بأنواع الاشتباكات المتعارضة الأهداف، بوسائل الاقتتالات الدموية الرهيبة، وما وراءها من تدخلات إقليمية ودولية، تمكَّن لبنان في النهاية من الفوز بوحدته الجغرافية والسياسية مع اتفاق زعماء الحرب من مختلف طوائفه، وتحت الرعاية العربية المباشرة (سورية والسعودية)، فإستطاعت هذه الأطراف جميعاً من وضع ميثاق الطائف، متوَّجاً بدستور جديد، لا يزال يقود ويضبط مستقبل ما بعد الطائف، مؤسساً دولة الجمهورية الثانية للبنان المعاصر. هكذا يتغير الصراع الطوائفي التقليدي ما بين إيقاع الحرب والسلم، ليستقر الوضع اللبناني على التزام هذا الصراع بحدوده السياسية فحسب، بالرغم من أكبر زلزال تعرض له المجتمع إبان طوره السلمي الراهن، مع اغتيال أحد مؤسسي ميثاق الطائف، ورئيس الوزارات المتعاقبة على حكم لبنان تحت شعارات إعادة لبنان الموحد سياسياً وتنموياً، وهو رفيق الحريري. فقد أُريد تحويلُ حادثِ الاغتيال إلى ما يشبه زلزالاً وطنياً باحثاً أولاً عن كبش فداء. فكانت الهيمنة السورية هي المقصودة. لكن خروج الجيش السوري، المفترض أنه كان حارس السلام الأهلي، والمشرف على تطبيق بنود الميثاق، كان هذا الخروج بمثابة إعادة لبنان إلى بؤرة صراعاته التقليدية. مع الفارق وهو أن عصر المليشيات المنحل تحت بنود الطائف، قد أخلى الساحة (العسكرية) لحركة المقاومة الوطنية التي استحوذ عليها حزب الله ببنائه الصلب المختلف كلياً عن المنظمات الحزبية السابقة، والمنحدرة في معظمها إلى النموذج الميليشاوي. زلزال اغتيال الحريري والانسحاب السوري جرى توظيفهما معاً لتحريف ما دُعي آنذاك بثورة الأرز، عن انطلاقتها (العفوية)؟ ما فوق حدودها الطوائفية، نحو دمج الجماهير في قالب المجتمع المدني الواحد، جرى تحريفها إلى ميدان تسابق بين زعماء الميليشيات المنحلة، سعياً للاستحواذ الفئوي على مستقبل الجمهورية المستقلة الجديدة. فقد فسَّرت هذه الزعاماتُ استردادَ لبنان لاستقلاله، كأنه غنيمة حرب مباحة للإغتصاب والاختطاف من قبل شُطَّار المرحلة البربرية الجديدة، مستعينة بالتدخل الأمريكي المباشر في جميع تحركاتها. لم يتبق في مصطلح الساحة النضالية إلا تلك القوة الشعبية الموصوفة بالمذهبية عقائدياً وتركيباً بشرياً، لكنها هي الوحيدة القابضة على سلاحها الثوري بيد من حديد. آنذاك تنقضُّ عصابة المحافظين الجدد على مجمل الوطن العربي، زاعمةً قلب خارطته الجيوسياسية، بوسيلة الغزو الإمبراطوري الأمريكي؛ فيتساقط العراق كدولة ومجتمع وحضارة، على أن يكون هو النموذج المدخل إلى تساقط بقية دول المشرق؛ في هذا الظرف القاتم كانت النهضة العربية مهددة بنهاية مشروعها السياسي الحضاري، دونما أية ممانعة ثقافية أو كفاحية تقوم في وجه تنّين الأمبطرة المجنونة. فقبل أن يتهاوى بقية المشرق بعد العراق مباشرة، كانت لفظة الرفض لا الكبيرة يصدرها البلد الصغير لبنان، عبر مقاومة حزبه الأصغر، الذي سيكون هو الحائز وحده على جائزة التحرير، وتطهير جنوبه، أو ثلث جغرافيته، من رجس الاحتلال العبري. تحت سيطرة إشعاع الغزو التدميري لقلعة العراق الشامخة، انتظر الرئيس بوش وأتباعه الإقليميون، من البوشيين المستعربين، انتظروا جميعاً ذروة الجولة الأخيرة لحرب لبنان الأهلية النائمة، بل المستديمة، أن يكسبها زعماؤها السابقون المخضرمون، سلمياً، أو بالعنف الاحتيالي هذه المرة، وحتى باستئناف الحرب الأهلية عينها. لكن التحشيد الهائل لفرسان هذه الجولة وزَرْقها بكل أصناف القوة المزورة سلطوياً وإعلامياً ومالياً، لم ينفع كل ذلك شيئاً سوى إعادة تقسيم لبنان أيديولوجياً ومذهبياً. فقد حدث أن ثلاثي الأمركة والأَسْرَلة واللبننة المزورة أصيب باستنزاف قواه وتهالك مشروعه في احتكار السلطة واختطاف الدولة كلياً، في الوقت الذي استحال على قادته الاختيار المستحيل بين تفكيك حزب المقاومة أو تفجير الحرب الأهلية ثانية، غير مضمونة النتائج لصالح مدبريها. وهكذا، بعد فشل الأعوان بتسليم سادتهم زمامَ المبادرة، جاء قرار حرب تموز (2006) في خدمة عدة أهداف لغاية استراتيجية مشتركة بين أقطاب ذلك الحلف الثلاثي المتطور إلى الرباعي بانضمام العروبة المزورة كذلك إلى صفه علناً. هذه الحرب الموضعية، التي لم تكن هدفيتها عربية دولتية ولا حتى لبنانية شاملة، لكن أصبح لها عنوان كبير معترف بدلالاته في الأدبيات الاستراتيجية العالمية. لقد أرخت حرب تموز فاتحة العصر الختامي لتطور الإمبراطورية الأمريكية نحو شكلها المتوحش، الموصوف بالانتحاري الأهوج حسب مغزاه السيكولوجي. فلسنا نحن العرب وحدنا المحددين لأوصاف هذه القطيعة الكارثية، واقعياً تاريخياً، وليس معرفياً فحسب، ذلك أن انفجار الرأسمالية المتوحشة، عبْر انفجار وليدها العاق المسمى بالاقتصاد الافتراضي أو الوهمي، بل الاحتيالي، كانت له مقدماته الأخرى والأخطر، غير الاقتصادية، والمختصرة في ظاهرة الطيش أو جنون الإمبراطورية سياسياً عسكرياً، كما مثّلتها ونظّرت لها عصابة المحافظين الجدد، ووجدت أداة تنفيذها الطيعة البلهاء في أظلم عهد رئاسي عرفته أمريكا بقيادة جورج بوش الابن. فكان الهجوم البربري على العرب والاسلام، معلَّلاً لدى أصحابه، بالحاجة الى امتصاص ثرواتهم الاستراتيجية، وزرق عروق الإمبراطورية المصابة بفقر الدم. لقد انخرطت معظم أنظمة العرب والاسلام الحاكمة في الرهانات العبثية على مشروع إنقاذ الإمبراطورية المتداعية.. ضاعفت من جديد كعادتها، قَمْع حركات شعوبها الساعية وراء حماية استقلالها الوطني وإنهاء تحالف الاستبداد والفساد المستحكم بالسلطة المطلقة؛ وذلك في لحظة نضج الكفاح المدني من أجل الديمقراطية. وكان لبنان رائداً حقيقياً في استعادته أوسعَ قاعدة جماهيرية عرفها هذا البلد، متجاوزة الواقع الطوائفي والمذاهبي. حدث هذا التطور البنيوي في الوقت الذي فشل الغزو الأمريكي سريعاً في إنتاج بربريته تحت وعود الديمقراطية والأزدهار والسلم الأهلي في العراق المنكوب. فقد زلزل الاحتلال الواقعَ العراقي، مفجراً بكل مكوناته وكوارثه، مدمراً كل دعامة استقرار للغازي الأمريكي ومشاريع ديمومته داخل النسيج التكويني للمجتمع العراقي الموحد شعبياً على الأقل في رفض الغزو وأعوانه المحليين. من انسداد أفق الغزو العسكري الأمريكي في العراق، إلى إحباط الغزو السياسوي الداخلي لأقطاب التحالف الرباعي، بين الأمركة والأسْرلة واللبننة المزورة بإضافة صنوها العروبة المزورة، الذي عرّى ثورة الأرز، أو انتفاضة الاستقلال الثاني، عراها من أنضج أهم ثمارها التاريخية، المتمثلة في عودة الوحدة العضوية لأطيافه الجماهيرية والاجتماعية كلها، ونقل أمام هذا الجدار العالي من الإحباطين الأمريكيين، العسكري في العراق، والسياسي في لبنان، لجأت عقلية الاستعمار الإمبرطوري إلى قاعدة صب الزيت على النار في وقت شدته. وقعت إسرائيل في شر أعمالها، حين شنت عدوان تموز (2006).. أما بقية القصة فمعروفة. لكن المنعطف الأفعل والأخطر قد تحقق هذه المرة، كأول انتصار تاريخي حقيقي لثقافة النهضة، وذلك باستعادتها لمركزية المقاومة الشعبية المنظمة، في كينونة صراعها السياسي المتجدد. واليوم، وبعد مضيّ هذه السنوات القليلة على هزيمة جيش (الدفاع الاسرائيلي) المدوية تعيد مقاومة حزب الله إدراكها لحقيقة إنجازها، إذ يبحث عن محله التاريخي من النضال العربي والعالمي. لقد دافع شبابه عن بيوت أهلهم وحقولهم، ولقنوا برابرة العبريين ذلك الدرسَ عن النصر القديم المؤجل الذي عجزت عن اكتساحه جيوش الأنظمة العربية. كان ذلك أسَّسّ مؤونة الدفاع الإنساني قبل الأيديولوجي، عندما سبق الكفاحُ العملي نظريتَه. ولعلّه أنجز ما لم تتوقعه أية نظرية تصورها اليسار العربي، الخاسر لمعظم جولاته الوجودية والفكرية. لقد وُلدت وثيقة حزب الله بعد خمس وعشرين عاماً من مطاردة البربرية الاسرائيلية لتعلن عن ترشيح المقاومة اللبنانية لدورها العربي والعالمي، وفي مقدمة العولمة البديلة عن عولمة آخر إمبراطوريات الظلم الكوني المتداعي.
’ مفكر عربي مقيم في باريس