نسخة من المقال للطباعة fb

امن بغداد والظاهرة الكونكريتية

23 أيار (مايو) 2010 , بقلم موفق الرفاعي

يبدو ان عمليات إقامة الجدران العازلة في المنطقة سوف تصبح في المستقبل القريب سمة لما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط.

إن إقامة الجدران الكونكريتية العازلة بحجة الضرورات الأمنية والذي بدأته إسرائيل حين قطّعت أوصال الضفة الغربية وغزة في فلسطين، انتشر بسرعة ليطبق في العراق المحتل، حين عزلت مدينة الفلوجة باديء الأمر، ليمتد بعد ذلك إلى بغداد، فعزلت مناطق عن بعضها وحُوّلت الى محميات يحضر الدخول إليها أو الخروج منها قبل إبراز ما يثبت السكن داخلها، بعدها امتد هذا التطبيق إلى ما بين مدينة رفح في غزة وبين مصر. ولأن الواقع هناك يختلف تماما عنه في أماكن أخرى، حيث حفارو الأنفاق، فقد أقيم الجدار الفولاذي بدلا من الكونكريتي، ونسمع اليوم عن جدار عازل يقام على الحدود السعودية بينها وبين كل من العراق واليمن.

وبالأمس كان إعلان بناء جدار يعزل بغداد عن بقية المدن العراقية وأيضا بذات الذريعة (الضرورات الأمنية)..!

ان فكرة بناء جدار كونكريتي حول بغداد ليست فكرة طارئة ولا جديدة ولا أملتها الضرورات الأمنية كما تزعم الحكومة اليوم، إنما هو مشروع أمريكي بامتياز ويعد جزءا من الإستراتيجية الأمريكية التي أعلنها الرئيس الأمريكي السابق بوش منذ العام 2007.

كانت الفكرة الأمريكية أن يُبنى جدار إسمنتي يمتد لخمسة كيلومترات ويرتفع إلى مسافة 3.6متر يحيط بغداد ويعزلها عن المدن الأخرى وتوكل مهمة تنفيذه إلى شركة (هاليبرتون).

إذن فان إقامة الجدار سيكون تنفيذا لإرادة أمريكية لتطبيق إستراتيجيتها في العراق وبالأموال العراقية، هذا عدا عن أضراره النفسية والاجتماعية على السكان.

هذا الإعلان الذي تزامن وتشكيل التكتل ما بين ائتلافي (دولة القانون) و(الوطني العراقي) لتشكيل الحكومة المقبلة بعد إقصاء القائمة الفائزة (ائتلاف العراقية) ربما يكون أُعلن لطمأنة الإدارة الأمريكية على إستراتيجيتها طويلة الأمد في العراق خاصة وان التكتل جاء ثمرة لضغوط إيرانية ما دعا النائب محمود عثمان إلى القول تعليقا على تشكيله "لقد انتصرت إيران على أمريكا".

وإذا ما نحينا كل هذه التفصيلات جانبا فان اتخاذ قرار ببناء مثل هذا الجدار يعكس خوفا حكوميا وأمريكيا من تزايد الأعمال المسلحة بعد ان ظهر جليا تمسك القوى الطائفية بالحكم بالرغم من فوز القوى الوطنية ممثلين في القائمة العراقية ما اعتبر رفضا شعبيا لأحزاب الإسلام السياسي.

إن بناء سور امني يحيط بغداد لحمايتها من الأعمال المسلحة كما تزعم الحكومة يتعارض تماما والتصريحات الأمنية السابقة وعلى مدى سنوات عن عثورهم على أماكن في داخل بغداد لتخزين الأسلحة و تفخيخ السيارات والانتحاريين وصناعة المتفجرات والأحزمة الناسفة هذا عدا عن مزاعم نجاح خطة امن بغداد.

ثم ماذا عن حماية المدن العراقية الأخرى؟ وهل كلما تزايدت العمليات المسلحة في مدينة ما يصار إلى اتخاذ قرار إحاطتها بسور إسمنتي؟ خاصة وان تجارب سابقة كشفت أن المسلحين حين يحاصرون في مكان ما أو يضيق عليهم فيه ينتقلون إلى مكان آخر كما كانت الحال حين هُوجمت الفلوجة وعزلت عن باقي مدن العراق فازدادت العمليات المسلحة في بغداد زيادة ملحوظة، حيث انتقلوا إليها.

لقد بحت أصواتنا وجفت أقلامنا ونحن ندعو الحكومة إلى فهم الأسباب الحقيقية وراء التدهور الأمني المستمر وغير المنقطع وهي أسباب سياسية لكنها تأبى ذلك وتصر على إجراءاتها الآنية وغير المفيدة والتي غالبا ما تأتي كردة فعل على العمليات المسلحة مبتعدة عن المعالجات الجذرية.

نسخة من المقال للطباعة fb