fb

حكاية للصغار والكبار

25 أيار (مايو) 2010 , بقلم علاء الاسواني

تحت الشجرة الضخمة على شاطئ النهر، وقف الفيل الكبير حيث تعود أن يلتقي بمعاونيه لكنه لم يستطع هذه المرة الوقوف على أقدامه الأربع، برك على الأرض وتدلى خرطومه الى جواره وبدا منهكا للغاية لدرجة أنه كان يبذل مجهودا كبيرا لكي يبقي عينيه مفتوحتين ويتابع ما يحدث حوله. وأمامه وقف معاونوه الأربعة: الحمار والخنزير والذئب ثم الثعلب الذي بدا متوترا وبدأ الحديث قائلا:

ـ أيها الإخوان إن غابتنا العظيمة تمر بظروف دقيقة وصعبة، سيدنا الفيل الكبير لا زال مرهقا من آثار المرض الأخير، وقد علمت أن حيوانات الغابة كلها قادمة إلينا في مسيرة احتجاجية بقيادة الزرافة..

هنا نهق الحمار بقوة وقال:

ـ لماذا تصر هذه الزرافة على إثارة البلبلة..؟

أصدر الخنزير صوتا رفيعا علامة الاعتراض بينما الرائحة النتنة التي تنبعث من جسده تفوح بقوة ثم قال:

ـ أقترح أن نقتل هذه الزرافة لنستريح منها.

نظر الثعلب الى الحمار والخنزير باحتقار وقال:

ـ الحق أنني لم أر لغبائكما مثيلا. المشكلة ليست في الزرافة. الحيوانات كلها في حالة تذمر، ويجب أن نتفاوض معها لنصل الى حلول مرضية.

زمجر الذئب وقال:

ـ آسف أيها الثعلب.. نحن لن نتفاوض مع أحد.. إن سيد الغابة الفيل الكبير لا زال موجودا متعه الله بالصحة وسوف يخلفه على العرش ابنه الفيل الصغير دغفل..

ابتسم الثعلب وقال:

ـ دعنا نتحدث بصراحة. إن الفيل دغفل لا يصلح للحكم... انه يلهو طوال الوقت ولا يتحمل المسؤولية.. انظروا ماذا يفعل الآن.

تطلعوا جميعا الى حيث يقف الفيل الصغير دغفل فوجدوه يتمرغ بسعادة على العشب، يحرك أذنيه العريضتين ويشفط الماء بخرطومه ثم يرشه على جسده، والحق أنه بدا في حالة من المرح وخلو البال لا تتفق أبدا مع اللحظات الصعبة التي تمر بها الغابة. استطرد الثعلب قائلا :

ـ كل ما أطلبه منكم أن تلزموا الصمت وتتركوني أتفاهم مع الحيوانات الغاضبة.

هنا زام الذئب وقال:

ـ منذ متى نعمل حسابا لهذه الحيوانات الحقيرة.؟ إننا نقرر ما نريده وليس عليهم إلا إطاعة أوامرنا.

ابتسم الثعلب وقال:

ـ أيها الذئب من الحكمة أن تفهم أن الوضع في الغابة قد تغير.. إن الحيوانات اليوم ليست كما كانت بالأمس. الوضع الآن لن تجدي معه الشدة.

ـ بل إننا نحتاج الى الشدة اليوم أكثر من أي وقت مضى .. نحن نملك كل شيء. إن لدينا جيشا مدربا من الكلاب الشرسة يكفي لإخضاع أي حيوان يرفع رأسه في مواجهتنا. هم الثعلب بالكلام ولكن فجأة، دوت في أنحاء الغابة أصوات الحيوانات، كانوا خليطا من كل الأنواع: أرانب ودجاج وبقر وجاموس وخراف وقطط.. حتى القرود والنسانيس انضموا الى المسيرة. زحفوا من كل مكان في الغابة وفي المقدمة كانت الزرافة الرشيقة تتهادى. ظلوا يقتربون من حيث يرقد الفيل الكبير. فجأة، صاح الذئب بصوت مخيف:

ـ من أنتم وماذا تريدون؟

ردت الزرافة بصوت عال:

ـ نحن سكان هذه الغابة، لدينا مظالم نريد أن نرفعها للملك الفيل.

ـ ليس هذا وقت المظالم. الملك متعب ومشغول. انصرفوا.

ـ لن ننصرف قبل أن نرفع المظالم . ـ هل تجرؤون على هذا التحدي؟

تدخل الثعلب قائلا:

ـ حسنا أيتها الزرافة. ما هي المظالم..؟

قالت الزرافة:

ـ إن هذه الغابة ملكنا جميعا لكننا محرومون من خيراتها. أنتم تحكمون الغابة لمصلحتكم فقط ولا تعبأون ببقية الحيوانات. خيرات الغابة الكثيرة تذهب كلها الى الحمير والخنازير والذئاب والثعالب.

أنتم تعانون من التخمة ونحن نموت من الجوع .. لا يمكن أن نقبل هذا الوضع بعد اليوم. مد الذئب رأسه الى الأمام وصاح:

ـ انصرفوا. لا أريد أن أسمع هذا الكلام. هيا. انصرفوا..

ـ لن ننصرف

هكذا قالت الزرافة وقد بدا واضحا أنها لن تتراجع ..عندئذ رفع الذئب رأسه وأطلق عواء طويلا فظهرت على الفور عشرات الكلاب المدربة وأخذت تزوم وهي تنظر الى الحيوانات بتحد. كان منظر هذه الكلاب في السابق كافيا لبث الرعب في قلوب سكان الغابة، لكنهم هذه المرة ظلوا ثابتين في مواجهة الكلاب مما دفع الحمار لأن يتساءل مندهشا: ـ انهم لا يخافون من كلاب الحراسة الشرسة. يا الله! ماذا حدث في غابتنا؟ قالت الزرافة:

ـ أيها الذئب.. يجب أن تفهم أنت وزملاؤك أننا لم نعد نخاف منكم. لم نعد نخشى شيئا حتى الموت. إما أن تمنحونا حقوقنا أو سنضطر الى قتالكم.

تقدمت كلاب الحراسة المدربة وقد اتخذت تشكيلا قتاليا على هيئة نصف دائرة استعدادا للهجوم. فتحت أفواهها وبانت أنيابها الحادة وأخذت تزوم. كان منظرها مخيفا فعلا، لكن الزرافة لم تهتز وقالت:

ـ أنتم يا كلاب الحراسة أمركم غريب. أنتم تقاتلوننا من أجل حماية الفيل وأعوانه. بالرغم من أنكم تنتمون إلينا وليس إليهم. أنتم مثلنا تعانون من الظلم والفقر . إن حقوقنا المضيعة واحدة فلماذا تؤازرون الفيل الظالم ضدنا؟ انه يستعملكم وما أن يقضي حاجته منكم سيلقي بكم في عرض الطريق.

بان التردد على بعض الكلاب. بادرت الزرافة بالهجوم وهجمت خلفها الحيوانات جميعا. اشتبك معهم الكلاب بضراوة. سالت دماء غزيرة وسقط قتلى من الجانبين.. الغريب أن عددا كبيرا من الكلاب تأثروا من حديث الزرافة ولم يشتركوا في القتال مما جعل الحيوانات الثائرة تنتصر على بقية كلاب الحراسة.. لما أدرك الثعلب أن الهزيمة محققة، زاغ وهرب، فلم يعد له أثر. أما الحمار والخنزير فظلا لغبائهما عاجزين عن التصرف حتى تكاثرت عليهما الحيوانات وقضت عليهما.. هكذا وجدت الحيوانات الثائرة نفسها وجها لوجه أمام الملك الفيل وابنه الفيل الصغير دغفل. اقتربت الزرافة وقالت:

ـ أيها الفيل العجوز . لقد انتهى اليوم حكمك. لا زلت أذكر كيف استبشرت الحيوانات خيرا في بداية عهدك. لكنك قربت إليك أسوأ الحيوانات وأقذرها وها أنت ترى النتيجة بنفسك.. قال الفيل العجوز بصوت متعب:

ـ لقد فعلت دائما ما كنت أعتقد أنه صواب.. فإذا كنت أخطأت سامحوني.. قالت الزرافة:

ـ سنتعامل معك باحترام لأنك كنت يوما ما فيلا طيبا. سنتركك تمضي بسلام مع ابنك الفيل الصغير دغفل. اذهب الآن ولا تعد أبدا الى هذه الغابة. يكفي ما أصابنا من جراء حكمك الفاسد الظالم.

هز الفيل العجوز رأسه ورفع خرطومه ببطء وصعوبة وبان عليه ما يشبه الامتنان. التفتت الزرافة الى الحيوانات وصاحت:

ـ أيتها الحيوانات.. لقد انتهى عهد الظلم الى غير رجعة ارتفعت أصوات الحيوانات الصاخبة تعلن بحماسة عن فرحتها بالحرية. .. الديموقراطية هي الحل. تنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

fb