fb

اسد كلب ابن سطعش كلب

25 أيار (مايو) 2010 , بقلم علي السوداني

وهذا موعد ثان مع عطب مباغت ضرب تلفزيون العائلة فأرداه من منزلته التي تشبه منزلة واحد من أهل الدار . ومضت الشاشة ومضة عريضة ثم تقلصت حتى اسودت عينها وتسخمت متبوعة بوشّة هي آخر حشرجة أنتجها هذا الجهاز العجيب قبل أن يترجل عن عرشه العالي . قلت هي فرصة وقد جاءت من غير حساب فلنستثمرها ونخلص رؤوسنا وأرواحنا من هذا الزخ المنفر . لا مفخخات في الدار ولا هلوسات قيام حكومة شراكة خضراء ولا تبويس لحى ولا فرك يد ولا عض كتف ولا أشهار عن شامبو يسوي الشعر مثل الكلبدون الأفحم ، ولا صدر سلمى حايك الذي يجعلك تنطر موعد تخدير وتهدير الشاي كي تشمر عينك فوقه وأم الجهال غاطسة بمطبخها منشغلة بدندونة عشق تالي الوقت " خدري الشاي خدري ، عيوني المن أخدره " ألأنباء التي ترشها عليك سماعة المذياع أرحم وأقل مهانة من أخياتها الملونات الراقصات الرادحات فوق شاشة التلفاز . ثلاثة أيام ونحن على هذه الحال الآمنة المطمئنة المتأملة الصافية الرائقة اذ لا مسلسل تركياَ يخرب الذائقة ولا فلماَ أمريكياَ يدرسك القتل والتحشيش ولا الشقي نور الشريف يقشمرك ويأكل مخك فتتزوج ثانية وثالثة ورابعة ورزقهن والعيال على عربانة فول وحمص وفلافل وجرجير من النوع الذي يراد له أن ينمو تحت السرير . في ظهرية اليوم الثالث تململ نؤاس وعلي الثاني وقالا كلاماَ موحشاَ عن أيام توم وجيري وميكي ماوس ونقار الخشب حتى كاد قلب الوالد المتدروش ينزف دماَ وعطفاَ . حملت حالي وذهبت الى دكان مصلح في رأس الشارع وعدت به الى البيت . وضع التلفزيون فوق طاولة وقام بفحصه ومعاينته مثل طبيب يشرح جثة . العيون شاخصة نحو المصلّح الغض الذي قال برمي الجهاز في المزبلة بسبب مرجعيته الصينية الرديئة وأن كلفة اعادة الحياة له قد تساوي كلفة شراء تلفاز جديد ، ثم شفط الفتى قهوته ورحل . ذهبت الى دكان آخر وجئت برجل متأبط عدته وقد بدت عليه علامات الحكمة والدراية فقام ببطح التلفاز على قفاه وأوصله بمجرى الكهرباء فشخط الصوت وتوامضت الشاشة فقال الرجل الطيب أن العطب هيّن لكن علينا أولاَ نقله الى الدكان ففعلنا وما هي الا ساعة واحدة حتى عاد الصوت والصورة والروح الى تلفزيوننا المفتقد وعاد الحلوان نؤاس وعلي الثاني الى مقعد كارتون حميم وعدنا نحن ما تبقى من مقطورة العائلة الى شاشتنا المفقودة التي ظهر فيها أسد هصور شنبخ فوق ظهر غزالة صغيرة وعضها من رقبتها فنفرت ثم ثنى عليها من لحم خواصرها فتضعضعت وضعفت وترافست ثم جاء الى لوزتها فسقطت ، فأتى على قلبها وكبدها ولما شبع منها نهشاَ وعتّاَ وعضّا ، لحس جوانب فمه بلسانه الطويل وألقى نظرة شماتة على قطيع غزلان ووعول كانت ترقب المشهد من فوق تلة منقوشة على مبعدة شهقة غزال من أرض الواقعة . ألاسد القوي يعود الى عرينه شبعاناَ والقطيع الجبان يواصل رحلته في غابة الأزل ، أما أنا فلقد أدرت مشوفة التلفاز نحو نشرة أخبار المساء الخاصة ببني آدم وحواء ، والمفارقة هي أن الأسد ما زال ملكاَ متوجاَ على الشاشة ، والضحايا تتجدد ودكة المذبح ملونة وصارخة ، والقطيع المهزوم ما زال يتفرج على ضحية تستغيث فيرتد اليها صوتها وجرحها الأبدي .

fb