نسخة من المقال للطباعة fb

تمظهرات الطائفية السياسية في العراق

30 أيار (مايو) 2010 , بقلم موفق الرفاعي

هناك الكثير مما يبدو غير ذي قيمة وأحيانا باهت إلا انه سرعان ما يصبح مهما حين يتنبه إليه الراصد ويسلط عليه الضوء فيتحول إلى مؤشر مهم لدلالات الواقع وشخوصه الفاعلين فيه. إن الإصرار الذي نشهده اليوم من قبل بعض السياسيين على الساحة العراقية من انغلاق تجاه الآخر ومحاولات تهميشه لو أمعنا فيه النظر جيدا لوجدناه يدل على ذهنية متمركزة حول ذاتها تعد الحوار ربما "رجس من عمل الشيطان" لا بسبب شعور غريزي بالانحياز نحو المذهبية وان كانت لتحرص على أن يبدو الأمر كذلك لجماهيرها ولكن لأسباب ودوافع قاهرة (متأصلة) في الشخصية نتيجة انحرافات سيكولوجية بعيدة. خطورة مثل هذه الشخصية وبخاصة حين تشعر بالقدرة على القمع من خلال امتلاكها القوة والسلطة وما تتيحه لها التباسات الساحة الدولية وارتباطها الوثيق في الساحة المحلية في ظرفها الآني، تكمن في جرها الجميع حتى الأسوياء منهم، ومعهم البلاد إلى خيار (حافة الهاوية) حيث تًجَفُ القلوب ويتصاعد منسوب القلق فتغدو نتيجة لذلك تصرفات الجميع ذات منطلقات غريزية بحتة ويغيب العقل غيابا كليا أو يكاد. فإذا كانت السياسة في مفهومها البسيط هي "فن الممكن"، فان أولى الصفات الواجب توافرها في السياسي قدرته على الحوار مع الآخر والتواصل معه على أساس من قراءة واقعية للظروف الدولية والإقليمية، ناهيك عن المحلية وللعوامل المؤثرة في ذلك ومدى ما يمتلكه من أوراق سواء جاءت نتيجة أدائه الناجح أو نتيجة لظروف موضوعية. إن الإصرار على استعادة السلطة بحجة أن ذلك سيمنح فرصة إثبات المقدرة على تحقيق البرنامج الحكومي الذي تعثر تنفيذه في الأربع سنوات الماضية بسبب الظروف التي في مقدمتها (فقر الخبرة وغياب الحنكة الإدارية والسياسية) تعلقا بظروف مرحلية أثرت في ذلك يزيد من الإحساس بالحاجة إلى القمع الذي يكبر كلما وجد الطريق مسدودا أمام ذلك التطلع أو بالأحرى تلك الأمنية. "لم نتمكن من تحقيق ذلك بالقدر المطلوب وهذا يعني بأننا بحاجة إلى دورة أخرى وولاية ثانية حتى نستكمل عملية بناء مقومات تشييد وتأسيس حكومة لا تقوم على أساس الانتماءات الطائفية والمذهبية وإنما تقوم على أساس المواطنة والمواطن.."(1) لا يمكن لأحد يحترم عقله أن يصدق تبريرا كهذا ناهيك عن انه من الضروري على السياسي احترام عقول الناس وان لا يفترض السذاجة في من يخاطبهم. وأمام هذه العبارة الخطيرة والتي تنبئ عن ذهنية ذرائعية من حقنا أن نتساءل:

- أين إذن هي مؤسسات الدولة التي تقع عليها وحدها مسؤولية التخطيط لسياسات الحكومة والعمل على تنفيذها؟

- ما هي الضمانات أن لا تتكرر ذات الظروف التي تضافرت وعرقلت تنفيذ البرنامج الحكومي أو أخرت تحقيقه في الأربع سنوات المقبلة وبالتالي لا يطالب رئيس الحكومة التمديد لولاية ثالثة ولا يقولن احد أن الدستور لا يسمح بذلك فهو "حَمّال أوجه" (مثله مثل أي نص)، كما هو الحال في بلدان أخرى مشابهة ولن يعدم من يمتلك (الحسنيين) القوة والسلطة من الالتفاف عليه بإيجاد الذرائع فلم يكن العراق في أي عهد مضى بدون دستور سواء كان دائما أو مؤقتا ولكن كان غيابه بسبب الالتفاف عليه أو إيقاف العمل فيه؟

- وأخيرا.. كيف بإمكان رئيس الحكومة أو ائتلافه إن يقنع الناخب العراقي بعد مرور أربع سنوات قادمة أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع دون أن يشعر بالخديعة حيث صوته مجرد ورقة يتم التفاوض على أساسها؟ ليس الساسة وحدهم بل هناك كثرة من الأفراد العاديين نراهم اليوم يستشعرون لذة الانجراف وراء وهم القوة لا باعتبارها أداة لحماية التطور والبناء والأمن إنما بمفهومها - القمعي ألاقتصاصي الانتقامي الثأري- المتخلف. كان على الساسة بدلا من تمسكهم بمواقعهم والإصرار على مواقفهم السعي نحو إشاعة مناخ من الحوار فيما بينهم وتشجيع وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني على نقد المرحلة السابقة بكل شفافية وجرأة من اجل إرساء رؤية موضوعية تعمل على تصحيح أخطاء المرحلة السابقة وتكون أساسا ومنطلقا لمرحلة لاحقة تتلافى فيها الأخطاء كي لا تتكرر الظروف التي أدت إلى فشل انجاز البرنامج الحكومي السابق. إن أهم ما يميز الديمقراطية هو انفتاحها غير المشروط على فضاءات النقد من اجل تصحيح مسارات العملية السياسية لتلافي ليس فقط الإخفاقات والأخطاء بل وحتى الخطط السقيمة التي لا تقود في النهاية إلا إلى الفشل. إن وراءنا تاريخ طويل من الديكتاتوريات متعددة الصور والأشكال وأمثلة كثيرة حاضرة وأيضا تراث عميق من الاستبداد ولهذا فان أحدا من الساسة لن يعدم الارتكاز على تجارب من سبقه بذرائع.. حفظ الأمن وصيانة العملية الديمقراطية، ولا استلهام التراث.. العودة إلى الجذور، إذا سنحت له الفرصة أن يواصل التقدم على طريق إعلاء هرم الديكتاتورية أو (تطويره) بإضافات من عنده كما سبق وان فعلها آخرون سبقوا إلى ذلك. كما أن تنمية الحس المدني المبني على مبدأ المواطنة في تداول السلطة يحتاج إلى إصرار من قبل السياسيين على تجاوز مبدأ المحاصصة الطائفية دينية كانت أم مذهبية أم عرقية لا تكريسها عبر السعي إلى منهجتها كما جرى بعد إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة حيث لم تصمد أيا من القوى الطائفية التي رفعت شعار الوطنية والمواطنة قبيل الانتخابات حيث ارتدت إلى خطابها السابق. وفي رده على سؤال عن إمكانية تولي سني رئاسة الوزراء، رد رئيس رئيس الوزراء رئيس كتلة (ائتلاف دولة القانون): "ربما من الصعوبة حصول ذلك في هذه الدورة، ولكن في مسعانا لتعميم مبدأ المواطنة في تشكيل الحكومة، سيكون قطعاً مقبولاً بل مرجحاً أن يكون رئيس الوزراء سنّياً ورئيس البرلمان شيعياً وهكذا. لكن مخلفات السياسة الطائفية التي مرت بالعراق في الزمن الديكتاتوري وما تلاها بعد سقوط النظام، تقتضي منا دورة أو اثنتين كي نروّض هذا الواقع باتجاه قبول المواطنة، وليس الانتماءات الطائفية والقومية.".(2) لكن لم يوضح لنا ماهية الخطوات التي ينوي اتخاذها من اجل (ترويض) الواقع باتجاه قبول المواطنة..! حتما انه كان يتحدث عن (ترويض) واقع السياسيين وليس الواقع العراقي (الشعب، الأمة)، لان أي مطلع بسيط على الواقع الشعبي العراقي يعرف أن الشعب بجميع طوائفه الدينية والمذهبية والعرقية يوجه سهام نقده يوميا للمحاصصة التي يتشبث فيها الساسة ويرجع إليها التراجع والتخلف والتدهور والانحطاط الذي أصاب كل شيء في العراق منذ الغزو الأمريكي وحتى اليوم، وكان إصراره واضحا جليا حين انتخب قائمة - (تكتل العراقية)- يعلم تماما أنها تسعى لاجتثاث المحاصصة وان كانت لا تمثل غاية طموحاته الوطنية. إن إصرار رئيس كتلة (ائتلاف دولة القانون) على الانقلاب الدستوري بتأويل المادة 76 منه يعني ضمنا الإبقاء على المحاصصة التي يرفضها الشعب واقعا ويرفضها هو شكلا. فالقول بان ائتلاف العراقية يمثل السنة العرب بقدر ما يحمل من دوافع طائفية حاولت الكتل جميعها تجنبها قبل الانتخابات حين رفعت شعارات المواطنة فهو ايضا قول مردود. إذ لو كان كذلك فعلا لحصلت قائمة (التوافق) على أصوات المكون السني ولما حصلت سوى على ستة مقاعد فقط. بقي أن ننبه إلى أن الذي تقدم بالاستفسار للمحكمة الاتحادية العليا لتفسير المادة 76 من الدستور هو مكتب رئيس الوزراء بكتابه المرقم (م.ر.ن/1979) المؤرخ في21/3/2010 وليس رئيس كتلة (ائتلاف دولة القانون)..! فما علاقة مكتب للسلطة التنفيذية في أمور التشريع وتأويلاته!؟

هوامش/ (1) رئيس الوزراء نوري المالكي أثناء استقباله شيوخ ووجهاء السماوة بتاريخ 15-5-2010 (2) المقابلة الصحفية التي أجرتها صحيفة الحياة مع رئيس الوزراء نوري المالكي بتاريخ 26-5-2010

نسخة من المقال للطباعة fb