من يقدر على ثمن الحقيقة؟
8 حزيران (يونيو) 2010 , بقلم علاء الاسوانيكنت في زيارة لأحد أصدقائي عندما دخلت علينا ابنته التلميذة في المرحلة الابتدائية وسألته ببراءة: ـ بابا .. ما هي الإنجازات العظيمة العملاقة للرئيس مبارك؟
رد صديقي ساخرا:
ـ الرئيس مبارك ليست لديه إنجازات عملاقة.
هزت البنت رأسها وخرجت واستأنف صديقي حديثه معي وسرعان ما بان القلق على وجهه فنهض ونادي ابنته وسألها:
ـ لماذا سألتني عن إنجازات الرئيس مبارك؟
قالت الطفلة:
ـ هذا موضوع التعبير الذي أكتبه الآن وسأقدمه غدا في المدرسة.
ـ ماذا كتبت في الموضوع؟
ـ كتبت ما قلته حضرتك. الرئيس مبارك ليست لديه إنجازات عملاقة.
بان الهلع على صديقي وراح يقنع ابنته أنها يجب أن تكتب ما قاله لهم المدرس في الفصل لا رأي أبيها، و لم يتركها حتى تأكد بنفسه أنها كتبت المديح المطلوب في الرئيس مبارك. انصرفت من بيت صديقي وأنا أفكر في أننا نتــعلم الكذب في سن مبكرة.. نتعلم منذ طفولتنا أن الحقيــقة شيء وما يجب أن يقــال شيء آخر. ستكبر هذه البنت وتتزوج وتنـجب أطفالا وسوف تعلمهم، كما تعلمت، أن الحقيقة لا يجب بالضرورة أن تقال. ستعلم أطــفالها أنه ليـس من المفيد دائما أن يقولوا ما يعتقدون بل الأفضل أن يقولوا ما ينجيهم من العــقاب أو يجـلب عليهم المنفعة حتى لو كان مـخالفا للحقيــقة. هذا الشرخ الذي يحدث مــبكرا في وعي المصريين بين الحقيقة والصورة، بين ما يحـدث في السر وما يظهر في العلن، لا يفارقهم بعد ذلك أبدا ... هذا الأســبوع تذكرت حكاية ابنة صديقي ثلاث مرات:
رأيت في التلفزيون تلاميذ صغارا، أولاداً وبنات تم جمعهم ووضعهم أمام الكاميرات ليرقصوا ويغنوا مرددين أناشيد سخيفة مليئة بالنفاق للرئيس مبارك، قام بتأليفها وتلحينها مدرسون، أخذوا على عاتقهم تعليم تلاميذهم النفاق بدلا من تعليمهم الاستقامة والصراحة. بعد ذلك، تابعت ما يسمى بانتخابات مجلس الشورى، ورأيت كيف حشدت وسائل الإعلام الحكومي عشرات المثقفين، من صحافيين وإعلاميين وأساتذة جامعيين، مختلفين في كل شيء الا في قدرتهم الفائقة على الكذب.. ظل هؤلاء يؤكدون أن الانتخابات تمت بمنتهى النزاهة والشرف، بينما هم يعلمون، مثلنا جميعا، أن الانتخابات تم تزويرها بالكامل لصالح الحزب الحاكم، بل ان التزوير هذه المــرة كان شـاملا بعد استبعاد الإشراف القضائي الحقيقي. فقد تم منع الناخبين بالقوة من الإدلاء بأصواتهم وتم تقفيل الصناديق لصالح مرشحي الحكومة. ظللت أراقب وجوه المثقفين الكذابين في التلفزيون ووجدتني أتساءل: كيف يجرؤ رجل يحترم نفسه على هذا الكذب الفاحش؟ ألا يخجل من زوجته وأولاده عندما يرونه وهو يكذب على الملأ؟ لا شك أن هؤلاء المنافقين قد تعلموا مبكرا، مثل ابنة صديقي، أن الحقيقة لا يجب اعلانها دائما وأنه من المفيد والمقبول أن نكذب لنحصل على مكافآت وامتيازات.. في الأسبوع نفسه ارتكبت إسرائيل مجزرة بشعة أضيفت الى سجلها الأسود الحافل بالمذابح عندما هاجم الجنود الإسرائيليون سفينة الحرية في المياه الدولية وأطلقوا النار، فقتلوا وأصابوا العشرات من دعاة السلام العزل الأبرياء الذين جاءوا من دول مختلفة لفك الحصار عن مليون ونصف مليون انسان في غزة. هذا الحصار المشين تشترك فيه الحكومة المصرية بإغلاق معبر رفح، والغرض من ذلك ارضاء اسرائيل حتى يضغط اللوبي الصهيوني على الادارة الأميركية حتى تقبل توريث الحكم في مصر من الرئيس مبارك لنجله جمال... الغريب أن الحكومة المصرية بعد أن أدانت المذبحة باعتبارها استعمالا مسرفا للقوة.
(لاحظ ليونة التعبير) دعت دول العالم الى العمل على فك الحصار عن غزة.. يا لها من أكذوبة كبرى! كيف يدعو النظام المصري الى فك الحصار عن غزة بينما هو طرف أصيل في هذا الحصار؟ بدلا من هذه الدعوة البــلاغية الفــارغة، لمـاذا لا يبدأ النظام المصري بنفسه ويفتح معبر رفح بشكل دائم حتى تتدفق الأغذية والأدوية والمساعدات على اخواننا المحاصرين في غزة؟ ان الأكاذيــب قد انتشرت في حياتنا اليومية لدرجة أن معظم ما نراه يبدو كأنه حقيقــي وهــو كاذب. كبار المســؤولين عندنا يفاخــرون بالإصلاحات الديموقــراطية التي حققوها. أول مبادئ الديموقراطية تداول السلطة، بينما الرئيس مبارك يحكم مصر منذ ثلاثين عاما فأين الإصلاح الديموقراطي؟ في مجلس الشعب تدور مناقشات ساخنة تصل الى حد المشادات العنيفة بين النــواب مما قد يعطي انطباعا بأن في مصر برلمانا حقيقيا والواقع أن كل ما يحدث في البرلمان قد قــرره سلفا الرئيس مبارك الذي تكفي إشارة واحدة منه لكي يغير نواب الحكــومة رأيهم فورا من النقيض النقيض. ان معنى الاستبداد أكبر بكثير من الاستحواذ على السلطة. الاستبداد يعني، في جوهره، اغتصاب حق الناس في الاختيار وكسر إرادتهم وإخضاعهم بالقوة لرغبات شخص واحد.. الأمر الذي يقضي على احترامهم لأنفسهم ويجعلهم أكثر قابلــية للإذلال. الأٍســوأ من ذلــك أن الاستبداد يعطل مبدأ الانتخاب الطبيعي ويقدم الولاء على الكفاءة، فلا تمنح المناصب غالبا لمن هم أهل لها، انما يكافأ بها الأتباع والمريدون على اخلاصهم للحاكم.. الأمر الذي يؤدي بالضرورة الى غياب العدالة، ما يجعل الأسباب لا تؤدي الى النتائج.. فالاجتهاد والذكاء لا يؤديان بالضرورة الى النجاح، والانحراف لا يؤدي بالضرورة الى العقاب. هنا يتحول الكذب من نقيصة الى مهارة تجلب المنافع ويتحول النفاق الى نوع من الكياسة واللياقة، يؤدي بالمنافق الى الحصول على مغانم كان بالتأكيد سيفقدها اذا قال الحقيقة. وهكذا يتلف شيئا فشيئا احساسنا الفطري بالشرف ونقع في ازدواجية بين ما نقوله وما نفعله.
ان الانحراف الأخلاقي الناجم عن الاستبــداد سرعان ما ينــتقل من المؤســسات السياسية الى مجالات الحياة كلها.. ففي مــصر (وفي الدول العربية الواقعة جميعا، للأسف، في براثن الاستبداد) كثيرا ما يعيش الناس انفصالا كاملا بين القول والفعل، بين المظهر والجوهر ، بين الصورة البراقة والحقيقة المؤلمة... يكفي أن تطالع صفحات الحوادث في الصــحف لتــجد معظم المتهمات بالجرائم محجبات، يكفي أن تمشي على ضفاف النيل لتجد عشرات الشبان الذين يختلسون اللمسات والقــبلات مع فتــيات محجبات، بل ان فتيات كثيرات يرتدين مع الحجاب ملابس ضيقة تثير الغرائــز أكثر من ملابس السافرات المحتشمات.. أنا أحترم المحجبات وأحــترم الحــجاب كاختيار شخصي لا يمنع المرأة من التعليم والعمل، لكنني ببساطــة ضد الانفصال بين المظهر والســلوك، كما أنني أعتقد أن ما نفعــله في هــذه الحياة أهم بكثير مما نرتــديه من ملابس. المســؤولون في الدولة المصرية الذين يقمعون المصريين ويزوّرون إرادتهم في الانتخابات ويتســببون في نهــب أموالهم وإفقارهم وتجويعهم. معظم هؤلاء المسؤولين يؤدون الصلاة في أوقاتها ويصومون ويحجون الى بيت الله الحرام ويؤدون العــمرة أكثر من مرة وهم لا يرون أي تناقض بين ورعهم الديني والجرائم التي يرتكبــونها في حــق الناس. ان الازدواجية التي يبدأها الاستــبداد في قمة السلـــطة، سرعـان ما تنتشر مثل السرطان في جسد المجتمع كله لتدمــر خلاياه الأخلاقية وتعلم الناس الكذب والخداع والنفاق. هذا بالضبط ما يحدث الآن في المجــتمع المصري والعربي، لا يعني ذلك بالطبع أن المصــريين والعرب جمــيعا كذابون، بل ان قلة ممتازة من الناس ســوف تظــل قابضة على الجمر، متمــسكة دائمـا بالقـيم الأخـلاقية الصحــيحة، مهما تكن الظــروف غير مؤاتية. الســمكة تفسـد دائما من رأســها كما يقول الصينيون.. ستظل الدعــوة الفــردية لإصلاح الأخلاق قليلة التأثير، ما لم يصاحبها إصلاح سياسي يعيد إلى الناس حقهم الطبيعي الأصيل في اختيار حكامهم ويجعــلهم سواسـية أمام قانون عادل وقاض محايد مستقل لا سلطة عليه إلا من ضميره.. عندئــذ فقط سوف يبرأ المجتمع من الكذب والنفاق وسيقول الناس ما يعتقدونه ويفعلون ما يقولونه.. الديموقراطية هي الحل.
تنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية