تجديد الحزبية في العراق: هل ثمة تخلف عن وعي حجم الكارثة؟
10 حزيران (يونيو) 2010 , بقلم عبدالامير الركابي6/10/2010 " القدس العربي "
من المعتاد في الاوساط اليسارية والعلمانية العراقية بوجه العموم، الحديث عن ’الاصلاح’ او الانتقال بالاحزاب الكبرى وحتى الصغرى منها، من حال الى حال افضل، اي تغيير بنيتها او قيادتها، التي عادة ما تتهم باليمينية او الانحراف، وقد يكون الوضع بالنسبه لليساريين، ومن ينتمون او انتموا يوما الى ’الحزب الشيوعي العراقي’، من اكــــثر القوى ممارسة لهذه الطريقة في مقاربة الاوضاع، او الحلم بالعودة للالتـــــقاء مع حــــركة الواقـــع والتأثير فيه. ومن المصطلحات المتعارف عليها بهذا الخصوص، مسألة اليسار واليمين، او الثوري واللاثوري، او المنحرف. وغير ذلك من النعوت والاوصاف التي يراد بها التفريق بين جماعة واخرى. والملاحظ اوالذي ينبغي الانتباه له بهذا الخصوص، هو البقاء او الدوران في الحلقة المفرغة نفسها، واعتبار الحزب هو المحور والاساس الابدي. وحين نقرأ مثل هذه الآراء ونتفحصها، لابد ان نشير الى واحدة من اخطر العلل التي رافقت نشأة وتطور الاحزاب المعاصرة في العراق. تلك هي خاصية اختصار الوطنية بالحزب، واعتبار الوطني الأصدق وطنية، ان لم يكن الاوحد، هو الاقرب الى الحزب الذي نؤيده او ننتمي اليه .
لقد قامت الاحزاب العراقية المعاصرة، الماركسية منها، والقومية، والليبرالية، على اساس وبناء لمنطلقات تركت المسألة الوطنية جانبا ولم تعالجها، لتقفز الى المسألة الحزبية. ولنقل الان باسف واستعادة تدقيقية، بان بدايات ظهور الحركة الوطنية العراقية المعاصرة، قد تأسست بالاصل على انتكاسة، ففي حين كان المفترض بحزب الوطنية العراقية الاول، ان يظل قائما، ويستمر حيا ومتفاعلا، يحتوي التيارات الثلاث: اليساري الماركسي الشيوعي والقومي العراقي / حزب الاستقلال/ والليبرالي الشعبوي ’جماعة الاهالي’ وغيرها، عجز جعفر ابوالتمن برغم سلوكه القائم على احترام الخيارات، عن ان يحتفظ بتلك التيارات، او يمتلك الاسباب التي تمنعها من الخروج من تحت عباءته / فذهب فهد الى تأسيس الحركة الشيوعية. ومحمد مهدي كبة لتأسيس حزب الاستقلال. وجماعة الاهالي وحزبهم الذي انتهى باسم ’الحزب الوطني الديمقراطي’ متبنيا نظرية الاشتراكية الديمقراطية. وفي حينه كان ذلك الارتحال من ظلال خيمة ابو الوطنية العراقية المعاصرة، يعتبر بمثابة تطور الى الامام، او بلغة ذلك الزمن ’تطور ثوري’. فقد اتهمت الوطنية ماقبل الحزبية بالموسمية، وعدم الاستمرارية والمواضبة، خاصة من قبل الشيوعيين بالذات.
لقد عاد ابو التمن في اخريات أيامه وخاض تجربة قياده تيار الشعبوية ’الاهالي’. وساهم في انقلاب عسكري، هواقرب الى البروفة الاولى لثورة تموز 1958 )انقلاب بكر صدقي عام 1936( فكانت تلك آخر تجاربه التي اعتزل بعدها السياسة. ومنذ ذلك الحين والى اليوم، لم تتسن فرصة، ولاتصدى أي محلل أو باحث لتلك النقطة الفاصلة والانقلابية. كما لم يتردد السؤال، عما اذا كان الانتقال من حزب الوطنية الجامع، الى الحزبية الجزئية، قد دل بالفعل على تطور ما، ام انه كان بمثابة قصور ونكسة في تاريخ العراق وبنيته وتكوينه الحديث؟ وقد ظهرت مجموعة من الكتابات العراقية والاجنبية، تتحدث عن تلك الفترة، وبالذات عن تجربة تيار الشعبوية، وتيار كامل الجادرجي. كما وضع كتاب اكاديمي ليس قليل الاهمية، عن الزعيم الوطني الكبير جعفر ابو التمن ودوره في ثورة العشرين، وفي تأسيس الحزب الوطني العراقي عام 1922. كذلك وضع بعض الباحثين ومنهم حنا بطاطو، كتابا شاملا وبحثا تفصيليا، وهاما عن تاريخ العراق. وقد لفت الانتباه في البحث المذكور، انه ركز بصورة خاصة على الحزبين الاكبر، الشيوعي والبعث. ليتبين انهما قد لعبا دورا فعالا ومحوريا في تاريخ العراق المعاصر. بالاضافة الى العسكريين، وهذه الظاهرة لايوجد مايشبهها في الوطن العربي. فالاحزاب العصرية، لم تلعب مثل هذا الدور في تاريخ اي من البلدان العربية. ولعل هذه الظاهرة بحد ذاتها، هي التي اجتذبت اكثر من غيرها انتباه باحث مثل حنا بطاطو، ليس من ابناء البلاد، ولاهو معني بتسقط خلفيات الظواهر فيها، ولا فرز تلونات ايقاعها.
غير ان حنا بطاطو توفي منذ سنوات، في حين وصل العراق ماوصله، ومانراه اليوم هو كارثة مهولة، ووقوع تحت سطوة الاحتلال، اسوأ وجوهها هو فقدان القوى الوطنية القادرة على الارتفاع لمستوى الكارثة. هذا بينما الحزب الشيوعي الذي اسسه فهد في الثلاثينات، تحول الى جزء من مجموعة القوى التي تحالفت مع الغزاة، وهو يبرر اليوم مافعله بدعوى الديمقراطية التي انتقل لها العراق. الديمقراطية التي يخوض خلالها العراقيون وسط كوارث ووحول الطائفية والعشائرية وشتى المحن التي يصعب وصفها. اما حزب البعث شريكه التاريخي وخصمه اللدود. فهو مطرود اليوم، يقول انه ’يقاوم’ بعد خراب البصرة، وبعد ان اسلم البلاد برعونة للغزاة ليدمروها ويشيعوا الفوضى فيها. وليس هذا كل شيء، ولاهو تمام المشهد الذي نعيشه اليوم. فالعراق يغرق في الكارثة بالفعل، وهو البلد الوحيد من بين البلدان المتحررة، والتي بنت دولها الوطنية في العصر الحديث على مستوى العالم ، الذي اعيد احتلاله، وسحقت دولته، بعد 82 عاما على قيامها، وبعد اكثر من سبعين سنة على دخوله عصبة الامم، ونواله الاستقلال.
ولن نعدد وجوه الحالة المرعبة التي تعيشها البلاد. غير ان الشيء الرهيب، والمصيبة التي لاحل لها، هي تلك التي تتأتى حاليا من ظاهرة قصور النخبة الباقية. او التي تمتلك الحد الادنى من الآهلية، عن ان تفكر بالحالة التي امامها حسب مايفرضه العقل والمنطق. وبناء على الحد الادنى من حكم المعطيات الماثلة والملموسة. فلا توجد حتى اللحظة اية توجهات فكرية، او سياسية، تحاكي الحالة وترتقي لمستوى المحنة. ولم تلح في الافق تماما بدايات تصور ’وطني’ ينطلق من الاقرار بتحكم الكارثة، قبل ان يحيلها الى عناصرها المسببة. والغريب اليوم، لابل المضحك أو المبكي مثلا، ان يقرأ المرء كلاما ليساريين عن ’حزب حميد مجيد’، وعن القيادة الشيوعية التي هي كذا وكذا بنفس لغة الستينات، وكأن زوال هؤلاء او بقاءهم، كان يمكن ان يغير شيئا في مسار الشيوعية ومآلها . كما انه من القاتل والمحبط، ان تسمع عن أشياء بالية كتلك التي يرددها البعثيون عن ’مستقبل العراق’ القادم على ايديهم. لكن الأهم من هذا وذاك، هو غياب الصوت الوطني الذي يبدأ بالتسلسل الطبيعي، وينظر في الكارثة باعتبارها نتيجة، جاءت من سياق، ومن تضاعيف واحكام تاريخ طويل، كان هذان الحزبان بطلاه بلا منازع .
لن نقع في فخ ’الوطنية الجزئية’ نفسه، اي الحزبية كما مورست خلال ثلاثة ارباع القرن واكثر. فالشيوعي او عضو حزب الدعوة، او الديمقراطي، يحملون البعث المسؤولية. والبعث يعتبر نفسه روح الامة الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ومادمنا نقبل هذا المنطق، فنحن سنقبل وقتها منطق الكارثة او المنطق الذي ادى بنا الى الكارثة الحالية. المهم ان نضع امامنا جملة الاهداف التي وعدت الاحزاب المعاصرة بتحقيقها يوم قامت وتأسست في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات. فهدف هذه القوى مجتمعة كان تحقيق عراق متقدم وديمقراطي وعصري. وهذه الاهداف جرى العمل على تحقيقها خلال اكثر من سبعين سنة، والمنجزات التي تحققت عادت واهدرت. والنتيجة مانحن فيه. فلماذا، وما السبب؟ قد يظن البعثيون انهم فقط المطالبون باجراء المراجعة او بتحمل المسؤولية. وقد يظن الشيوعيون بانهم كانوا الافضل، والاحرص على مصالح الشعب والتضحية من اجلها. قد يظن الاسلاميون او حتى الحركة الكردية، بانهم فعلوا الصواب. وقد يحتج القوميون العروبيون والناصريون، بانهم كانو الاقل دموية، والاكثر ابتعاداعن العصبوية. قد يظن كل من هؤلاء مايظنه، ويكون رأيه صحيحا من زاوية ما، غير ان المنطق وحكم التاريخ العادل يقول بان هؤلاء جميعا، وان الحركة الوطنية العراقية المعاصرة برمتها، او بجملتها، ككيان وكظاهره تاريخية، هي التي تتحمل المسؤولية مجتمعة عن وضعنا الراهن، وعن ما وصلنا اليه، وان ذلك هو دليل قصور تكويني، وعجز عن الاضطلاع بمهام تاريخية، ولاعلاقة للامر بمجرد الاخطاء او الهفوات القيادية، الفردية والجماعية.
واذا انتقلنا من التوصيف السياسي او الايديولوجي، واستعملنا لغة علم الاجتماع فاننا سنكون، معنيين برصد حالة بنيوية، فالاحزاب المذكورة، كانت تعبيرا غالبا خلال حقبة من التاريخ، سادت فيها مفاهيمها، وصارت هي التي تطلق التسميات على الاشياء والظواهر. بينما تراجعت الحقيقة. واغفلت طبيعة المحركات الفعلية، ومنها الاسباب التي منحت تلك الاحزاب المكانة التي احتلتها، وهي بالقطع اسباب لاعلاقة لها بالطبقات، ولابالتبلور الطبقي، ولا بالقومية العربية والعروبة، ولا بالليبرالية ومقوماتها، بل على العكس من كل ذلك. وفي عقود من التاريخ، سادت فيها مفاهيم بعينها عالميا، وعلى المستوى العربي، فقد اغفل كليا البحث، او امكانية النظر الى ظاهرة ’ الحركة الوطنية المعاصرة ’ باعتبارها ظاهرة اجتماعية لا ايديولوجية. ان تطور العراق وتشكله الوطني المعاصر، والحديث، قد استوجب المرور بهذه الحقبة، الثرة، والغزيرة، والهامة للغاية في تاريخ العراق، الى لحظة تجرع نهايتها المأساوية.
الا ان تلك الفترة، او الحقبة ’الحزبية’ انتهت، ووصلت اليوم الى الأفول، وبدل ان يحدث ماحدث في العشرينات، فيتمزق حزب جعفر ابو التمن، ويتحول الى احزاب مستقلة بذاتها. تغيرت اليوم محركات الضرورة التاريخية، وحل على العراق طور جديد، اقرب الى مقتضيات الثورة التاريخية الكبرى. فالوطنية، او تعبير الذاتية والهوية التاريخي المطابق لخصائص العراق التاريخية، اصبح قريبا من الحضور واحتلال مكانه في تمثيل العراق والعراقيين كمشروع تاريخي، بينما التعبيرات الحزبية تتراجع. وتفقد قابليتها على الفعل، وربما تذوي وتنكمش، او تذوب او تتحور. الاكيد انها لم تعد قادرة قطعا على الفعل الذي تسنى لها في طور سابق من التاريخ العراقي الحديث.
مر العراق الحديث بثلاثة اطوار، اتسم كل منها بخاصيات، وبتميز وتصد قوى، ولعبها ادوارا اساسية في قيادة العملية الوطنية، كانت على التوالي: 1( طور ماقبل الدولة الحديث ولعبت فيه قوى القبيلة ثم الدين تباعا دورا اساسيا في القيادة والتعبير عن مستوى التشكل الوطني 2( طور مابعد الدولة الحديثة واكتمال شكل الكيان العراقي، وامتازت بطغيان الحزبية المعاصرة المستعارة طغيانا شبه تام 3( الطور الحالي الثالث والذي سيشهد تبلور التصور الوطني التاريخي المطابق وتكامله.
ولعل من المفيد هنا ان نلجأ لشيء من التبسيط، مذكرين بظواهر معاصرة، او حديثة، عرفها العالم العربي وبعض مواضعه. آخذين من تجارب عربية حديثة بعض الاستدلالات. فلقد عرفت الجزيرة العربية في العصر الحديث، ظهور تعبير ’الوهابية’ المتطابق مع خاصيات هذا الموضع، وهو ما يزال شاخصا الى الان. وظهر التعبير عن المصرية، وخصائص ’مصر ووادي النيل’ وتجسد سياسيا بحزب ’الوفد’، قبل ان يتداخل مع مفهوم القومية والاسلام. وسادت في ساحل الشام، مفاهيم القومية العربية كتعبير مقلوب عن فقدان اسباب ومقومات الوطنية الخاصة. هذا في حين تأخرت الوطنية العراقية عن التبلور لاسباب ليس هنا مجال التعرض لها. فسادت قبلها حقبة حزبية، استعار فيها العراق مفاهيم متعددة، قبل ان تصبح كما هي الان، تحت رحمة الشلل والتخبط ، بينما هي تولد في كل سلوك قاصر نابع من بنيتها القديمة، اسباب نمو ونضج الرؤية والمفهوم الوطني الاشمل، هذا المفهوم او الرؤية التي ستفصح عن تكوين العراق وذاتيته التاريخية، مفروض عليه ان يظهر من قلب الكارثة المريعة، وهذا اول ميزاته التي تجعل الاعتقاد به او بتحققه امرا خارجا على المألوف، وقد تكون تلك المفارقة من بين اهم الاسباب التي تجعل من نظرة بقايا ’الحزبيين’، قاصرة عن رؤية حجم الكارثة، مقارنة بطبيعة الوسائل التي تتطلبها وتناسبها. ومثل هذا الوضع الذي نلفت النظر نحوه، هو من دون شك مفهوم آخر للثورة الكبرى، ليس في العراق وله، بل للعالم العربي، وربما العالم.
حتى ذلك الحين، سيظل الحزبيون يجترون الماضي، خارج التاريخ، معتقدين ان من جلب الموت يمكن ان يهب الحياة. وبينما هم يواصلون النفخ في قربة مقطوعة، تنمو اجنة الحياة منذ فترة في امكنة اخرى ووسط حدائق ازمنة وتواريخ لايرونها، ومن العسير جدا ان يستطيعوا الاقتراب منها، او من فكرة ان تلك الوسائل التي يعالجونها ويصرون على تجديدها الان، لم تعد صالحة لشيء وان زمنها ولى.
’ كاتب عراقي