fb

تبرئة «ألف ليلة وليلة»

14 حزيران (يونيو) 2010 , بقلم عباس بيضون

عباس بيضون

تبرئة «ألف ليلة وليلة» بعد الدعوى التي رفعها ضدها محامون حدث مضحك فالدعوى التي رفعها السادة المحامون ليست هذه المرة ضد كتب طه حسين أو صادق جلال العظم، انها ضد أشهر كتاب في التراث العربي. هي أشبه بالمطالبة بإزالة تماثيل الفراعنة والأهرام وأبو الهول بحجة أنها أصنام، هذه أصنام في الواقع فلماذا لا يطالب السادة المحامون بتدميرها. كانت طالبان من هذه الناحية أصرح منهم وأصدق فدمرت تماثيل بوذا ولم تبال بكل هذا الضجيج العالمي. الدعوى ضد ألف ليلة وليلة، التي لا نعرف إذا كان لنسختها الأصلية بعد وجود، عار بكل المعاني، تهريج على الثقافة وعلى مصر وعلى الدين أيضاً. المحكمة التي حكمت بالتبرئة لم تجد في الكتاب هرطقة ولا إباحة. لم تجد لأنها لم تقرأ كما ينبغي أو لأنها استحت من أن تحكم على الكتاب. لكن حكماً لهذا يكمل التهريج، لم يجد القاضي ما يمس الأخلاق في ألف ليلة وليلة، أي نسخة قرأ حضرة القاضي، أي طبعة.

لم يتح لي أن أقرأ طبعة بولاق الشهيرة ولست عليما بالأصل. لكني من النسخة المنقحة والمحورة، وبكلمة أخرى المزورة، فهمت أن «ألف ليلة وليلة»، وهذا ما أدهش العالم، كتاب حر لا يبالي أصلاً بالموانع الأخلاقية. الأخوة يتعلقون جنسياً ببعضهم بعضاً. النساء يدعين الرجال إلى الفراش ويحتجزنهم في قصور مغلقة. النساء يسافدن الدببة والحيوانات طلباً للذة لا يقدر عليها الرجال. وبالطبع لا اعتبار هنا للعائلة والزواج. ألف ليلة وليلة حديقة اللذة، اللذة التي تمارس بدون تأنيب ولا ذنب ولا خجل. تمارس بدون أن تلقى عقاباً أخلاقياً من أي نوع أو تتصل ممارستها بنتائج أخلاقية. انها ممارسة حرة لا تخضع للتحريم. هذا هو كتاب ألف ليلة وليلة فلماذا المكابرة، كيف تسنى للقاضي أن لا يجد فيه ما يمس الأخلاق أو الدين. هذا كتاب ألف ليلة وليلة ومجده، انه كتاب حر للخيال والرغبة، وهو لذلك خارج الدين والأخلاق، فلماذا يريد القاضي، مهما حسنت نيته، ان يراه في هذا النطاق. أما كان أفضل له ولنا وللكتاب وللثقافة أن يقول إن كتاباً كهذا هو من مفاتيح الثقافة الإنسانية، ومن العار، بل من التخلف أن نفكر أن في قدره إنسان بعد أن يمنعه.

نقيم دعوى على ألف ليلة وليلة، وليست فريدة في بابها. كل أدبنا هو تقريباً، بدون أسف دنيوي ولا يهتم كثيراً بالآخرة. في ثقافتنا الموروثة منحى نقدي لا يساير النص الرسمي أو القراءة الرسمية. ماذا نفعل بأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري وابن عربي والنفري وابن رشد. كل هؤلاء خوارج، على نحو أو آخر، على النص الأصلي. كل هؤلاء أحرار وهراطقة ومخلون بمواصفات الدين أو الأخلاق، هل نحرقهم، هل نقيم دعاوى عليهم ونصلبهم وهم في قبورهم. إنه العار.

fb