أخاف أن أنساك!
14 حزيران (يونيو) 2010 , بقلم بلقيس الملحمحك أظفر إبهام قدمه فسقط في يديه, نظر في إصبعه المتورم: هشا متمزقا بلون الباذنجان, حاول أن يعصره ولكنه أخطأ المكان, تسلق جسده الذي انكمش كزبيبة, لقد عصر فؤاده الذي علقه على الجدران الباردة منذ منفاه, وكمن أُعطي فرصته الأخيرة قبل الموت, راح يلهث بين ممرات البيت الفسيح, يتحاشى الاصطدام بنوافذه الكبيرة وبنظرات تماثيله النحاسية حتى تزحلق بدمعته أخيرا, هناك وقف أمام خزانته الشخصية, راح يجمع صور وطنه الراحل! يقبلها بهدوء وبعمق الذاكرة.. كرجل سومري طاعن في السن يقف عند إحدى بوابات الزَّقورات وهو يهش بعصاه على دبيب النمل السائر أمامه ليدلهم على فتات خبزه, ببطء يستل طفله الباقي على قيد الكركرات, يستله من بطينه الأيمن حيث يحلو له الركل بحرية, يمسك بأصابعه الطرية, يلوح له بالنخيل الباسق, بصوت النهر حين يعود متعبا آخر النهار من شباك الصيادين, يُقرِّب بغداد من فمه فيلعقها ثم يمررها قرب أنفه فيتهجَّى موسيقى الكمنجات والمقام, يشمها فيزداد طربا: باوع فدوه, يلله بابا كول ورايه: ب غ د ا د..!! حاول طفله أن يردد خلفه, لعابه بدأ يسيل, دموعه أيضا بدأت تسيل, الأخرى أظافر قدميه صارت تتفتت أمامه.. وهو يذرع مسافة الثلاثين عاما من الغربة, مرتلا أحد قصائد صديقه البصراوي وهو يقول* " أخشى الموت أخشى أن تستمر الحياة بدوني! أخشى أن ينساني أصحابي وأن تتضاعف دموع أمي كلما فتحت جفنيها.." • مقطع القصيدة من رواية المحبوبات للكاتبة عالية ممدوح بلقيس الملحم/ شاعرة وكاتبة من السعودية