هـــل يحمينـــا الإذعـــان مـــن الظلـــم؟
23 حزيران (يونيو) 2010 , بقلم علاء الاسوانييحكى أن فلاحا أجيرا أصاب ثروة طائلة فاشترى قاربا كبيرا (من النوع الذي يسمونه في الريف «ذهبية») ثم ارتدى ثيابا أنيقة غالية الثمن وجلس في الذهبية وهي تنساب على سطح النيل. عندئذ رآه صاحب الأرض التي يعمل فيها، وكان رجلا متغطرسا قاسي القلب، فأمر عماله الذين هجموا على الذهبية وقبضوا على الفلاح وأحضروه أمام صاحب الأرض ودار بينهما الحوار التالي : صاحب الأرض: منذ متى كان الفلاح يركب ذهبية جديدة؟
الفلاح: هذه النعمة من رحمتك وعدلك وإحسانك يا سيدي. وهذا شيء يسركم يا سيدي لأنه من فضلك ومن خيرك.
صاحب الأرض: كيف يجوز للفلاحين أن يتشبهوا بأسيادهم ويركبوا ذهبيات؟ الفلاح: معاذ الله أن أتشبه بأسيادي فمن أكون؟ أنا عبد من عبيدكم وكل ما أكسبه هو في النهاية ملك لكم.
صاحب الأرض: إذا كنت لا تريد أن تتشبه بنا فلماذا اشتريت ذهبية وركبتها في النيل كأنك من أسياد البلد؟ أتريد أن يراك الفلاحون فيعتقدون أنك صاحب شأن ومقام؟ الفلاح: أستغفر الله يا سيدي.. ان كنتم ترون في ما فعلته عيباً فأنا أشهد الله ورسوله ألا أعود أبداً الى ركوب هذه الذهبية. تبت على يديك يا سيدي. أرجوك اقبل توبتي.
صاحب الأرض: توبتك مقبولة لكني سأفعل بك ما يجعلك لا تكرر خطأك بعد ذلك أبدا. ثم أمر صاحب الأرض الخدم، فقيدوا الفلاح وسحلوه على الأرض حتى لطخوا ثيابه الجديدة بالوحل ومزقوها، ثم أخذوا يضربونه حتى سال الدم من ركبتيه ورجليه وظهره، وصاحب الأرض يضحك ويردد: هكذا لن تنسى أبدا مقامك الوضيع يا فلاح.
هذه الواقعة حدثت بالفعل في واحدة من قرى مصر في مطلع القرن العشرين، وقد حكاها الكاتب الكبير أحمد أمين في كتابه الرائع «قاموس العادات والتقاليد المصرية» (الصادر عن دار الشروق). وهي تعكس في رأيي نمطاً شائعاً من العلاقة بين المستبد وضحاياه.. فهذا الفلاح كان يدرك بلا شك أن من حقه أن يركب «الذهبية» لأنه اشتراها من حر ماله، ومن حقه أيضا أن يرتدي ما شاء من ثياب. كان الفلاح يدرك أنه لم يرتكب أي خطأ لكنه رأى من الحكمة أن يعتذر لصاحب الأرض، ويعلن توبته عن ذنب لم يقترفه.
لقد بالغ الفلاح في إذلال نفسه حتى يفلت من الظلم، ولكنه بعد ما أهدر كرامته تماما تلقى نصيبه من الضرب والسحل والمهانة .. وهكذا نرى أن الإذعان لم يمنع عنه الظلم، ولو أنه وقف بشجاعة أمام صاحب الأرض ليدافع عن حقه في أن يعامل كإنسان لكان على الأقل احتفظ بكرامته ولما أصابه من شجاعته أسوأ مما أصابه بإذعانه.
هذا المعنى أتذكره وأنا أتابع ما يحدث في مصر هذه الأيام. فقد نشأت أجيال من المصريين على اعتقاد راسخ بأن الإذعان للظلم هو قمة الحكمة وأن الانحناء والتذلل لصاحب السلطة خير وسيلة لاتقاء شروره .. اعتقد المصريون طويلا أن الاعتراض على نظام الاستبداد ليس إلا حماقة لن تغير الأوضاع الى الأحسن أبدا، كما أنها كفيلة بإضاعة مستقبل كل من يقاوم الظلم واعتقاله وتعذيبه وربما قتله.
اعتقد المصريون أن التعايش مع الحاكم الظالم سينجيهم من شره، واطمئنوا الى أن آلة القمع الجبارة التي يملكها النظام لا تتحرك أبدا إلا لتسحق من يعترض عليها، أما من ينحني ويذعن وينصرف الى أكل عيشه وتربية أولاده فلن يصيبه النظام بضرر أبدا، بل انه سيحميه ويرعاه. لكنهم ينتبهون الآن، ربما لأول مرة خلال عقود، الى حقيقة أن الإذعان والسكوت عن الحق والتذلل للظالمين، كل ذلك لا يمنع الظلم أبدا بل كثيرا ما يضاعفه. ان الشاب خالد محمد سعيد من مدينة الإسكندرية لم يكن له أي نشاط عام، لم يكن عضواً في أية جبهة أو حركة تستهدف تغيير النظام، بل لعله لم يشترك في تظاهرة في حياته. كان خالد شاباً مصرياً مسالماً تماماً، يحلم مثل ملايين المصريين بأن يهرب بأية طريقة من وطنه الظالم الى أي بلد يعيش فيها بحرية وكرامة. كان ينتظر حصوله على جواز سفر أميركي مثل إخوته ليترك مصر الى الأبد. وفي ذلك المساء توجه الى مقهى للانترنت ليقضي بعض الوقت كما يفعل ملايين الناس. لم يرتكب جريمة ولم يخالف القانون، لكنه ما إن دخل الى المقهى حتى انقض عليه اثنان من المخبرين وبدون كلمة واحدة، راحا يضربانه ببشاعة ويخبطان رأسه في حافة المائدة الرخامية بكل ما يملكانه من قوة ثم سحلاه الى خارج المقهى، ودخلا به الى عمارة مجاورة، وظلا يضربانه ويخبطان رأسه في بوابة العمارة الحديدية حتى تحقق لهما ما أرادا. فقد تهشمت جمجمة خالد ومات بين أيديهم. وبغض النظر عن السبب الحقيقي وراء هذه المجزرة البشعة وبغض النظر أيضا عن البيانات المتلاحقة من وزارة الداخلية لتفسير الجريمة، التي تبين أنها كلها غير صحيحة... فإن المغزى الواضح لهذه المجزرة أن الإذعان لم يعد كافيا لحماية المصريين من القمع. لقد ضُرب خالد سعيد بنفس الطريقة التي يُضرب بها الشبان المتظاهرون من أجل الحرية. لا فرق. لم يعد القمع في مصر يفرّق بين المتظاهرين والمعتصمين وبين الجالسين على المقاهي والنائمين في بيوتهم.
إن قتل خالد سعيد بهذه البشاعة وإفلات القتلة من العقاب يدل ببساطة على أن أي ضابط شرطة أو حتى أي مخبر يستطيع أن يقتل من يشاء من المواطنين ولسوف تتحرك أجهزة الاستبداد فورا لتبرئة القاتل بوسائل كثيرة وفعالة في ظل قانون الطوارئ، وعدم استقلال القضاء عن رئاسة الدولة.
إن ملايين المصريين الذين بكوا عندما رأوا صورة خالد سعيد وقد تهشمت جمجمته وتناثرت أسنانه وتمزق وجهه من أثر المذبحة، كانوا يبكون ليس فقط تعاطفا مع الشهيد وأمه المسكينة بل لأنهم تخيلوا أن وجوه أولادهم قد تكون غدا مكان صورة خالد سعيد. ولعل صورة شهادة الخدمة العسكرية لخالد سعيد المنشورة في الصحف بجوار صورة جثته المشوهة تعكس الحقيقة المحزنة: إن مصر صارت تفعل بأبنائها ما لم يفعله الأعداء. إن مصير خالد سعيد قد يحدث لأي مصري بل انه حدث بالفعل لمئات الألوف من المصريين: فالذين غرقوا في عبارات الموت، والذين انهارت على رؤوسهم العمارات بسبب التراخيص الفاسدة ومواد البناء المغشوشة، والذين ماتوا من أمراض أصابتهم من الأغذية الفاسدة التي استوردها الكبار، والمنتحرون يأسا من المستقبل والشبان الجامعيون الذين حاولوا الهروب لينظفوا المراحيض في أوروبا، فسقطت بهم قوارب الموت وغرقوا.. كل هؤلاء كانوا مواطنين مسالمين تماما ولم يدر بأذهانهم قط أن يقاوموا الاستبداد، لكنهم اعتقدوا، تماما مثل الفلاح في الحكاية، أن باستطاعتهم أن يتعايشوا مع الظلم وينحنوا أمام الظالم، ثم ينشئون عالمهم الصغير الآمن لهم وأولادهم، لكنهم جميعا فقدوا حياتهم بسبب النظام الذي خافوا من مواجهته. أي أن ما حدث لهم من جراء الإذعان والخضوع هو بالضبط ما كانوا يخشون وقوعه إذا احتجوا وثاروا... إن حالة الاحتجاجات الشاملة التي تجتاح مصر الآن من أقصاها الى أقصاها، تعود بالأساس الى أن حياة ملايين الفقراء التي كانت صعبة أصبحت مستحيلة، لكن السبب الأهم لهذا الاحتجاج العنيف إدراك المصريين أن السكوت عن الحق لن يحميهم من الظلم.
لقد جرب المصريون طريقة الحل الفردي على مدى ثلاثين عاما.. فكان المصري يهرب من جحيم بلاده الى دول الخليج حيث كثيرا ما يتحمل نوعا جديدا من الإذلال والقهر، ويعود بعد سنوات ببعض المال، يمكنه من الحياة المريحة بعيدا عن السياق العام لمعاناة المصريين. هذه الحلول الفردية لم تعد تجدي وأصبح المصريون محاصرين في بلادهم. وقد أدركوا أخيرا الدرس الذي لم يفهمه الفلاح في الحكاية، أن عواقب الشجاعة ليست أبدا أسوأ من عواقب الخوف، وأن الوسيلة الوحيدة للنجاة من الحاكم الظالم هي مواجهته بكل ما نملك من قوة. الديموقراطية هي الحل...
السفير
[ ينشر مع جريدة «الشروق» المصرية