انتفاضة الكهرباء الشعبية: منعطف وتطور كبير للوطنية العراقية بعد الاحتلال
30 حزيران (يونيو) 2010 , بقلم عبدالامير الركابي6/29/2010
القدس العربي
قبل ايام قليلة تفجر السخط الشعبي. فخرج العراقيون في البصرة، ومن ثم في الناصرية.المدينتين الملتهبتين دائما في النصف الثاني من شهر حزيران(يونيو). وبعد سقوط شهيد وجرحى في المواجهات مع الشرطة في البصرة. اعاد اهالي الناصرية الكرة، وحصلت تصادمات مع شرطة ’ العملية السياسية الامريكية ’، التي تكبدت هذه المرة، خسائر على يد الجموع الغاضبة الممتلئة سخطا وحنقا، جراء الاهمال والتهميش ، والاستهانة، وانعدام الحد الادنى من الشعور بوجود حكومة مسؤولة، او مهتمة باي قدر كان بمواطنيها. بينما يعاني هؤلاء من شتى الوان الحرمان، واولها التيار الكهربائي، المنعدم تماما تقريبا، ليس لسبب سوى الفساد المتزايد والشامل، والذي هو مبدأ وقانون الحكم وادارة الاجهزة الحاكمة، منذ قيام ’العملية السياسية الامريكية ’الحالية على يد الاحتلال، بعد الغزو عام 2003 حين تم سحق الدولة العراقية ومؤسساتها.
ينبغي ربط هذه الهبة الجماهيرية، بمسلسل ملحوظ، بدأ ينمو ويتطور منذ اكثر من سنتين تقريبا. ويمثل انعطافة في مسار مواجهة الظروف الاحتلالية الناشئة، فمنذ عام 2008 بدأ المجتمع العراقي يتحرك ذاتيا، وبمبادرات عفوية منسقة تنسيقا غير منظور، نابع من مقتضيات تعبير عن ’ الذاتية والعفوية ’ والخبرة التاريخية المختزنة ، هذا التحرك اتخذ مواقف تميزت بصورة خاصة بالتركيز، على احياء الوحدة الوطنية كأولوية، وعلى تأكيد جملة من الحقائق والثوابت الوطنية. فحدثت الانعطافة ضد الطائفية بعد السنة السوداء 2006 وماتبعها حتى عام 2008. وعرفنا التعبير الشعبي العفوي الكبير الاول، خلال الشهر الاول من عام 2009، عندما قرر المجتمع، وعبر صناديق الاقتراع، معاقبة الطائفيين، وتوجيه ضربة لهم ولمكانتهم، التي حصلوا عليها بوسائل غــــير شرعية ولا طبيعية. حدث ذلك خلال الانتخابات المحلية. هذا النمط من التصرفات الذاتية، غير الموجهة من القوى المتنفذة، لابل وبالضد منها، لوحـــظ بمناســبة اخرى ملفتة للغاية، فلـــقد خرجــــت في البصرة، والمحافظات الجنوبية، تظاهرات، وشكلت لجان دفاع ذاتي مســــتقلة عن الحكم، ابان احتلال ايــــران لبئر الفــكة. وفي كربلاء والنجف، ارتفعت اصـــــوات مـــئات الالاف مــــن العراقيـــين، وهم يحيون الذكرى الحسينية، ويهاجمون العدوان الايراني.
اليوم تنهض الجماهير نفسها في الجنوب العراقي. غير ان تحركها الحالي يجيء على اثرانتكاسة طارئة، حلت بها وبحركتها العفوية الصاعدة. فلقد تمكنت بعض القوى، ان تحرك انتخابيا، النوازع الطائفية من جديد. وحلت موجة من الاستقطاب الانتخابي الطائفي على المشهد العام خلال الانتخابات الاخيرة المنعقدة في شهر اذار(مارس) المنصرم. ومع ان الحدث المذكور، قد بدا وكأنه انتكاسة، وتراجع، حل على المسار الوطني لصالح الفبركات والدعاية الاقليمية والاحتلالية، ولمصلحة ’العملية السياسية الامريكية’. الا ان هذه العملية عادت واثبتت بانها غير مؤهلة، واعجز من ان تدير تحركا سياسيا ناجحا. وسرعان مادخلت المأزق من جديد. فتأخر وتعسر تشكيل الحكومة، وبدت قوى هذه العملية متصارعة على النفوذ والسلطة، وغير آبهة بمصلحة من انتخبوها ولا مهتمة بمعاناتهم، في حين شاعت بين القوى المتصارعة على السلطة والنفوذ، اساليب تكاد تطيح حتى باسس العملية السياسية نفسها. وتضخم بهذه المناسبة، دور الخارج والاقليم، وصار السياسيون العراقيون، يستقوون كل بجهة ومركز دعم واسناد، وفي ظل هذا الماراُون العقيم، كان الشعب بكل مكوناته، يعاني الامرين، ويصارع الاهمال وانعدام الخدمات، بينما فقد اي ثقة له بالمستقبل، وهو يراقب اداء قادة ’العملية السياسية’ المزري بعد الانتخابات.
وبعد اشهر على الانتخابات العامة، تتفجر الانتفاضة الحالية، وهي تتصاعد وتتسع، وتجتمع النقابات المهنية في الكوفة والنجف، لتقرر موعد وكيفية الانخراط في الانتفاضة. كما ان قوات الحكومة وشرطة العملية السياسية، تنتشر في شوارع السماوة بكثافة، وتطوق للحماية، مراكز الادارة في البصرة، ولدينا معلومات عن اتجاه الانتفاضة للتصاعد والاتساع في الجنوب. ولابد بهذه المناسبة من توجيه تحذير الى اجهزة الحكم، من مغبة استعمال العنف ضد المنتفضين. لقد امتدت الانتفـــــاضة الى الرمـــادي، وهنا تظهر الدلالات التي تحدثنا عنها، حول عودة تبـــــلور واعادة انتاج الوطنية العراقية ذاتيا وعفويا، وتصبح الهبة الشعبية الراهنة، حلقة في السلسلة التي اشرنا اليها، وكررنا التطرق لتجسداتها الواضحة. فالتحرك الحالي، يقع في اطار اعادة احياء الوطنية العراقية العراقية وتجديدها في ظروف الغزو والاحتلال. هذه النقطة الجوهرية مايزال الكثيرون ينكرونها، ويمارسون ازاءها نفس الاساليب والمقاربات الايديولوجية. فيصرون على اعتبا ر التقديرات الايديولوجية هي الواقع، بدل ان يحاولوا استنطاق الحالة، ورؤية التمخضات الحية الصاعدة، وهنا لابد من التنبيه الى مايعتور الانتــــفاضة الحالية، وعموم واقع الحركة الوطنية المتصاعدة، والسائرة الى التبلور داخل العراق اليوم. فهنالك مايمكن تسميته بالانفصال والافتراق، بين القوى السياسية، وبين الحركة الشعبية. وهذا الانفصال خطير وقد يتحول الى تصادم، او الى ممارسات تخريبية، فالذين يجدون انفسهم وقد فقدوا المبادرة، ويرون الواقع العملي، يعطي اشارات لها معنى اخراجهم من التاريخ احيانا. قد يتحولون الى اعداء للحركة الوطنية العراقية الجديدة الصاعدة. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، فان البعض لاسباب غير موضوعية ايضا، يمكن ان يتمسكوا بانماط معينة من العمل الوطني، مثل مسألة المقاومة المسلحة، التي يسقطون عليها تصــــوراتهم واراءهم لاموقف المجتمع والظروف. وهنالك اثر الاعتياد، او الرغـــــبة لدى اشخاص يعيشون خارج العراق، ويريدون ان يحصروا العمل الوطني بهم، وبجهودهم التي يبذلونها في الخارج لدعم المقاومة. والحقيقة ان هؤلاء لايريدون ملاحظة المتغيرات، ولا الانعطافة الحاصلة في الوضع العراقي على الارض، وهم يفضلون طبعا، ان يظل العمل في الخارج متقدا حيث يسكنون، ولايريدون تغيير حياتهم. فيربحون وقتها شرف ’الوطنية الصادقة’ ورغد العيش في الخارج.
لقد وجد المجتمع، بعد ان خاض مقاومة باسلة، حققت الكثير على طريق التحرير، ان الاستمرار بالمقاومة المسلحة وحدها، سيكون على حساب الوحدة الوطنية. ووجد بحسه الصادق، ان امكانية اقامة مقاومة شاملة، لم تكن متاحة، الامر الذي اعطى المحتلين واعوانهم فرصة اغراق المقاومة بالاحتراب الطائفي. ومن المهم ان نذكر هنا بان المجتمع العراقي، يحرص على وحدته الوطنية، ويعتبرها الاساس، قبل الاقدام على منح الشرعية لاية وسيلة من وسائل النضال. ومن هنا فان اعادة اللحمة الوطنية تصبح لازمة وشرطا ربما لعودة المقاومة المسلحة من جديد، وعلى اسس اخرى، وباعتبارها مقاومة وطنية شاملة. ان تجارب المقاومة في العالم كله، ومنها وبمقدمها المقاومة الفلسطينية في منطقتنا، عرفت الفترات والمراحل والمحطات وتعدد الوسائل واساليب النضال. وهي حركات شعوب حية ومتحركة حسب الضرورة الوطنية وشروط الصراع مع المحتل. والذين قادوا ثورة العشرين، اعظم حدث وطني في تاريخ العراق الحديث. تركوا الساحة، ولم يطالبوا بحقوقهم في الحكم او سعوا لاقتسام الغنيمة. وذلك لانهم كانوا يجدون في الوحدة الوطنية، اساس الثورة ومبررها، وهم قد التزموا بالوحدة الوطنية وخدموها بقوة في الحالتين، في حالة الثورة التي كرست العراق الحديث الموحد، وفي حالة الاستنكاف عن الدخول في صراعات حول الحصص. وكل عمل مهما كان، يمكن ان يعرض الوحدة الوطنية للخراب او التجزئة، هو عمل غيرصحيح، ولن يؤدي الى الاهداف المرجوة. فلاتحرر من دون وحدة وطنية راسخة.
تتركز مفردات التحرك الشعبي على: رفض الطائفية والمحاصصة، و’العملية السياسية الامريكية’ ودستورها، وعلى تحرير العراق من المحتل، وهي حساسة بقوة لمسألة التدخلات الاقليمية، كما انها لن تدخل في صراعات الكتل والطوائف والتجمعات اطلاقا، وكل هذا يعني اعادة بناء الذاتية والهوية العراقية، على اسس تأخذ بالاعتبار، كل التجربة التاريخية الحديثة. وتنقل البلاد من الحزبية الى الوطنية. وهنا تتمثل لنا مهمة كبرى فكرية، لابد من ان ينهض بها العقل العراقي على المدى المقبل. وهذه مهمة ضخمة جدا. غير ان مايهم، ومايجب ايلاؤه الاهتمام ونحن نعايش الانتفاضة الحالية، هو مواكبتها بقدر الامكان من قبل الوطنيين، وهوما يستدعي من هؤلاء اليوم، مجهودا خارقا يتطلب منهم العبور، من الايديولوجيا والمفاهيم الحزبية الضيقة، الى التعامل مع الظاهرة الجديدة والاسهام في تسريع تبلورها.
فالانتقاضة الحالية، تعاني من مخاطر غير قليلة، في مقدمتها المحاولات التي تبذلها المليشيات والقوى الطائفية، وغيرها من تلك السائدة والطافية على سطح الواقع الان، للتأثير في مسارات الانتفاضة وحرفها نحو اهداف طائفية، او غيرها من الاهداف البعيدة عن جوهر وطبيعة الانتفاضة. والمؤسف ان يكون دور القوى الحية والوطنية الناضجة ضئيلا، وهي لاتستجيب لحد الان لنداء الانتقال للعمل في الداخل، ومع المحاولات التي تبذل من قبل قوى وطنية على ضعف امكاناتها، للانخراط في الجهد النضالي الايجابي للمجتمع العراقي، الا ان قوى كثيرة يسارية وغيرها ماتزال تغرق في الماضي، وفي المنطق الايديولوجي. وهذا قد يكون اهون الشرور، فالاخطر ان تكون بعض القوى، والاحزاب، والشخصيات التي فقدت مواقعها، او ضاعت المبادرة من يدها، تنظر الان الى الانتفاضة، والى الحركة الشعبية والمبادرات الذاتية العفوية للمجتمع، بعين البغض، وتناصبها العداء، او تفكر بعرقلتها وتخريبها.
وكل هذه التحوطات، التي نتعرض لها، هي من قبيل الاعتراف بوجود حركة جماهيرية صاعدة وهائلة، مع غياب اداتها، او اطارها القيادي. وتلك قضية من اهم قضايا الوطنية العراقية الراهنة. والمتوقع ان تحدث عملية معقدة، وربما طويلة، الى ان يعبر المجتمع عن حاجته للاداة الفكرية والتنظيمية القيادية اللازمة. فاما ان ينتجها من تضاعيف حركته ومن داخلة، وعبر التجارب العملية وماتفرزه، واما ان يتحسس الوطنيون، والمنتمون الى القوى والتيارات والاحزاب الوطنية والقومية، وغيرها، الضرورة، ويستجيبون، او يستجيب البعض منهم لنداء التاريخ، ويقفزون من الحزبية الى الوطنية.فيتحولون الى طليعة جديدة، تحقق مهمة طرد الاحتلال، واعادة توحيد العراق والعراقيين، والذهاب به وبهم، الى المستقبل الذي يستحقونه.
شيء مهم ينبغي ان نذكره في نهاية حديثنا هذا : الانتفاضة الحالية، هي منعطف كبير وتاريخي، وهي كما نعلم علم اليقين، وبالمتابعة المباشرة، ستتصاعد وتتسع.
’ كاتب عراقي