fb

أنـــا يـابـــانـي

2 تموز (يوليو) 2010 , بقلم عباس بيضون

المذيع الذي يعلق على اللعبة يستطرد «انه يوم مر, هل تذكرون فيلم فاتن حمامة الجميل يوم حلو، يوم مر» في لعبة اخرى، المذيع نفسه، ربما، يقرأ شعراً في غليان حماسه مع لحن فظيع يكسر حماسنا. المذيع نفسه ناشد الحق والكرامة والأمة والإسلام والعرب في لعبة الجزائر/ أميركا، لا أسوق هذا من باب التهكم ولكن لأقول، بأي سهولة، تنشأ أساطير الكرة. الكلام الكروي قد يكون تحليلاً نصوصياً كما قد يكون خطبة دينية كما قد يكون هتافاً من أي نوع، لكنك تجد دائماً كلاماً وحين تكون عيناك على اللعب فإن المذيع هو الذي يفعل كل شيء ليلهيك، أكاد اقول يسليك لكن المعنى هو نفسه، عما ترى. تتذكر يوم كانت المباريات تقدم في الراديو يومها كان المذيع يروي كيف تنتقل الكرة من فريق الى فريق ومن لاعب الى لاعب. وصف بارت الملاكمة بأنها لعب «رواقي» إذ ان اللعب بحد ذاته ليس مثيراً، انه متقشف وضمني رهيف ولماح ومحسوب ونظامي الى حد بعيد بخلاف المصارعة الحرة «الكاتش» التي هي تقريباً تمثيلية، أي استعراض دائم. الكرة قريبة من الملاكمة، انها لعبة تقوم على الأرجل مثلها مثل الباليه ومراقبة الأرجل تحتاج الى متابعة وتركيز شديدين، ثم انها لعبة هندسية، بناء من المسافات والفراغات والمتوازيات. ثم أنها لعبة نظامية ومحسوبة تشبه اللعبة تمثيلية، لكنها تمثيلية طقسية، اليد مكفوفة اللمس ممنوع. على اللاعب ان يراوغ وينتزع الكرة برأسه وقدمه فحسب بدون ان يحرك يديه او يضغط بجسده على الزميل. انها حرب لكنها حرب صامتة، حرب بأقل حركة. باقتصاد كبير في الحركة، حرب لكن بكم كبير من الضوابط، حرب قائمة على الاحتراس والتحفظ والاستعمال المقتصد للجسد والحركة، ثم ان من ضوابط اللعبة وصرامتها الأخلاقية انها لا تقبل التسلل مع ان الحرب خدعة كما ترفض العنف الجسدي مع ان الحرب عنف، لن يكون العنف، سوى عنف رمزي او اصطلاحي، عنف قد يتجلى في سرعة اللعب واحتدامه لكنه في الأصل عنف براءة من العنف، او عنف رقص سحري للعنف، هو تقريباً تفريج له وتحرير منه، في النهاية الكرة حرب بدون عنف وضد العنف.

اللعبة رواقية لأنها متشددة، العقاب ميداني انه لا يتأخر. المتعة مضبوطة ولا تحتمل انحرافاً والعقاب والثواب متلازمان متعاقبان. ثمة السعادة في ان يتوازن المرء ويتوازن الجسد والنفس وهناك العقاب الذي لا يحتمل تأخيراً لدى أي خلل، هناك أيضا القاضي «الحكم» الذي هو سيد اللعبة، انها مشهد رمزي للقيامة.

المذيع مع ذلك يثرثر، يثرثر فحسب، انه يصنع أسطورة خطابية من خرق من كل نوع، في الوقت الذي لا يستطيع فيه أفضل لعب وأكثره إثارة ان يتخلص من مزية الصمت. يبدو الكلام وكأنه تصحيف (من صحاقة) اللعبة. تتعالى من فم المذيع كلمات «الكبار» البطولة، أجنحة المجد، العظمة فيما اللعبة تحتاج الى نص مقتصد حساس متباين.

نفهم ان لعبة بلا أهداف هي للسبب نفسه ليست لعبة ناجحة، لكن الموازاة ليست صحيحة دائماً بين قوة اللعب والتهديف، تكافؤ فريقين قويين قد يؤدي الى انسداد في هذه الناحية، ثم ان الهدف قد يكون فلته ليس إلا. يتكلمون عن سيطرة فريق لا تنتهي بأهداف بل لا يندر ان يحصل الفريق المدافع غير المسيطر على هدف، ليس هذا مستبعداً مع ان واحداً من تعريفات اللعب هو انه توفير الفرص لأهداف.

عندما يفشل ڤيا في تسديد ضربة جزاء بعد ان نجح في تسديد هدفين من خارج منطقة الجزاء نفهم ان ما يحصل لا يطابق المراد وان هندسية اللعبة لا تكفي لتأمين سيرها. ثمة تعثر ممكن في كل لحظة، المناورة المحكمة قد تصادف خللاً، فلته بسيطة كافية لأن تحبطها، لا بد بالطبع من قاعدة بدونها لا تنجح التسديدة، فالحظ لا يخترع لكن الحظ قد يكون هناك ليفسد التسديدة الناجحة. ذلك شأن اللاعب لكنه أيضا شأن الحارس، مع ذلك لا يمكن الكلام ببساطة عن حظ فاللعبة ليست مقامرة، انها محسوبة لكن الحساب والهندسة والخطة أمور دونها الأهواء والمزاج. يهاجم فريق جريح مستفز بكرة في مرماه بعد ان تراخى وهو في مأمن او ربما احترس أكثر مما يجب، قد يتم العكس فينكمش وتنكسر شوكته، ثم هناك هيبة الفريق الخصم إذا هبته، إذا دخلت اللعب خائفاً فإنك لن تلعب كما تلعب وأنت خالي البال متأكداً من نفسك. كل هذا إذا حصل ليست له ترجمة واحدة او متوقعة، إذا احسن اللاعبون التوزع والتحكم في المسافات والتحرك بنظام وسرعة محددين فكيف يمكن للمزاج والانفعال ان ينفذا الى اللعب. اللعبة هي تقريباً ممارسة رواقية تقوم على طرد الانفعال والتحكم في الجسد والنفس، لكن هذا أمر يصعب نواله. ثمة جانب مريض في اللعبة يمنعها من ان تحقق مثالها، قد نطلق عليه الحظ او القلق او الخوف. المثال الكروي بعيد عن المتناول وحين يقولون ان ڤيا اخطأ في تسديد ضربة جزاء ولذلك زيدان وبلاتيني ذات يوم، فإن ما نسميه حظاً ليس سوى استحالة المباراة الكاملة.

يبدو التعصب لفريق لأي سبب كان نوعاً من أمراض اللعبة، اللعبة التي هي ضمنا تمثيلية دينية (مجالدة رواقية ومحاكمة قيامية) ليست لتقبل انضواء أعمى بدون حكم، (أنصر فريقك ظالما أم مظلوما). يفعل الجمهور ما يفعله المذيع، إذا كان الكلام الكروي إغراقاً وهذراً لا يتحملهما تقشف اللعبة وحسابيتها فإن في سلوك الجمهور ولاء غير مشروط لا يقوم نصاب اللعبة به، فهي محاكمة، وهي ميزان سوي تتفاضل فيه السيئات والحسنات ولا يرجح فيه احد على احد إلا بعمله. إن فن اللعبة يتطلب من الجمهور ان يتماهى مع الحكم القاضي وان يكون حكماً وقاضياً، لكن الجمهور الذي يحيي الملاعب بأقنعة وأصباغ ورايات وأبواق يستجيب غريزيا للمسرح الذي في اللعبة، لكنه احتفال يطغى تماماً على اللعبة، انه إغراق من نوع آخر ولا اعرف ما هي الصلة التي تنعقد فعلا بين اللاعب والجمهور. لا شك ان الجمهور يحمسه لكنه أيضاً يعاقبه وفي كل الأحوال يفعل الجمهور كما يفعل المال في تضييع اللاعب وتحويله الى صنم متبجح ومريض وبراني بالنسبة الى اللعبة. قد يغير هذا هيكل اللعبة ومعناها وقد يؤدي على الأقل الى تجويفها، لا يهتم الجمهور، على سبيل المثال، بالأخطاء بل يشجع عليها. كل ما يريده هو الهدف وبأي ثمن، الهدف او الموت. ذلك يذكر بمباريات المجالدين الرومانية وأصبع القيصر النازلة الآمرة بالقتل.

احب جمهورنا خروج الفرق الأوروبية، كان ثمة شماتة خصوصاً بخروج ايطاليا وفرنسا. لا اعرف إذا تذكر عندها انه من آسيا، إذ لا يبدو ان للفريق الياباني حظاً لدى جمهورنا، لكن الفريق الياباني في أحيان كثيرة ردّني الى المثال الكروي، لا أخطاء ولا حاجة الى أخطاء هي في ميزان اللعبة تغلب العنف على الفن، مقاساة الجسد وتملكه الى حد تحويله وهو الصغير الحجم الى طاقة وسرعة، الدفاع بكثافة وقوة والهجوم في الوقت نفسه بكثافة وقوة، وحين نجح هوندا بتسديد هدفين بضربة حرة مباشرة كان يمكن القول ان هكذا يشوط اللاعب وان هذه هي الشوطة «الصحيحة». لم تنجح كوريا الجنوبية وخرجت بعد لعب مشرف، كوريا الشمالية كانت أضحوكة المونديال. لكن اليابان تذكر في لعبها، ولو من بعيد، بالمحمول البوذي، تحويل الجسد الى طاقة، اللعب بدون انفعال، الشوطة الصحيحة والفن بدلاً من الأخطاء، أليس هذا هو رهان اللعبة، ألا يصل هذا الى توازن أكبر بين اللعب والتهديف، ألا تعود اللعبة الى كونها محاكمة وتمرينا دينياً. ألا تعود الى كونها تحويلا للجسد الى طاقة والى فن، يمكن للبوذية ان تعيد قراءة اللعبة التي يتهددها المال والعنف. لست خبيراً في اللعب لكني أجد أسباباً قوية لأكون مع الفريق الياباني.

fb