من يعطّل دور الإسلام في آسيا الوسطى؟
2 تموز (يوليو) 2010 , بقلم محمد السمّاكالمستقبل - الجمعة 2 تموز 2010
عندما احتلت روسيا القيصرية آسيا الوسطى لم تكن شعوب المنطقة تعرف الحدود السياسية، ولم تكن تلك الشعوب في الاساس موزعة الى دول، كان يجمعها عاملان أساسيان، العامل الأول هو العامل الديني، ذلك ان كل تلك الشعوب تؤمن بالإسلام وتتمسك بأهدابه، أما العامل الثاني فهو العامل البداوي، فقد كانت في معظمها شعوباً تعيش حياة بداوة بسيطة وتعتمد على الزراعة والرعي والصناعات الصغيرة.
وفي أواخر القرن التاسع عشر كرس الروس استعمارهم للمنطقة من خلال ترسيم حدود سياسية لها.
غير ان تلك الحدود بقيت وهمية وغير ثابتة، ذلك ان مفهوم الحدود كان مخالفاً لطبيعة الحياة المشتركة وبالتالي لم يكن محترماً، وبالتالي لم يكن مقيداً لحركة تنقل الأشخاص وتبادل المنتوجات.
بعد الثورة الشيوعية في عام 1917، قررت روسيا السوفياتية تحويل المنطقة الى دول، وتولى الجنرال جوزف ستالين الإشراف بنفسه على عملية رسم حدود هذه "الدول الجديدة" من دون أي مراعاة للتنويع القبلي أو الإثني، ولم يراعِ ستالين حتى المعالم الجغرافية من جبال وأودية وأنهار لرسم هذه الحدود، ويشهد على ذلك الواقع في وادي فرغانة الغني بالمياه وبالأراضي الزراعية، فقد تقاسمته بقرار عشوائي من ستالين، ثلاث دول تمّ رسم حدود لها هي أوزباكستان وطاجكستان وقرغيزستان.
أعيد النظر في هذه الحدود مرات عديدة، وخاصة في عام 1936، وعندما انهارت الشيوعية وتفتت الاتحاد السوفياتي، استحدثت لأول مرة ربما في عام 1991 الاجراءات البوليسية التي تفرض على الحدود بين الدول،. وكان ذلك وحده كافياً لتفجير الخلافات بينها، ففي داخل دولة واحدة منها مثلاً، قرغيزستان توجد سبع جيوب كبيرة تابعة سيادياً لدول أخرى، خمس جيوب لأوزباكستان واثنان لطاجكستان.
شكل هذا التداخل قنابل موقوتة على النحو الذي انفجر في جنوب قرغيزستان (مدينة أوش ومدينة جلال أباد) الذي يضمّ حوالي المليون من الأوزبك من اصل عدد السكان الذي يبلغ خمسة ملايين ونصف.
لم تقتصر نتائج الرسم العشوائي للحدود السياسية في العهد الستاليني على زرع القنابل الاثنية والقبلية، ولكنها أدّت أيضاً الى زرع قنابل حول الموارد الطبيعية، فالثروة المائية غزيرة جداً في المناطق الجبلية من طاجكستان وقرغيزستان، وفي الوقت الذي تتطلع فيه هاتان الدولتان الى إقامة سلسلة من السدود على مجاري الانهار لتوليد الطاقة الكهربائية، تعترض بشدة كل من أوزبكستان وكازاخستان الغنيتان بالنفط،. ولكن المعدمتان تقريباً من الموارد المائية،. فاعتمادهما يكاد يكون كلياً على الأنهار التي تنبع من جارتيهما،. على نحو ما هو قائم حالياً ايضاً بين تركيا من جهة، وكل من سوريا والعراق من جهة ثانية بالنسبة لنهري دجلة والفرات. يضاف الى هذا الموروث الذي يحمل قوة تفجيرية خطيرة أمران لا يقلان خطورة أيضاً، الأمر الأول هو ان التعدد القبلي والاثني في قرغيزستان كالتعدد الديني والمذهبي في لبنان، أملى نظاماً سياسياً داخلياً يقوم على الديمقراطية، أو على شيء منها، وقد أدت الممارسة الديمقراطية المضطربة الى انفجار حركتين تغييريتين حتى الآن أطاحتا برئيسين سابقين للدولة، الأول هو الرئيس عسكر أكاييف الذي كان موالياً لموسكو وحامل لواء ثقافتها، والذي يعمل الآن استاذاً لمادة الرياضيات في احدى الكليات في موسكو؛ والثاني هو قرمان أكاييف الذي وصل الى السلطة بدعم الولايات المتحدة مقابل التزامه بالمحافظة على مصالحها العسكرية في الدرجة الأولى، وقد دعم الروس الحركة الأخيرة التي أطاحت به، وهو يقيم الآن لاجئاً سياسياً في روسيا البيضاء.
وأدى التعدد ايضاً الى اعتلاء امرأة سدة الرئاسة الأولى هي السيدة روزا أونونيافا، وهي ظاهرة غير موجودة في أي دولة من دول آسيا الوسطى سوى في قرغيزستان. وبالمقابل تمسك بالسلطة في كل من أوزباكستان وكازاخستان قبضة حديدية، تتمثل في الدولة الأولى بالرئيس كاريموف وفي الثانية بالرئيس نوري سلطان نزرباييف، والأمر الأساس الذي أسفرت عنه سياسة القبضة الحديدية هذه هو فرض الاستقرار في الداخل، خلافاً لحالة اللااستقرار التي سادت قرغيزستان والمستمرة فيها حتى الآن.
أما الأمر الثاني الذي يحمل قوة تفجيرية خطيرة، فانه يتمثل في تضارب مصالح ثلاث من الدول الكبرى وفي تصارعها حول السيطرة والنفوذ في آسيا الوسطى، وهذه الدول هي روسيا والولايات المتحدة والصين، فلكل من موسكو وواشنطن قاعدة عسكرية كبيرة في قرغيزستان، وتشكل القاعدة الاميركية رأس جسر للإمدادات العسكرية الى أفغانستان، ولذلك فانها تعتبر ركيزة أساسية في الستراتيجية الاميركية في المنطقة، الا ان وجود هذه القاعدة يقلق روسيا التي تشعر بأن التواجد العسكري الأميركي من جهة الشرق (قاعدة قرغيزستان) ومن الغرب (تمدد حلف شمال الأطلسي في دول أوروبة الشرقية) يمثل تهديداً لها، ويبدو أن الكرملين استطاع أن يقنع الرئيس القرغيزستاني باكاييف بعدم تجديد العقد مع الولايات المتحدة وإقفال القاعدة، الا ان واشنطن أغرت الرئيس باكاييف بزيادة التعويضات المالية المخصصة بدلاً لاستعمال القاعدة، فكانت النتيجة الحركة الانقلابية التي أطاحت به.
وقفت الصين في الوسط بين صراع الكبيرين: الروسي والأميركي، ذلك ان ما يهم بكين في الدرجة الأولى هو ان لا تنتقل عدوى الحركات الاحتجاجية والانقلابية المرتكزة الى الانتماء الاثني الى اقليم سانكيانغ المتاخم لدول آسيا الوسطى والذي يختلف اثنياً ودينياً عن العمق الصيني، وقد شهد هذا الاقليم مؤخراً حركة تمرد اخمدتها القوات الصينية بالقوة، مما أدى الى سقوط المئات من الضحايا.
ويهم الصين كذلك المحافظة على الطريق الآمن لوارداتها من نفط وغاز آسيا الوسطى الذي ينقل اليها عبر الأنابيب، فالتطور الصناعي الصيني الكبير والمتضخم يحتاج الى المزيد من الطاقة، ولتأمين وصول هذه الطاقة لا بد من توفير مظلة من الأمن والاستقرار وهو ما بدأت تفقده المنطقة بصورة مثيرة للقلق.
لا توجد معادلة لتفاهم الثلاثة الكبار، فالولايات المتحدة من جهة أولى باتت أكثر اعتماداً على قاعدتها العسكرية قاعدة ماناس في قرغيزستان - بعد سلسلة العمليات التي قامت بها حركة طالبان في أفغانستان والتي استهدفت طريق الامدادات العسكرية الأميركية، من باكستان الى أفغانستان عبر ممر خيبر.
والاتحاد الروسي من جهة ثانية بات أشد تمسكاً بقاعدته العسكرية التي تمكّنه من التأثير بفعالية في صناعة القرارات السياسية في قرغيزستان وحماية الأقليات الروسية التي بقيت هناك بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق.
أمام هذه العوامل السياسية الخارجية المتصارعة، والعوامل الاثنية المحلية المتخاصمة، التي فجرت الأوضاع في قرغيزستان، تتعرّض كل دول آسيا الوسطى الى مواجهة مصير مقلق ومضطرب، والمعادلة التي بدأت تبرز هناك هي انه عندما تضعف القبضة الحديدية للسلطة، يبرز دور الدين.
فشعوب المنطقة تدين كلها بالاسلام، وباستثناء طاجكستان التي يغلب فيها المذهب الشيعي الاثني عشري، فان المذهب السني هو السائد في بقية هذه الدول، غير ان الاسلام لم يلعب - او لم يسمح له بأن يلعب - دوراً في توحيد هذه الشعوب، وربما يعود ذلك الى استمرار ثقافة الحذر من التدين بل ومن رفضه أيضاً، وهي ثقافة موروثة عن العهد الشيوعي، ثم ان الاضطهاد الذي مارسته السلطة السوفياتية السابقة ضد التدين (الاسلامي والمسيحي معاً) ادى الى قيام حركات دينية سرية، خرجت الى العلن تحت مظلة الاستقلال، خاصة في وادي فرغانة، الا ان هذه الحركات لم تكن حركات اصلاح فكرية متطورة، بقدر ما هي حركات تطرف تشدها العصبية اكثر من الثقافة الدينية، وهذا أمر طبيعي في ضوء ظروف نشأتها. من أجل ذلك تتعرض هذه الحركات الى قمع شديد من الحكومات المحلية، وحتى من القوى الدولية الثلاث الفاعلة والمؤثرة في آسيا الوسطى، واذا كان هناك من عامل مشترك بين هذه القوى الثلاث فهو حذرها من الحركات الاسلامية المحلية وتصدّيها لها، وقد أدى هذا الأمر ليس فقط الى تعطيل دور الاسلام كجامع وموحد لهذا الشعوب، انما أدى ايضاً الى التعامل معه كقوة سلبية على النحو الذي جرى ويجري ايضاً في كل من باكستان وأفغانستان المجاورتين. عندما عمل الرئيس السوفياتي جوزف ستالين على تركيب الحدود السياسية لمنطقة آسيا الوسطى كان هدفه إخضاعها لأرادة الكرملين تسهيلاً لاستخدامها موقعاً متقدماً في الدفاع عن الامبراطورية السوفياتية في مواجهة الامبراطورية البريطانية التي كانت تتمتع بحضور قوي في الهند.
أما الآن فقد تحررت الهند،. الا انها أصبحت ثلاث دول متعادية، والآن ايضاً تحررت آسيا الوسطى الا انها أصبحت خمس دول في كل منها قنبلة موقوتة تشكل خطراً عليها،. وعلى المنطقة كلها.
لقد استخدم الدين أساساً لتقسيم الهند،. فكانت سلسلة الحروب والصراعات التي لم تنتهِ منذ عام 1947 حتى اليوم، والآن يمنع استخدام الدين في آسيا الوسطى أساساً لتفكيك الانقسامات ولمعالجة الصراعات الاثنية والقبلية، الأمر الذي يفتح مستقبل المنطقة على أسوأ وأخطر الاحتمالات، وما حدث في قرغيزستان قد لا يكون سوى المؤشر الأول،. أو الانذار الأول!!