fb

الشاب الذي عاش إلى الأبد

6 تموز (يوليو) 2010 , بقلم علاء الاسواني

بعد أن أغلق خالد باب الشقة ونزل عدة درجات على السلم، توقف فجأة وكأنه تذكر شيئا ثم صعد مرة أخرى وفتح الباب ودخل. كانت أمه جالسة في الصالة تشاهد التلفزيون، سألها خالد ان كانت تحتاج الى شيء يحضره معه عندما يرجع بالليل، ابتسمت وقالت انها لا تحتاج الى شيء والحمد لله. تطلع اليها خالد. اقترب منها وقبل جبينها، فاحتضنته وهي تدعو له بحرارة. فكر وهو يخرج الى الشارع أن الله قد أنعم عليه بأم رائعة وأنه يجب أن يفعل كل ما يستطيع لإسعادها...

عزم خالد على أن يمر على مقهى الانترنت ليقابل بعض أصدقائه ثم يذهب بعد ذلك إلى محطة الرمل ليشتري بعض اللوازم لجهاز «اللاب توب» الخاص به... بدا كل شيء عاديا في الشارع، الزحام والضجيج وأصوات السيارات وصياح الباعة. دفع خالد بيده باب المقهى ودخل لكنه ما أن قطع بضع خطوات حتى أحس بحركة خلفه. التفت فوجد شخصين يتوجهان نحوه وهما ينظران اليه بغضب. توقف ليسألهما ماذا يريدان لكنهما، بلا كلمة واحدة، انقضا عليه. أمسك أحدهما به من القميص وبدأ الآخر يضربه بيديه وقدميه بكل قوته. صاح خالد معترضا لكن الرجل الممسك بقميصه راح يضرب رأسه بقوة في حافة المائدة الرخامية. حاول الزبائن الموجودون في المقهى إنقاذ خالد لكن أحد الرجلين صاح:

ـ احنا بوليس

عندئذ خاف الناس وابتعدوا. تدفق دم خالد بغزارة ولطخ ثيابه وبدأ يسيل على الأرض. استمر الرجل يضرب رأسه في المائدة فأحس خالد بألم رهيب وصرخ:

ـ كفاية.. حرام عليكم

قام الرجلان بسحله على الأرض وهما يكيلان له الضربات، ثم دخلا به باب العمارة المجاورة وراحا يخبطان رأسه في البوابة الحديدية للعمارة بكل قوة. هنا صاح خالد:

ـ كفاية. أنا هأموت

فصاح أحد الرجلين بصوت أجش:

ـ أنت ميت، ميت يابن الكلب

ظل خالد يصرخ لكن الرجلين استمرا في مهمتهما: واحد يضرب بيديه وقدميه والآخر يخبط رأس خالد بكل قوته في البوابة الحديدية. صارت آلام خالد فوق الاحتمال وفجأة حدث شيء غريب. تلاشى الألم تماما. أحس خالد براحة مدهشة كأنما كان ينوء بحمل ثقيل، ثم تخلص منه فجأة فأصبح خفيفا وحرا.

اختفى المشهد من أمام نظره وساد ظلام حالك. لم يعد خالد يرى شيئا، أحس كأنه نائم ثم فجأة بزغ نور قوي ووجد خالد نفسه في مكان كأنه حديقة جميلة. أحس خالد بدهشة بالغة ثم نظر الى جسده، وتحسس وجهه، فلم يجد أي أثر للدماء والجروح. ظهر أمامه رجل عجوز تبدو عليه علامات الطيبة وابتسم وقال:

ـ أهلا وسهلا يا خالد

هز خالد رأسه وهو لا زال مأخوذا. قال العجوز بود:

ـ لقد صعدت الينا هنا لأنك فقدت حياتك من الظلم. من الآن فصاعدا لن يعكر صفوك شيء أو مخلوق...

ـ أشكرك

هكذا قال خالد وهو يلتفت حوله. كانت الحديقة مليئة بأشجار وزهور بديعة لم ير مثلها في حياته. ابتسم العجوز وقال:

ـ ستعيش هنا مع أفضل مخلوقات الله في راحة تامة وبهجة خالصة. بعيدا عن العالم الظالم الذي جئت منه. الناس هنا سعيدون جدا بمجيئك وقد أرسلوا اليك وفدا ليستقبلك. انظر.. نظر خالد خلفه فوجد ثلاثة أشخاص: رجلا في الخمسين من عمره يرتدي الملابس العسكرية وطفلا في العاشرة، وامرأة محجبة في نحو الثلاثين من عمرها.. كان الثلاثة يضحكون، وقد ظهرت عليهم السعادة . قال العجوز:

ــ أقدم اليك الفريق عبد المنعم رياض والطفل الفلسطيني محمد الدرة وهذه الدكتورة مروة الشربيني.

صافحهم خالد بمحبة واحترام وأراد أن يتحدث معهم قليلا لكن العجوز سحبه من يده قائلا: ـ سيكون لديك وقت طويل للكلام معهم. أريد الآن أن أريك المكان الذي ستعيش فيه إلى الأبد...

ـ انه مكان رائع لم أر مثله من قبل.

ـ هل تريد شيئا يا خالد..؟ كل طلباتك مجابة.

ـ أريد أن أطمئن على أمي.

ابتسم العجوز و أخرج من جيبه بلورة براقة ومستديرة تماما، في حجم البرتقالة وناولها الى خالد وقال:

ـــ إذا أردت أن ترى أي شخص من العالم الذي جئت منه، يكفي أن تفكر فيه وسوف تراه بوضوح في البلورة ..

أمسك خالد بالبلورة وفكر في المخبرين اللذين ضرباه حتى الموت فظهرا فورا على سطح البلورة.. كانا يجلسان في مكان يشبه غرفة المباحث في القسم، وأمامهما طعام يأكلان منه بشهية ويتبادلان الحديث والضحكات مع العسكري الواقف بجوارهما.. ثم فكر خالد في ضابط الشرطة الذي أعطى الأمر للمخبرين بقتله فظهر فورا. يبدو أنه كان في يوم الراحة، لأنه كان يرتدي «تريننج سوت» في غاية الأناقة وقد تمدد على أريكة وراح يتابع مباراة كرة القدم في التلفزيون. ثم فكر في الصحفي الذي اتهمه ظلما بادمان المخدرات فظهر على البلورة في وضع مخجل جعل خالد يصرف نظره بسرعة ثم قال للعجوز:

ـ لا أفهم كيف يستطيع الذين ظلموني أن يستمتعوا بحياتهم؟

ابتسم العجوز وقال:

ـ كل هذا باطل. لن يهنأ الظالمون بحياتهم أبدا.. لقد كتب الله عليهم معيشة الضنك حتى تحين ساعة الحساب.

فكر خالد في أمه فظهرت وقد جلست على فراشه في حجرته. راحت تقرأ القرآن وتبكي. أحس خالد بالحزن من أجلها فقال للعجوز:

ـ من فضلك. هل يمكن أن تخبر أمي أنني بخير.؟! .

ـ لا أستطيع.

ـ قلت لي ان طلباتي مجابة

ـ الا الاتصال بالعالم الذي جئت منه. ممنوع. عموما اطمئن يا خالد. أمك سيدة صالحة ومؤمنة وسوف تصعد الينا يوما. عندئذ ستسعد بصحبتها الى الأبد.

ساد الصمت بينهما لكن العجوز بدا عليه الغضب فجأة وقال:

ـ.. ماذا يحدث في مصر يا خالد ؟. أنا حزين من أجل المصريين.

ـ لماذا؟

ـ في الماضي، كان معظم المصريين الذين يصعدون الينا من العسكريين.. جنود وضباط قتلهم أعداء مصر وهم يدافعون عنها. الآن ومنذ سنوات يصعد الينا كل يوم مصريون قتلهم مصريون مثلهم...

هز خالد رأسه وقال بأسف:

ـ حياة المصري لم تعد تساوي شيئا...

قال العجوز:

ـ تصور يا خالد اننا أنشأنا قسما خاصا للمصريين. ان عدد الذين يصعدون إلينا من مصر أكثر من الذين يصعدون من أي بلد آخر. تعال معي

تبعه خالد وسط الأشجار والورد حتى وصلا الى ساحة كبرى احتشد فيها آلاف الناس ملامحهم جميعا مصرية. وكانوا يبتسمون في بهجة. أشار اليهم العجوز وقال:

ـ هؤلاء جميعا مصريون قتلهم ظلما مصريون مثلهم.. هنا ستجد الذين ماتوا غرقا في عبارات الموت، والذين احترقوا في القطارات، والذين أصابهم السرطان من الأغذية الفاسدة والذين ماتوا من الاهمال في مستشفيات الحكومة، بالاضافة طبعا الى الذين ماتوا من الضرب والتعذيب مثلك.

ـ شيء مؤسف

ـ أنا لا أتخيل كيف يتحمل انسان ذنب هؤلاء جميعا أمام الله.

ـ وهل المسؤول عن موت هؤلاء جميعا.. شخص واحد.

ـ طبعا.. انظر..

نظر خالد الى البلورة فرأى وجها مألوفا لديه. سأله العجوز:

ـ هل عرفت الشخص الذي أقصده

ـ نعم

ـ هذا الرجل لديه فرصة أخيرة

ـ فرصة أخيرة؟

ـ لقد أمد الله في عمره ليمنحه فرصة أخيرة حتى يقيم العدل ويرفع الظلم. أتمنى أن ينتبه ويسعى الى الاصلاح والا فإن موقفه سيكون صعبا للغاية.

ـ فعلا.. عندما يصعد الى هنا كيف سيقابل كل هؤلاء الضحايا وماذا سيقول لهم؟ ـ إذا استمر الظلم فإن هذا الرجل لن يصعد الى هنا أبدا.. سوف يذهب الى الضفة الأخرى

ـ وماذا يوجد في الضفة الأخرى؟!

نظر العجوز الى خالد ولاذ بالصمت.

الديموقراطية هي الحل....

fb