البحث عن "القمة الثقافية العربية"
15 تموز (يوليو) 2010 , بقلم السيد يسينالبحث عن "القمة الثقافية العربية" : مقترحات ما قبل الانعقاد وما بعده
منذ أن نبعت فكرة ضرورة عقد قمة ثقافية عربية في سياق مؤتمر عقدته "مؤسسة الفكر العربي" في بيروت والبحث جار عن الموضوعات ومحاور البحث وأنماط القرارات التي يمكن أن تصدر عن هذه القمة حين تنعقد.
والواقع أن هيئات شتى اهتمت اهتماماً واضحاً بهذه الفكرة الإيجابية. وفي مقدمة هذه الهيئات جامعة الدول العربية التي بادر أمينها العام عمرو موسى بدعوة مجموعة مختارة من المثقفين العرب للاجتماع في مقر الجامعة في ندوة فكرية هامة لمناقشة فكرة القمة الثقافية. وحضر هذه الندوة الأمير خالد بن سعود رئيس مؤسسة الفكر العربي الذي نشأت الفكرة في سياق إحدى مؤتمراتها.
وقد دعيت لهذه الندوة الفكرية الهامة وبادرت بطلب الكلمة عقب انتهاء عمرو موسى من تقديمه لأنني أمتلك إطاراً نظرياً متكاملاً لدراسة الظواهر الثقافية العربية منذ أن أشرفت في سياق المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في الثمانينات على مشروع علمي كبير لدراسة السياسة الثقافية صدر عنه أبحاث عدة بالغة الأهمية. وقد حرصت في كلمتي أن أرسم ملامح المشهد الثقافي العربي الراهن وركزت بشكل نقدي على مختلف الظواهر الثقافية العربية السلبية.
وكانت كلمتي التي افتتحت النقاش مبعث تعليقات شتى بعد ذلك من أعضاء الندوة. وبعد أن تبلورت فكرة القمة الثقافية عقد اتحاد الكتاب العرب برئاسة الأستاذ محمد سلماوي اجتماعاً هاماً في مقر اتحاد الكتاب المصريين في محكى القلعة بالقاهرة حضرته مجموعة من الأدباء والمثقفين العرب وشاركت فيه باقتراح محاور محددة لتكون محل أبحاث تقدم للقمة الثقافية العربية.
وقد يكون من العلاقات الإيجابية أن النخب السياسية والفكرية أدركت – من واقع عديد من الممارسات السياسية والاجتماعية السلبية وأبرزها شيوع الفكر الديني المتطرف الذي أدى إلى الإرهاب، أن هناك أزمة ثقافية عربية من الضروري مواجهتها بجسارة. ومن هنا برزت فكرة القمة الثقافية العربية ثم الترحيب بها في رئاسة القمة العربية.
وإذا أردنا أن نشير إلى أبرز ملامح الأزمة الثقافية العربية لقلنا بدون تردد أنه غياب العقل النقدي العربي! وقد سبقتنا أوروبا منذ قرون في صياغة هذا العقل منذ أن رفعت شعار الحداثة وأهمها أن العقل، وليس النص الديني، هو محك الحكم على الأشياء! ومنذ أن أعلنت الثقافة الأوروبية ثورتها المعرفية ضد قيود التفكير، وأرست مبادئ الشك الفلسفي الذي من تقاليده مساءلة كل الأفكار المسبقة وحتى المعتقدات الميتافيزيقية تم إرساء قواعد التفكير النقدي. وتبدو أهمية العقل النقدي على وجه الخصوص في سياق ثورة المعلومات التي أدت إلى تدفقها في كل المجالات المعرفية، مما يستدعي ضرورة وجود عقل نقدي قادر على تصنيف وتحليل هذه المعلومات، وهو الوسيلة الوحيدة لتحويل المعلومات إلى معرفة، لأن المعلومات بذاتها ليست معرفية!
ولو تأملنا المشهد المعرفي العربي الراهن لاكتشفنا أننا لم نستطع كعرب أن نجتاز عتبات الحداثة بتجلياتها المختلفة، وقنعنا بتجارب شتى من التحديث تفاوتت بين النجاح الجزئي والفشل التام لأنها لم توجهها نظرية متكاملة للتنمية المستديمة تركز على العوامل الثقافية في المقام الأول.
وأيا كان الأمر، فقد دعتني مؤسسة الفكر العربي لمؤتمر هام تعقده في بيروت لمناقشة جدول أعمال القمة الثقافية العربية يومي 13- 14 تموز 2010 ولم أستطع حضوره للأسف نظراً لوعكة مرضية طارئة ألمت بي.
غير أنني حرصت على أن أدون مقترحاتي بشأن جدول أعمال القمة الثقافية المقترحة وأرسلته إلى الدكتور سليمان عبد المنعم الأمين العام للمؤسسة ليكون تحت بصر أعضاء المؤتمر وهم يناقشون مختلف الموضوعات التي ستعرض على القمة.
وقد اقترحت ستة محاور لتكون أساساً لجدول أعمال القمة الثقافية العربية واضعاً في الاعتبار أن الرؤساء والملوك لن ينعقدوا في شكل ندوة فكرية للتناقش حول أمور الثقافة العربية، ولكن هو اجتماع رئاسي الغرض منه إصدار قرارات تتعلق بتطوير الوضع الثقافي العربي.
والمحور الأول تدور أبحاثه حول العرب والعالم. وفي هذا المحور ستعرض مشكلات النظرة المزدوجة للذات وللآخر، بمعنى التساؤل عن كيف ينظر العرب للعالم وكيف ينظر العالم للعرب؟ ولابد هناك من تحليل للقوالب النمطية الثابتة للبحث عن أسباب النظرة السلبية للغرب التي تتبناها وتروج لها بعض الجماعات السياسية والدينية العربية وأسباب النظرة السلبية للإسلام والمسلمين التي تتبناها جماعات سياسية متعددة في الغرب.
وفي هذا الصدد يقترح أن تتبنى القمة الثقافية العربية "إعلان أبوظبي" الذي أعدته منظمة الثقافة والتربية والعلوم، والذي صدر عن اجتماع لخبراء عرب كنت واحداً منهم وهو يتضمن سياسة عربية مقترحة لحوار الثقافات تقوم على أساس منهج محدد وفلسفة صريحة مفادها أنه ليس هناك – كما يقرر اليونسكو – ثقافة أسمى من ثقافة، وأن الحوار ينبغي أن يصدر عن مبدأ الندية المعرفية، لأن المعرفة الإنسانية ليست حكراً على ثقافة دون أخرى.
والمحور الثاني يدور حول العرب والعولمة. وفي هذا المجال لا بد من تحليل نقدي للإدراكات العربية المختلفة للعولمة والتأكيد على ضرورة التفاعل الإيجابي الخلاق مع العولمة، واستخدام أدواتها لتوسيع نطاق التنمية العربية الشاملة. وأهم هذه الأدوات قاطبة ترسيخ قواعد مجتمع المعلومات في العالم العربي، والإعداد المنهجي لتأسيس مجتمع المعرفة العربي، بما يتضمنه ذلك من إحداث ثورة في نظام التعليم وتحويله من تعليم تلقيني إلى تعليم مؤسسي على صياغة العقل النقدي، وتشجيع البحث العلمي، وتنمية الإبداع في صفوف الشباب العربي وفقاً لخطة تعليمية تركز على الأبعاد النفسية والاجتماعية.
وفي هذا المحور لا بد من اتخاذ موقف حضاري منفتح إزاء الثقافة الكونية Global البازغة، والتأكيد على أنها لا تتعارض بالضرورة مع الخصوصية الثقافية العربية. أما المحور الثالث فيتعلق بتحديات الفضاء المعلوماتي Cyber Space . ولا بد أن تعي النخب السياسية العربية أهمية نشوء فضاء عام جديد هو الفضاء المعلوماتي والذي هو أبرز علامات الثورة الاتصالية الكبرى. وفي هذا الفضاء تتم تفاعلات شتى اقتصادية ومالية وتجارية وسياسية واجتماعية وثقافية.
ونشأت أدوات اتصال جديدة بين البشر أهمها البريد الإلكتروني وغرف النقاش والمدونات السياسية التي أصبحت أداة للنقد الاجتماعي والسياسي يمارسها الشباب العربي هروباً من القيود المتعددة التي يفرضها المجتمع العربي على حرية التفكير وحرية التعبير. وظهر "الفايس بوك" و"التويتر" وغيرها من أدوات الاتصال الحديثة.
والمطلوب من القادة العرب التسامح مع استخدام الشباب العربي لوسائل الاتصال الجديدة وعدم وضع قيود على المدونين العرب الذين أصبحوا اليوم يعدون بالآلاف، حتى يتاح لهم أن يعبروا عن الأجيال الجديدة العاجزة عن التعبير في ظل القيود الراهنة.
ونصل في المحور الرابع إلى أكثر المشكلات حساسية وهي أزمة الديموقراطية في العالم العربي. ومما لا شك فيه أن المشهد العربي حافل بسيادة السلطوية السياسية والتي تعكس علاقات بالغة التعقيد بين المجتمع العربي والدولة، وغياب ثقافة الاختلاف والحوار، وغلبة القبائلية والطائفية والعصبيات على حساب قيم المواطنة.
وللأمانة والتاريخ شرع عديد من الأنظمة السياسية العربية في تطوير ممارساته الديموقراطية ولكن ببطء شديد وبإيقاع لا يتناسب لا مع روح العصر، ولا مطالب الجماهير العربية. كيف يمكن تسريع الانفتاح الديموقراطي؟ وكيف يمكن تدعيم المجتمع المدني العربي؟ كلها أسئلة مطروحة على القمة الثقافية العربية.
والمحور الخامس يتعلق بالتغيير الثقافي، ويناقش سياسة ثقافية مقترحة لمواجهة رؤى العالم المعلقة والمتشددة التي تتبناها جماعات إسلامية متطرفة. ومن هنا تبدو أهمية إنتاج خطاب ديني مستنير يعبر عن الوسطية الإسلامية. وهناك حاجة إلى تخفيف القيود عن حرية التفكير وحرية التعبير.
ولا يبقى سوى المحور السادس وعنوانه: كيف يمكن التعريف بالإبداع العربي المعاصر خارج الوطن العربي وخصوصاً في مجال الفكر السياسي والاجتماعي وفي ميدان الإبداع الأدبي والفني؟
تلك هي مقترحاتنا بصدد جدول أعمال القمة الثقافية العربية نعرضها للنقاش العام.
(•) عقدت امس وامس الاول في فندق رويال في ضبيه – لبنان.
(باحث مصري)