fb

دفتر الوطنية المعاصرة :تساؤلات في ذكرى ثورة تموز1958...هل مازال الشيوعي والبعث .الخ احزابا وطنية ؟ /(1 )

15 تموز (يوليو) 2010

أكثر من نصف قرن انقضت على انطلاق ثورة تموز 1958 ، وماتزال التقييمات التي قتلت الثورة ، وسارت بالبلاد والشعب الى الكارثة ، تتكرر مفصحة عن علة تاريخية ، وعن قصور مقيم ، رافق نشوء تلك القوى ، التي كانت هي المتصدية للثورة وهيأت لها . الشيوعيون يرون في ماقاموا به وقتها من ممارسات ، هي الاصوب . والبعثيون يعتقدون ان الشعوبية واعداء الامة ووحدتها ، هم من انحرفوا بالثورة . والاطرف ان هؤلاء الاخيرون ، يتحدثون ببراءة الملائكة عن التفرد والدكتاتورية . ثمة طرف ثالث ربما كان غائبا ، وهو الطرف القريب من مفاهيم الليبرالية بترجمتها العراقية ، اي تيار "الاهالي" وامتداده "الحزب الوطني الديمقراطي" . ولاداعي طبعا لان نذهب الى حيث نسمع اصوات اولئك الذين يرون في الثورة " جريمة " ارتكبتها القوى المتطرفة والغوغائية ، وهؤلاء ويالمكر التاريخ ، اصبحوا في الصدارة اليوم ، يبنون سلطاتهم على الكارثة ، ويتغذون من الغزو والاحتلال والخراب ، عبدالكريم قاسم وتياره هو ايضا غائب ، ليس له من يمثله .ولو كان له من ممثلين ، لقالوا هم ايضا ماقالوه ، ولتذكروا مناقب " الزعيم " التي هي حقيقة وموضع اشادة واستحسان الجميع ، ولوضعوا على عائق المتعجلين والمتطرفين وغيرهم من / الحاقدين / ، اللوم على التسبب في ضياع الثورة والعراق .

حدثت في الفترة ذاتها في المنطقة والعالم ثورات ، فلقد كانت فترة مابعد الحرب العالمية الثانية ، فترة او سنوات النهوض التحرري في العالم ، وهي الفترة التي ستشهد منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، نهاية الاستعمار القديم ، وظهور الدول الوطنية المتحررة . ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم ، عرفت التجارب التحرية المذكور تعرجات وتعثرات ، أو حققت نجاحات . غير ان مايلفت النظر في كل تلك التجارب مجتمعة ، مقارنة بالحالة العراقية . ان هذه الاخيرة قد امتازت بمسار كارثي غير عادي ، واتسم تاريخها بقدر هائل من الدينامية والجذرية والعنف ، الى ان انتهت اخيرا بالكارثة الكبرى المعاشة ، يوم قررت الولايات المتحدة غزو العراق وسحق دولته ، وتركه عرضة لتحكم تكوينات وقوى ماقبل الدولة ، التي انبعثت طوائف وقبائل واعراق وملل .

جاءت الثورة في آخر الخمسينات من القرن الماضي ، من فعل وقيادة قوى ظهرت على أثر تشكيل " الدولة الحديثة " عام 1921بعد الثورة الوطنية الكبرى ، عندما اضطر الانكليز المحتلون لاقامة حكومة من اهل البلاد . وركبوها لتاخذ من دعوى " التمدن والاصلاح " شعارا لها ، حاربت به القوى التي ظلت الى ذلك الحين تشكل هي القيادة الفعلية للوطنية في العراق ، وفجاة تحول قانون الدولة والالتزام بشروطها ، سيفا مسلطا على القوى الدينية والقبلية الحرة . فتراجع دور هذه القوى بسرعة فائقة وقد حوصرت ، بينما كانت التطورات في العالم تسير نحو نشوء نوع من الاستقطاب الذي سيحكم التوازنات ، ويعين سقف النظام الدولي الجديد . وفي وقت اشتدت الحاجة الشعبية لمواجهة النظام الجديد المدعوم من الانكليز ، فان الافكار الجذرية النامية ، والآخذة بالانتشار عالميا ، كانت تجد لها المبررات القوية للتوطن السريع في العراق باعتبارها ضرورة عملية ملحة ، يستوجبها من جهة الفراغ السياسي القيادي ، ومن جهة الزخم الجماهيري الشعبي . الامر الذي اعطى للمحاولات التي قام بعا بعض المثقفين في حينه ، على طريق اقامة قوى واحزاب عصرية ماركسية وشعبوية وقومية ، دفعا غير عادي ، جعلها تتجسد باسرع مايمكن ، قبل ان تتحول خلال اقل من عقدين الى قوى مؤثرة وفعالة ، تمكنت لاحقا من ان تتحول الى وسائل قائدة للحركة الوطنية العامة .

وفي مجرى تاريخ متلاحق الاحداث ، عوملت تلك القوى وعاملت هي نفسها كبداهة ، وكمعطى نهائي ، ولم يسبق ان جرى البحث في المبررات الفعلية التي اوجدتها ، او التحورات التي رافقت نشاتها ، فكأن العراق قد دخل فعلا وفجاة العصر الحديث ، وصار بلدا تتصارع فيه الطبقات ، ويسوده الحافز الديمقراطي او سواه من قضايا العصر الحديث . في حين اغفلت او طمست كليا ، الاشارة في اي وقت الى الحقيقة التاريخية الخاصة ، او الى الخصائص الوطنية وثوابت العراق ، ومكونات ذاتيته التاريخية ، واذا كانت ماتزال حاضرة وحية وباية درجة او حدود . وفي الوقت الذي كانت الادوات والافكار السطحية ، والنظريات المبسطة المستعارة ، تصبح حقيقة ، وتزدهر بيد من يتبنونها باسرع واوسع مدى ممكن ، فان مثل تلك التساؤلات ، لم تطرح ، واصبحت ثمرات الواقع العملي المتاحة بوفرة ، كافية للتدليل على تطابق الافكار المستعارة مع الواقع الحي .

مرت قبل ذلك على العراق والعمل الوطني فيه ، فترة عقد ونصف العقد ، ظهرت خلاله اشارات هامة ، توحي بقيام تعبير عن الوطنية العراقية الشاملة ، جسدها الحزب الوطني العراقي بقيادة جعفر ابو التمن ، الذي ضم في صفوفه ممثلي الحركة القومية بفرعها العراقي ، والماركسية ، والليبرالية الشعبوية ، قبل ان تتفرق هذه التيارات وتتحول الى كيانات مستقلة بذاتها . وهنا كانت الوطنية قدعرفت لحظة قصورها الاول الخطير فالحزب الوطني العراقي ، كان يجسد التعبير المناسب والموافق للايحاء التاريخي ، الذي فجره في حينه ، انطلاق ومغزى الثورة الكبرى الوطنية الحديثة في حزيران 1920 ، على مستوى وحدة العراقيين وكيانهم . وهو في الوقت نفسه ، التعبير الدال والمهم ، عن عدم نضج اسباب تلك الوحدة ، فالعراق كان مايزال ينتظر مسارا طويلا ، قبل ان تعلن ولادته من جديد ، اي منذ ان تهاوى بنيانه الحضاري في القرن الثالث عشر مع الغزو المغولي ، فكان لابد له ان يسير في دروب القرن الماضي برمته ، قبل ان يعود ليواجه مهمة تبلور وطنية المعاصرة .

هذا المسار الاجباري الجديد ، كان اصحاب الافكار المستعارة من الحزبيين والاقتصاديين والباحثين الاجتماعيين ، قد استعجلوا نفيه . فتصورا العراق وقد اكتملت بنيته الوطنية ، وذاتيته التاريخية ، وتعبيره عن نفسه مع ثورة العشرين وقيام الدولة " الحديثة " . فقرروا ذلك ، بناء على عوامل خارجية اختصروها في " التغلغل الراسمالي " ، والالتحاق بالسوق الراسمالية العالمية ، وانتقال البلاد من الانتاج للكفاف الى الانتاج للتصدير ، الامر الذي زاد في تبريربداهة وشرعية الاحزاب التي نشات في حينه ، ومنع الوعي السائد وقتها ، من ان يرى في سيادة " الحزبية " وتقدمها على " الوطنية " او اختصارها لها ، دليل نقص على الاطلاق ،.لابل اعتبر ذلك من قبيل التقدم الاستثنائي ، والتميز غير العادي ، مقارنه بحالة وتجارب قريبه او بعيدة ، يفترض انها مشابهة ، عرفتها بلدان اخرى منها بالطبع بلدان عربية .

هل الاحزاب العصرية وافكارها ، اي مااصطلح على اعتباره الحركة الوطنية العراقية المعاصرة التي ظهرت بعد العشرينات ، في ظل ، وبالضد من " الدولة الحديثة " بصيغتها الاستعمارية الاولى 1921/1958 ، هي المعبر الحقيقي والنهائي عن الوطنية العراقية ، ام انها تعبير مؤقت وانتقالي . ثم هل القوى والاحزاب والافكار المذكورة ، ماتزال تمثل محور الفعالية الوطنية العراقية ؟ من الافتراضات التي يجب اخذها بالحسبان هنا ، مسالة قيام تلك الاحزاب على انقاض ارهاصات وطنية منتكسة ، فالحزب الوطني الذي نشا في بداية العشرينات من القرن الماضي ، وماآل اليه ينبغي ان ينظر اليه اليوم ، على انه انتكاسة للوطنية ، ادت الى سيادة وسائل مستعارة هربا من الفراغ ، فتم في اللحظة مدار البحث ، اللجوء اليها كتحصيل حاصل ، والتعامل معها على انها التعبير " الممكن " والواقعي عالميا ضمن حالة ، لم يكن بالامكان عندها حضور المفهوم الوطني العراقي .

ويبدو ان مسار التاريخ العراقي المعاصر ، مفروض عليه ان يعرف الانتقال من " الحزبية " الى " الوطنية " ، بعد ان يمر اجباريا بحقبة من سيادة الادوات الحزبية . بينما يتسنى لهذه ان تخوض تجربة طويلة امتدت على مدى مايقارب القرن ، وانتهت بانهيارتلك التجربة ، وبعجزها عن تلبية شروط ومتطلبات الوطنية العراقية ، وصولا الى التصادم معها . وكل هذا يتجسد اليوم في واقع الكارثة الذي وصله العراق ، وفي انهيار نموذج " الدولة الحديثة " ، ومعه نظام الحزبية الذي يجسده سواء الحزب الشيوعي العراقي او البعث العربي الاشتراكي ، هذان الحزبان اللذان يجسدان جماع الفعالية الوطنية ، واستوعبا المحور الرئيسي من العملية الوطنية المعاصرة على مدى عقود من الزمن ، ومثلا ذروة الاسقطاب الذي تميز به الواقع الوطني العراقي خلال القرن الماضي .

" البديل العراقي " 15/7/2010

fb