في مديح العدالة
20 تموز (يوليو) 2010 , بقلم علاء الاسوانيهذه مقارنة تستحق التأمل:
الضباط الذين يتورطون في تعذيب المعتقلين يعيشون في خوف دائم، يستعمل بعضهم أسماء مستعارة ويتنقل بعضهم بين أكثر من مسكن وفي كل الأحوال يحيطون أنفسهم بحراسة مكثفة، لأنهم يدركون أنه في أية لحظة قد يبرز أحد ضحاياهم لينتقم لشرفه وكرامته.. بالمقابل، فإن القاضي في محكمة الجنايات كثيرا ما يحكم بإعدام أحد المتهمين، ثم ينصرف بعد ذلك الى بيته آمنا بغير حراسة. بل إن أهل المتهم المحكوم بالإعدام يستقبلون الحكم بالصراخ والعويل لكن فجيعتهم في قريبهم الذي سيموت، لا تتحول أبدا الى غضب على القاضي الذي حكم بموته... السؤال هنا: لماذا يخاف الضابط الذي مارس التعذيب من انتقام الضحايا، بينما القاضي الذي حكم بالإعدام لا يتطرق الى ذهنه أبدا أن أهل المتهم سينتقمون منه؟ الإجابة أن العدل الذي يحققه القاضي هو الذي يوفر له الحماية أفضل من فرقة كاملة من الحراس. لا يقتصر تأثير العدل على القضاة والمتقاضين بل يمتد الى الناس جميعا.. الإحساس بالعدالة هو الذي يطلق طاقات الإنسان ويحثه على الاجتهاد ويجعله يحلم بالمستقبل وهو واثق من تحقيق هدفه. العدل معناه وجود مجموعة من القيم الإنسانية المتفق عليها تنعكس كلها في قانون يتساوى أمامه الناس جميعا... هذا المفهوم لم يعد موجودا في مصر. لا قاعدة واحدة في مصر تسري فعلا على الجميع، بدءا من مخالفات المرور وحتى قروض البنوك وبيع أراضي الدولة وشركاتها وأملاكها. من أنت ومن أبوك وما حجم ثروتك وما قوة علاقتك بالنظام الحاكم، كلها عوامل حاسمة في تحديد القاعدة التي ستحاسب على أساسها. كل شيء في مصر أصبح وفقا للظروف، وكل حالة لها قواعدها الخاصة. الأسباب لم تعد بالضرورة تؤدي الى النتائج.
الاجتهاد لا يؤدي بالضرورة الى النجاح، والخطأ لا يؤدي بالضرورة الى العقاب. ملايين الفقراء يدفعون ضرائب عن مرتباتهم الهزيلة بينما أبناء الأكابر يصنعون الثروات الضخمة، ولا يجرؤ أحد حتى على سؤالهم من أين لكم هذا الثراء؟ الأجهزة الرقابية في مصر إذا ضبطت موظفا صغيرا منحرفا تسارع بتقديمه للمحاكمة. أما اذا كان المنحرف وزيرا فإن الأجهزة الرقابية تكتفي بأن تقدم تقريرا بانحرافه الى رئيس الدولة الذي يفعل عندئذ ما يشاء، إذا أراد حاسبه وإذا أراد وضع تقرير انحرافه في الدرج. إذا أساء ضابط شرطة معاملة ابن أحد الكبراء يُحاسب فورا، أما وقائع تعذيب الفقراء حتى الموت في أقسام الشرطة، فإن النظام لا يتوقف كثيرا عندها ويعتبرها بعض التجاوزات.. السائح الغربي أثناء زيارته الى مصر اذا تعرض الى خدش، تحتشد أجهزة الدولة جميعا للقبض على المجرم الذي خدشه، أما أن يعذب رجال الشرطة شابا بريئا مثل خالد سعيد في الاسكندرية حتى يتهشم رأسه ويموت، فإن أجهزة الدولة، على العكس، تتكاتف لحماية القتلة وتشويه سمعة الشهيد.. الذين عاشوا في مصر خلال الستينيات لا شك يذكرون ظاهرة فريدة من نوعها: مئات من الطلاب في الثانوية والجامعة كانوا يستذكرون دروسهم في الشارع تحت المصابيح العامة.. كان هؤلاء فقراء الى درجة لا تسمح لهم بالاستذكار في بيوتهم، لكنهم كانوا يجتهدون وهم واثقون من أن تحقيقهم النجاح مسألة وقت لأن تقدمهم في الحياة مرهون باجتهادهم.. هذه الفرص المتكافئة في التعليم والترقي انتهت تماما. أبناء الأغنياء يلتحقون بالشهادات الأجنبية التي توفر لهم فرص الالتحاق بأفضل الجامعات، وهم أنفسهم الذين سوف يحظون بأفضل الوظائف عن طريق الوساطة، أما ملايين الطلبة الفقراء فليس أمامهم إلا شهادة الثانوية العامة التي تتعمد الدولة وضع امتحاناتها بطريقة صعبة للغاية، بغرض تعجيز الفقراء عن الالتحاق بالجامعات. اذا مرض المصري وكان غنيا فهو يحظى بأفضل رعاية طبية داخل بلاده أو خارجها، أما ملايين المرضى الفقراء فإن الإهمال يقتلهم في مستشفيات الحكومة، فلا يستوقف ذلك أحدا من المسؤولين.. أينما وليت وجهك في مصر فستجد ظلماً فاحشاً، ستجد من يأخذ شيئا لا يستحقه وآخرين محرومين من أبسط حقوقهم. أينما نظرت فستجد محسوبية ووساطة واستثناءات. الاستثناء صار هو القاعدة.. في كليات الطب اعتاد كثير من الأساتذة تمييز أبنائهم عن بقية الطلاب حتى صاروا يعتبرون تعيينهم كمعيدين (بغض النظر عن مستواهم العلمي) حقا أصيلا لهم. عندما ثار الجدل حول قواعد تعيين متخرّجي كليات الحقوق في النيابة العامة، صرح أحد المسؤولين قائلا: «ان متخرّج الحقوق الحاصل على تقدير مقبول إذا كان قادما من بيئة قضائية فهو يساوي في الصلاحية الحاصلين على تقدير جيد جيدا من خارج البيئة القضائية»..
هذا التصريح الغريب، الفريد من نوعه في تاريخ القضاء، يشير بوضوح الى أن أبناء السادة المستشارين لهم أولوية في التعيين، حتى لو كان تحصيلهم العلمي أضعف من سواهم. لم يفكر قائل هذا التصريح في أن البيئة القضائية يفترض أن تدفع صاحبها الى التفوق لا الى الفشل، ولم يفكر في أن هذا المنطق العجيب يقضي على مبدأ تكافؤ الفرص من أساسه، ويؤسس للظلم، فيما ستكون وظيفتهم تحقيق العدل والأخطر أنه يقضي على روح الاجتهاد فلماذا يتعب طالب الحقوق نفسه في التحصيل اذا كان يعلم أن زميله القادم من بيئة قضائية ستكون له الأولوية في التعيين. المعركة الدائرة الآن بين المحامين والقضاة في مصر لها دلالة مهمة.. فقد بدأ الأمر بمشادة بين رئيس نيابة طنطا وأحد المحامين، فما كان من السيد رئيس النيابة إلا أن استدعى الحرس واشترك بنفسه معهم في الاعتداء بالضرب على المحامي. تجمهر المحامون اعتراضا على ضرب زميلهم واعتدى المحامي المضروب على رئيس النيابة. المدهش أن كل الإجراءات التي اتخذت بعد ذلك تجاهلت تماما أصل الواقعة، وهي اعتداء رئيس النيابة وحرسه على المحامي، أُحيل المحامي مع زميل له الى محاكمة كانت النيابة خلالها هي الخصم والحكم..
واختصت المحكمة نفسها بسرعة ناجزة لا تتوافر عادة لسائر المتقاضين في مصر. فصدر الحكم خلال أيام بحبس المحامين لمدة خمسة أعوام. الذين يدافعون عن هذه المحاكمة يؤكدون أنها كانت ضرورية لحفظ هيبة القضاء. الحقيقة أن هيبة القضاء لا تتحقق إلا بالعدل. كما أن هيبة القضاء المصري تأثرت بشدة قبل ذلك أكثر من مرة فلم يغضب لها الغاضبون الآن. عندما يكون القضاة تابعين ماليا واداريا بالكامل لوزير العدل المعين من قبل رئيس الجمهورية في مرتبات القضاة وحوافزهم، ألا يعد ذلك انتقاصا من استقلال القضاء وهيبته..؟! عندما خاض آلاف القضاة العظام معركتهم النبيلة من أجل تحقيق استقلال القضاء، قام ضابط شرطة بضرب سيادة المستشار محمود حمزة وسحله على الأرض أمام نادي القضاة على مرأى من الناس جميعا، أين كانت هيبة القضاء آنذاك؟ وعندما رفض القضاة الشرفاء التغاضي عن تزوير الانتخابات أثناء إشرافهم عليها، تعرض كثيرون منهم لاعتداءات من ضباط الشرطة. أين كان الغاضبون لهيبة القضاء آنذاك، ولماذا لم تجر محاكمات سريعة للضباط المعتدين على القضاة أسوة بما حدث مع المحامين.. ؟ كل هذه مجرد أمثلة على أن القواعد في مصر مطاطة تتسع وتضيق وفقا للظروف والأحوال.. إن غياب العدالة هو السبب الأصلي لتدهور كل شيء في مصر .. ليس المصريون شعبا مترفا مدللا، بل إنهم خلال تاريخهم الطويل أثبتوا دائما قدرة فائقة على تحمل الصعاب والأزمات. لم تهزم مصر قط في تاريخها إلا وأعقبت هزيمتها بانتصار. عندما نشبت حرب 1973 كنت تلميذا في المرحلة الثانوية، وذهبت مع زملائي نجمع التبرعات من أجل المجهود الحربي. لن أنسى ما حييت كيف كان الناس يتدافعون لإعطائنا المال، ولا كيف خلعت نساء كثيرات حليهن الذهبية وأعطيننا إياها عن طيب خاطر.. مشكلة مصر ليست في الفقر ولا قلة الموارد ولا كثرة السكان. مشكلتها تتلخص في كلمتين: غياب العدالة.
إن الظلم أصبح ببساطة أكثر من طاقتنا على الاحتمال. لن يستعيد المصريون إحساسهم بالانتماء وطاقتهم على العمل، إلا اذا استعادوا إحساسهم بالعدالة، ولا يمكن العدالة أن تتحقق في ظل الاستبداد...
الديموقراطية هي الحل.
ينشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية