fb

غزة ليست "حماس" والقدس ليست "فتح"!

15 كانون الأول (ديسمبر) 2009 , بقلم اياد مسعود

المستقبل - الثلاثاء 15 كانون الأول 2009 - العدد 3512 - رأي و فكر - صفحة 22

لم يعد الانقسام الفلسطيني يقف عند حدود بعينها، بل امتدت مفاعيله لتطال معظم جوانب الحياة السياسية الفلسطينية بل جميعها بلا استثناء. وقد طالت مفاعيل هذا الانقسام حتى المواقف من عدد من القضايا المصيرية، والتي بدأت تبنى لدى هذا الطرف أو ذاك على خلفية "انقسامية"، وليس على خلفية وطنية عامة.

في هذا المجال تندرج قضيتان، باتت المواقف من كل منهما محكومة بالموقف من طرفي الانقسام، السلطة الفلسطينية من جهة وحركة حماس من جهة أخرى.

القضية الأولى هي قضية الحصار على قطاع غزة. ويلاحظ في هذا السياق أن حركة حماس والأطراف السياسية المتحالفة معها أو القربية منها، وأن التيارات السياسية في المنطقة العربية وخارجها، والتي تعتبر نفسها إلى جانب حماس لأسباب أيديولوجية أو تكتيكية، تتبنى قضية الحصار على قطاع غزة باعتبارها القضية الفلسطينية الأولى في أجندة الأولويات الوطنية، وأنه لأجلها يجب أن تكرس كل الجهود وفي خدمتها تصب كل الفعاليات. وبذلك يصبح موضوع الحصار الإسرائيلي على القطاع هو الموضوع المثار إعلامياً، والذي لأجله تجند كل الطاقات، وتبتدع الأنشطة والفعاليات على اختلاف أنواعها. وهي، بالضرورة أنشطة وفعاليات ومواقف تستحق التقدير والثناء، وتستحق أن يبذل لأجلها مثل هذه الطاقات. فالحصار الإسرائيلي على القطاع أمر مدان وجريمة أخلاقية وضد الإنسانية يرتكبها العدو الإسرائيلي في ظل صمت غربي لا يستحق إلا الإدانة. ولا يبرر مثل هذا الحصار أن القطاع يخضع لسلطة حركة حماس وهيمنتها.

فالقطاع هو أولاً وأخراً جزء من الأرض الفلسطينية، التي يفترض أن يكون الدفاع عنها واجب الأطراف الفلسطينية كلها دون استثناء، وأن يكون الدفاع عن سكانه مهمة وطنية من الطراز الأول. لذلك يخطئ من الفلسطينيين من ينظر إلى القطاع على أنه مسألة "حمساوية" وليس مسألة فلسطينية، كما يخطئ من الفلسطينيين من يحاول أن يصور قضية القطاع وكأنها قضية "حمساوية" وليست قضية فلسطينية. فالطرفان، أياً كانت نواياهما، يلحقان الضرر بقضية القطاع ويوفران الذرائع للاحتلال ليواصل حصاره على القطاع وسكانه، وشن هجماته العدوانية ضدهم، ويبدو أن الآليات العفوية للانقسام، وتداعياته المتلاحقة، أفقدت الطرفين القدرة على النظر إلى الأمور من زاوية صحيحة، وصارت زاوية النظر الوحيدة، في كثير من الأحيان، هي الزاوية الانقسامية. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأوضاع الفلسطينية في انحدارها السياسي، وابتعادها عن الهموم الوطنية العامة، واستغراقها في الإحتراب الانقسامي بأشكاله المختلفة.

القضية الثانية هي قضية القدس وما تتعرض له يومياً من عمليات تهويد لا تتوقف، من بينها هدم البيوت الفلسطينية على رؤوس ساكنيها بذريعة افتقارها لرخص البناء، أو سلبها من أصحابها وطردهم منها بذريعة أن أصحابها الحقيقيين يهود، أو مصادرة الأراضي لبناء تجمعات استيطانية يهودية في قلب الأحياء الفلسطينية في المدينة القديمة، أو سحب الهويات الزرقاء من المقدسيين لتغليب الوجود اليهودي فيها على الوجود الفلسطيني، أو إغلاق المؤسسات الفلسطينية لإفقاد الفلسطينيين مؤسساتهم وعناصر قوتهم وصمودهم، أو استكمال تطويق القدس بالمستوطنات لاستكمال فصلها نهائياً عن الضفة، أو الحفر تحت المقدسات الإسلامية والمسيحية، لتهديمها باعتبارها رموزاً تؤكد هوية المدينة المقدسة وشخصيتها القومية. الملاحظ في هذا السياق أن الأطراف الأكثر اهتماماً بقضية القدس ـ دون أن يعني ذلك أنه اهتمام بالمستوى المطلوب ـ هي السلطة الفلسطينية والأطراف المتحالفة معها والقريبة منها. وإذا كان يسجل على الجهات المحسوبة على السلطة الفلسطينية تدني اهتمامها بقطاع غزة وبفك الحصار عنه، فإنه يسجل في الوقت نفسه على الجهات المحسوبة على حماس تدني اهتمامها بقضية القدس وبوقف تهويدها ومحو ملامحها الفلسطينية والعربية.

ويمكن، في هذا السياق، أن نقدم أكثر من مثال يؤكد صحة تحليلنا هذا. من هذه الأمثلة موقف السلطة الفلسطينية من تقرير غولدستون، حين قبلت بتأجيل مناقشته في مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وكيف كان رد حماس صاخباً، وكأن الخطيئة التي ارتكبتها السلطة هي نهاية الكون، ونهاية التاريخ.

فسر الموقف آنذاك، أن السلطة ترى في أي كسب سياسي لصالح غزة هو كسب لصالح حماس لذلك أثرت تأجيل نقاش الموضوع. وإن حماس تعتبر "معركة" غزة هي المعركة الوطنية الوحيدة التي تستحق أن يبذل لأجلها الجهد اللازم.

ومن هذه الأمثلة أيضاً الموقف من البيان الأوروبي حول الشرق الأوسط. فقد رحبت السلطة الفلسطينية بالبيان باعتباره خطوة إلى الأمام، فيه من الإيجابيات السياسية ما يمكن البناء عليه وطنياً، كاعتبار القدس الشرقية أرضاً محتلة، وكرفض الاستيطان، وتشييد الجدار، والمطالبة بتفكيك المستوطنات المشادة ما بعد آذار (مارس) 2001، والتأكيد على حل الصراع بمفاوضات تعود إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة. بالمقابل رفضت حماس البيان الأوروبي جملة وتفصيلاً، وتجاهلت ما فيه من نقاط إيجابية. وبالتالي بدا انتصار الاتحاد الأوروبي للقدس وكأنه انتصار أوروبي لصالح السلطة الفلسطينية ودعم لها وحدها، وليس انتصاراً لعموم القضية الوطنية الفلسطينية. علماً أن حماس (على سبيل المثال) نظرت إلى تقرير غولدستون نظرة مغايرة، إذ رحبت به ورحبت بما فيه من إيجابيات، وتجاهلت ما فيه من سلبيات بما في ذلك اتهام التقرير لحماس بارتكابها ما أسماه التقرير جرائم حرب حين استهدفت بصواريخها المدنيين في سديروت وغيرها من الأماكن السكنية في إسرائيل. لسنا مطالبين لأن تكرر، في الختام أن قضية الحصار على غزة ليست قضية حمساوية بل هي قضية فلسطينية أولاً وأخراً، وأن قضية خلاص القدس من الاحتلال والاستيطان ليست قضية تخص السلطة وحدها أو فتح وحدها بل تخص كل الشعب الفلسطيني وقواه السياسية المختلفة ( فضلاً عن كونها تخص العرب والمسلمين والمسيحيين).

لكن الأمر الواجب التأكيد عليه أن تفاقم الانقسام وصل إلى مرحلة شديدة البؤس بدأت تمزق المشروع الوطني كما مزقت الشعب وقواه السياسية.

fb