استغلال خصوصيات الوضع العراقي
27 تموز (يوليو) 2010 , بقلم د.نسرين مراد2010-07-27
معروف أن كل مجتمع تقليدي أو عصري في العالم، يتمتع بخصوصيات ينفرد أو يتميز بها عن عموم المجتمعات الأخرى. هنالك ميزات تاريخية وحضارية واجتماعية، قد تشكل عوامل عزل أو تنافر، أو تفاعل إيجابي أو سلبي. جميعاً هذه تُعرف بالميزات الديمغرافية التي تجمع بين شؤون المجتمع والموقع، أو البعد الجغرافي الذي يتربع عليه ذلك التجمع البشري منذ وقت قصير أو طويل.
حديثاً عرف عامة العالم أن هنالك تبايناً واضحاً بين مختلف فئات الشعب العراقي. هنالك فسيفساء ديمغرافية متنوعة الألوان، عرقياً ودينياً ومذهبياً، مكللة بغطاء سياسي متنوع. من الممكن أن تشكل هذه الفسيفساء علامة تفاؤل وتوافق ونجاح وازدهار، إذا ما أُحسن التعامل معها، خاصة من قبل القيادات السياسية المتحكمة.
ومن الممكن أن يكون هذا التنوع عاملاً سلبياً، ومدعاة لتدخل فئات داخلية وخارجية بشكل سلبي. ذلك ما يفسد الأجواء ويجعلها على الدوام متوترة وسهلة الاستغلال.
الاختلافات الفكرية واللونية والشكلية والعقائدية، ظواهر يمكن تخطّيها بالمنطق العصري، وبسهولة مميزة. في الوطن الواحد لا توجد هنالك أي فروق جوهرية، بين عناصر مختلف الأديان والعقائد والأعراق والمذاهب والفئات.
إنها العوامل التاريخية والبيئية والجغرافية والسياسية، المفروضة بشكل أو بآخر على الجميع. يصبح الجميع كتلة واحدة تتميز بنواح متباينة شكلياً. بعبارة أخرى؛ من الممكن أن يتم انتقال داخلي محلي، عبر المذاهب والأديان والطوائف وحتى الأعراق. في ذلك يشكل الجميع جسماً ديناميكياً (متحركاً)، شديد المرونة والليونة، وليس ستاتيكياً (ثابتاً جامداً)، قابلاً للتشنج متميزاً بالهشاشة والضعف.
استغل السياسيون، خاصة من عشاق السلطة والتحكم في الآخرين، الأوضاع في العراق، وطوعوها لخدمة ميولهم ونزواتهم وتطلعاتهم لحكم الغير. لشديد الأسف، أظهرت الطبقات العراقية الشعبية رضوخاً وانصياعاً واضحاً لغول التحكم المعتمد على الأنفاس الطائفية الضيقة.
قُسمت البلاد والعباد إلى قطاعات ترابط حول خطوط تماس ملتهبة، لم تكن موجودة بالأمس القريب. تنتج عن ذلك شقوق وتقرحات قصيرة وطويلة الأمد، في الجسد العراقي، الذي يجب أن يكون موحداً. ذلك ما يؤمّن للسياسيين والفئويين والطائفيين، مناصب وكراسي تعتمد على المبالغة في اللعب على وتر الفوارق بين مختلف الفئات.
يعاني المجتمع العراقي اليوم تبعات تفرده بميزات، كان من الممكن أن تكون عناصر بناء وازدهار وتطور، ومنافسة شريفة هادفة بنّاءة. قادت الطبقة السياسية العراقية أتباعها من عامة الشعب، إلى وضع مشتِّتٍ للطاقات والجهود والإمكانيات.
وضع يُستجدى فيه التدخل الخارجي، ويُستعان به على شريك الوطن ومصدر العيش واستمراره. التدخل الخارجي بالدرجة الأولى، هو من قبل السياسيين الأميركيين الذين يتصرفون مثل عرّابين، ثمة أشرار، للعملية السياسية المشؤومة منذ أساس تكوينها.
يمعن السياسيون العراقيون، في مساراتهم غير مكترثين بمعاناة من زعموا أنهم أنجحوهم في انتخابات نيابية نزيهة وحرة. الرئيس يستجدي دعماً، وبشكل علني، من سياسيي الإدارة الأميركية. رئيس الوزراء العراقي «المنشود أو المتوقع»، يتوخى دعماً سياسياً من إحدى دول الجوار أو عدد منها.
الأمر ذاته يُقال في نواب الرئيس ورئيس الوزراء، والمناصب القيادية العليا الأخرى في النظام السياسي الجديد. باتت القوائم العراقية الفائزة في الانتخابات، منقسمة على نفسها وبشكل مزمن، قبل وأثناء وبعد الاجتماعات المعقودة.
لا يوجد ما يوحدها إلا الضغوط الخارجية، التي تُمارَس عليها بشكل أو بآخر. أصبحت الاستقلالية في القرار السياسي العراقي في خبر كان.
مبدئياً وعُرفياً ومنطقياً، فإن على من بدأ مسألة أو بالأحرى مهزلة اللعبة السياسية الميلودرامية في العراق، أن ينهيها. على الإدارة الأميركية أن تواجه الواقع الذي أوجدته عن وعي وقصد وسبق إصرار، باحتلال العراق وإخضاعه لعملية سياسية، هي أكثر العارفين بما ستؤول إليه. بالذات فإن إدخال أطراف طائفية فئوية حتى النخاع في لعبة سياسية ماكرة، حتماً سيؤدي إلى وقوع حمام دم، قد تكون له بداية وليست له نهاية.
على الإدارة الأميركية أن تدفع تكاليف سياستها الماكرة، مادياً وسياسياً ومعنوياً. آن الأوان لأن يأتي ساسة البيت الأبيض الكبار، للاعتذار لمختلف فئات وطوائف الشعب العراقي عما ارتكبوه في حقهم، علناً وعلى رؤوس كافة الأشهاد.
جامعة الإمارات