الـديموقـراطية.. وآيـديولوجية الأحــــزاب الـدينيـة الحـالة العـراقيـة نمـوذجـاً
28 تموز (يوليو) 2010 , بقلم خير الله سعيدلم تكن الفلسفة اليـونانيـة قد أخذت بعين الاعتبار الجانب الديني لدى أهـل أثـينا، عندما وضعت مفهوم (الديموقراطية) في القـرن الخامس قبل الميلاد، بـل إن صياغتها للمفهوم كان يحمل في مضمونه (سلطة الشعب الزمنية) إذ أن مفـردة ـ الديموقراطية ـ تعني في اليونانية ـ Krait السلطة. بمعنى أن سلطة الشعـب ـ هي السلطة الوحيـدة والشعـب هو Demos المقدّسـة في هـذا المفهوم، وليس سلطة الدين، ومن هـنا ندرك خوف الأحزاب الدينية من هذه المفردة، وبالتالي أصبح الخطاب الديني موجـّهـاً ضد (روح) هذا المعنى، فـوصـّف بالهـرطقـة، في الثقافـة الأوروبية ـ الغربية، وبالزنـدقة والإلحاد، في الثقافة العربية ـ الإسلامية، عند بعض الفقهـاء، ومن ثـمّ أُضيف إلى الخطاب الإسلاموي نعـتاً آخر، هـو (العـلمانية) بوصفهـا حاضناً للديموقراطية، مثلما هو سـائد اليوم في خطاب أغلب المتـأسلمين في العـراق وغير العـراق، وهكذا استطاع الخطاب المؤدلج بروح العـداء للحـداثة العلمية من بسطِ نفوذه على قطاع كبير من الفكر العربي المعاصر، لا سيما بعد خفوت نبرة (الإصلاح الديني) عند تيار جمال الدين الأفغاني ومحمد عـبده، في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ثم جاء الخطاب السـَلفي ـ عند الفرق الإسلامية المتطرفة، بعد النصف الثاني من القرن العشرين ليحجب العقل الإبداعي عند الغالبية العظمى في العالمين العربي والإسلامي، إذ أنـّه وقف بالضـدّ المطلق مع أي دعوة إصلاحية دينية، وكفَّر كل من خرج عن (مفاهيم هذا الفكر السلفي) في الجانب السـُني من الإسلام. أمـّا في الضفة الإسلامية الأخرى، الجانب الشيعي، فـإن مفهوم المرجعية والتقليد لهـا، أعمى عقول هذا الصنف، وحال دون التفكير بإيجاد (حداثـة) ترتقي الى روح العصر، وأعاد العقل الى دهـاليز القرون الوسطى، وسـيـّد مفهوم (حجـّة الإمام الغـائب) كولي للأمر بواسطة (ولاية الفقيـه) فكفّ عقول الشيعة عن التفكير ومواكبة حالة العصر الراهـنة. ومـّما زاد الطين بلـّة في هذا الأمر، هو ظهـور (أحزاب سياسية) تحت يافطة إسلاموية، بـدأت تؤدلج كل حضارة الإسلام وثقافته الى غاياتها الدنيوية، وبشكل طائفي مقيت، يتنافى ومفهوم عدالة الإسلام وثقافته الإنسانية، وبالتالي أصبح (هـذا الإسلام السياسي) رهيناً برؤى أشخاص محدّدين، هـُم أعجز من أن يدركوا روح الحضارة الإسلامية المبدعة، وبذا وقعـوا في تناقضات السياسة والدين، لا سيما في مسـألة (السلطة الزمنية) والتي حاولوا ويحاولون امتطاءها، هي والسلطة الروحية، لخدمة قضاياهم الشخصية والحزبية والطائفية، وليس ذلك فحسب، بل إنـّهم (جـيـّروا) المفهوم الميكافيـلـّي (الغاية تبرر الوسيلة) في سلوكهم الحزبي ـ السياسي، أثناء ممارسة السلطة الروحية والزمنية، ولم يكتفوا بذلك، بل أصبح التحالف مع الأعداء ضد المسلمين بديهـةً بعرفهـم، بمعنى أن مفهوم الثـقافـة الإسلامية (أنصر أخـاكَ ظالماً أو مظلومـاً) المشتق من أحاديث الرسول الكريم، لم يعد نافعـاً في (ثقافـة الإسلام السياسي المعاصر)، بل أصبح (التحالف الستراتيجي) مع المحتل الأميركي، أو الشيطان الأكبر، ضمن قاموس الخميني الراحل، هـو البوصلة الهـادية لسلوك هـؤلاء الإسلامويين، ومن هنا نقرأ إزدواجية خطابهم الفكري والسياسي والأخلاقي أيضاً
[ ديمقـراطية الأحـزاب الطـائفية في العـراق.
لم يـدُر بخلد الأحزاب الطائفية في العراق أن تصل إلى سـدّة الحكم، ولكن «الأقـدار الأميركية»، وخسـاسـة حكم البعث الصدامي وبطشهِ بكل حـرّ وشريف، هي التي أوصلت هؤلاء الى السلطة السياسية، مضافـاً إليها قوّة ارتباط المصالح الشخصية بكبار «أصحاب البازارات» التجارية الإيرانية، فتجمـّعت كل هذه الظواهر لخدمة الإسلام السياسي المطـوءف في العراق، فعندما سقط نظام صدام حسين الفاشي في العراق، إثر الغـزو الأميركي عام 2003م، ظهرت هذه «الأحزاب السياسية الإسلاموية» الى الواجهة «بتحالفٍ مقـدّسٍ» مع الأحزاب القومية الكردية وتحت مظلـّة الاحــتلال الأميركي، لتمارس حكمـاً (ديموقـراطيـّاً) من النمط الكاريكتيري، مخبوزاً بماكنة الإعلام الأميركي، والتي فصـّلت هذا النموذج الهزيل من أشكال الحكم السياسي في العـراق، وكلنا يعرف أن أميركا ـ قبل غيرهـا ـ تدرك بوعيٍ هشاشة هـذا النموذج السياسي في إدارة الدولة، لكنـّهـا أصرّت عليه، لتعطي (مثالاً سيئاً) للإسلام السياسي من جهة، ومن جهـة أخرى، تريد أيضاً أن تفضح هـذا الإسلام السياسي، بغية الإيحاء للعالم بأنـّهم «رُسـل الديموقراطية» الحديثة، إلاً أن التطبيق السياسي لهذا النموذج السلطوي فضح خطل الرؤية الأميركية لتطبيق الديموقراطية في العراق، من خلال ممارسة هذه الأحزاب الطائفية، بمعنى أن المفهوم الفلسفي للديموقراطية يتعارض كليـّاً مع الوجهة الأميركية في رؤيتها لفلسفة الحكم. وقد ظهر التناقض في أول تشكيلة للحكم السياسي في العراق ـ ايـّام الحاكم المدني بريمر ـ حيث أُعتمـد (التمثيل الطائفي والقومي ـ العنصري) في إدارة الحكم، وسـنّ على هذا الأساس (دستوراً) مليئاً بالتناقضات في أغلب مواده، الأمر الذي أحرج الإدارة الأميركية طوال فترة الحكم من 2003-2010م، فحاولت الإدراة الأميركية أن تظهر (ديموقراطية محسـّنة) تستجيب لفتوى المرجعيات الدينية الشيعية، لأن تكون الانتخابات ضمن (القـائمة المفتوحة) الأمر الذي حرّك الشارع العراقي قليلاً، فـأسقط رموز هذه الأحزاب الدينية الطائفية، وأظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة التي أجريت بتاريخ 7-3-2010 بأن الشارع العـراقي ضد هـذا التوجه الأميركي المعتمد على الأحزاب الطائفية.
وأظهرت النتائج وجود قوائم قوية متنافسة، خرجت عن رؤية السيطرة الأميركية، وتقاطعت كليـّاً مع التوجه الديني ـ الطائفي، إذ حصلت (القائمة العراقية) على 91 مقعداً داخل البرلمان الجديد القادم، محقـّقـة بذلك فوزاً واضحاً على بقية القـوائم الإسلامية المطوَّفـة والقـوائم الكردية، ذات التوجه القومي، الأمر الذي أثـار حفيظة الإسلام السياسي برمـّته. وبــدأت نغمة «التفسير القـانوني» برؤية مسـيـّسة من قبل المحكمة العليا لنص المـادة - 76- وبناءً على طلب من رئيس قائمة (دولة القـانون) السيد نـوري المالكي، وجاء الرد المسـيـّس بشكل واضح بـإشارة الى (أن الكتلة الأكبر في البرلمان، هي التي تشكـّـل الحكومة القـادمة). بمعنى أن - أصوات الناخبين- ضاعت تحت هـذا التفسير الخاطئ والمتعمـّد بصيغته هـذه، الأمر الذي يشير الى التجاوز على روح القانون الدستوري، وكل العالم المتحضـّر الذي يفهم تطبيقات الديموقراطية يدرك، وبدون عناء، أن القـائمة الفائزة بأكثر الأصوات هي التي تشكـّـل الحكومة، كـحقّ انتخابي.
بمعنى آخر، إن في الحالة العراقية، ضمن هذه الإشكالية، جرى( التفــاف دستوري) بمضمون سياسي، لتكيـّف النص القـانوني لخدمة الأحزاب السياسية الإسلاموية الطائفية. ثم جرت /تجـاذبات إعـلامية/ بين الأطراف السياسية المتنافسة للتشهير ببعضها البعض، وكشف هـذا (البازار السياسي) أنـّـه غايـة في الانحطاط، إذ أظهر هـذا البـازار، أن الديموقراطية ليس لها جذور معرفية ولا ثقافية ولا قانونية ولا أخلاقية عند الإسلام السياسي، حيث بـدأ التحرّك نحو (الاصطفاف الطـائفي) من جديد، ودخلت إيران بقـوّة واضحة في هذه المســألة، وفرضت على الصـدريين وجماعة حزب الدعوة، بكل أطرافه، وجماعة المجلس الإسلامي الأعلى، وغيرهم، لأن يعقـدوا (حلفـاً طائفيـّاً) جديداً يتجاوز كل التعارضات والغايات والأهـداف لكل مكوّناته.
ثمـّة سـؤال معرفي في علم السياسة، يفرض نفسه على الحالة العراقية هو: هـل أن السياسي في العـراق يعمل من أجل الوطن أم من أجل الحزب أم من أجل الطائفة أم من أجل القـومية؟ [ متابعاتنا تشير وتـؤشــّر على أن الأحزاب السياسية في العراق تـؤكـّـد ما يلي في ممارساتها السياسية: 1- سيادة نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في العملية السياسية الحالية.
2- نصوص الدستور الحالي، تستجيب كليـّاً الى هذه المحاصصة الطائفية، ممـّا يشكل إعاقة دستورية لتطبيق أي مادة تخص خدمة المواطن.
3- كشفت العملية الانتخابية في العـراق بتأريخ 7-3-2010، وما قبلها، من ظاهرة الإقصاءات السياسية والطائفية، تحت ذريعة (اجتثاث البعث) أن الطائفية هي الثابت الأرأس عند هذه الأحزاب الإسلاموية.
4- حـُرفت بوصلة الناخب لتصب في خانة المصالح الشخصية الضيـّقة للأحزاب السياسية، الطائفية والقومية والقائمين عليها، بمعنى حرف مسار عملية الانتخابات بالكامل لانتخاب البرلمان لتصبح عمليةً مجيـّـرةً للقائمين على تلك الأحزاب الطائفية والقومية، بشكلٍ واضحٍ. 5- تثبيت المحاصصة الطائفية من خلال (العرض والطلب) في الحوارات السياسية لهذه الأحزاب، بغية إبعـاد صوت البرلمان وفعاليته من محاسبة السلطة السياسية، وهـذا مؤشـّـر خطير على إضعاف البرلمان، وجعله تحت سيطرة السلطة الحاكمة وليس العكس. 6- أثبتت الممارسة السياسية لهذه الأحزاب، أن الطائفية لا يمكن أن تقـدّم مشروعاً وطنيـّـاً ينهض بالمجتمع العراقي ويعيده الى الحياة المعاصرة في رؤية حـداثوية تجعله في المكان الصحيح لشعوب المنطقة.
7- كل مؤشرات السلوك الطائفي والمحاصصة، في السلطة السياسية الحالية، تشير الى الاستئثار بالمراكز الحسـّاسة والوظائف العالية، وإبعـاد متعمـّـد لأصحاب الخبرة والكفاءة، من خارج هذه الأحزاب، وكأنما المجتمع العراقي هو فقط هذه الأحزاب الطائفية. 8- التحـايل الواضح على مـواد الدستور، وتكيـّفها القانوني لتصب في مجرى التوجه الطائفي، الأمر الذي يجرّد القانون والدستور من روحه، وتلك واحدة من أخطر مساوئ الحكم الطائفي في العراق وغيره.
9- أثبتت الممارسة السياسية للأحزاب الطائفية، بما لا يقبل الشك، أن المصالح الشخصية لقادة هذه الأحزاب هي فوق الطائفة وفوق الدين وفوق القومية وفوق الوطن والمواطن. إن الحـالة العراقية أبرزت للعالم كلـّه، أن الاحتلال الأميركي للعـراق لا تعنيـه الديموقراطية، ولا مساراتها السياسية، بـأيّ شكل من الأشكال.
تـوجـّـب الحالة العراقية على كل السياسيين في العراق، أحزاباً في السلطة أو في المعارضة أن يفهـموا بـأن أرضية رجال الدين لا تصلح للسياسة على الإطلاق، وقد أثبتت الممارسة لهؤلاء أنــّها أساءت للدين وأسـاءت للسياسة، ولا خلاص من هذه الحالة إلاّ ببرنامج وطني، يبعد رجل الدين عن السياسة بالكامل، ويجعل ثقافته داخل المسجد أو الكنيسة أو دور العبادة الأخرى، وهكذا فعلت أوروبــا بنهضتها الصناعية والفكرية، وأصبحت من المجتمعات التي ينظر الى تجاربها الديموقراطية بـاعتزاز وتقـدير، فهل نتـّعظ بذلك؟
السفير
([) (باحث عراقي مقيم في كندا)