fb

عراق أوباما ولبنان باراك

9 آب (أغسطس) 2010 , بقلم رون بن يشاي

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه سيسحب القوات من العراق حتى نهاية الشهر مثيراً بالدرجة التي يصورونها، لأن الأمر متوقع منذ انتخاب الرئيس. وهذا الإعلان يعزز صدقية أوباما كرئيس يفي بوعده السياسي، ولذلك يستحق نيل الثقة.

ومن وجهة نظر إسرائيلية، فإن الخطوة الأميركية لا تكاد تغير في الواقع شيئاً على المدى القصير. وبالمقابل فإن الأمر، على المدى البعيد، يمكن أن يولد تطورات استراتيجية مقلقة. فإذا أفلحت إيران بسبب الانسحاب في تسييد حلفائها في العراق، فهذا سيسمح لها بتحريك قوات عسكرية وجوية نحو الحدود مع إسرائيل، عبر تواصل جغرافي من دول مخلصة لها ـ العراق وسوريا. وهذا قد يساعدها أيضاً في نقل الإمدادات لحزب الله.

ولا تنتهي الصلة بإسرائيل هنا. فالتخطيط لعملية الانسحاب بدأ فعلياً قبل أكثر من عام في وزارة الدفاع وقيادة القوات الأميركية في العراق. وفي نطاق هذه الاستعدادات أخليت القواعد الـ 29 الأساسية للقوات الأميركية. وبقيت 23 قاعدة صغيرة نسبيا موزعة في أرجاء الدولية وأخليت معظم القوات التي نقل بعضها إلى أفغانستان.

وعملياً فإن قيادة القوات الأميركية في العراق نفذت، وفق تعليمات الرئيس أوباما، «المناورة» نفسها التي نفذتها قيادة الجبهة الشمالية في العام 2000 عندما قرر رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، إيهود باراك إخراج القوات الإسرائيلية من الحزام الأمني في الجنوب اللبناني. وكما هو معلوم، فإن المواقع أخليت من محتوياتها وأبقيت فيها فقط قوات قليلة قامت بتفجيرها والانسحاب منها بسرعة بعد ساعات من ذلك. وقاد العملية من كان حينها قائد الجبهة الشمالية، غابي أشكنازي.

ويمكن الافتراض أن قضية إخلاء العراق والدروس التي استخلصها أشكنازي من إخلاء الحزام الأمني كانت موضوع حوار هام في اللقاءات التي أجراها مؤخراً مع نظيره، الأدميرال مايكل مولن، رئيس الأركان المشتركة للقوات الأميركية. وفي كل حال اتخذ الأميركيون وما زالوا يتخذون التدابير نفسها. فقد أفرغوا ـ وما زالوا يفرغون، القواعد التي خدمت حصرا القوات الأميركية ويبقون فيها قوات قليلة للمحافظة عليها خشية سرقتها أو تنفيذ عمليات فيها. وفي 31 آب سيترك بضع عشرات من ألوف الجنود، معظمهم رجال إدارة وإمداد، وبذلك يكتمل الإخلاء رسمياً، لكن في العراق لا يزال أيضاً حوالى 50 ألفاً من رجال الجيش الأميركي الذين سيوصفون رسمياً بأنهم «مدربون» و«مرشدون» للجيش العراقي، للشرطة ولأجهزة المخابرات. وفضلاً عن ذلك لأنهم سيشكلون نوعاً من شبكة أمان عسكرية وسيمنحون مساعدة بنيران ثقيلة، بالسيطرة والرقابة وتشغيل الطائرات من دون طيار وباقي الوسائل الاستخبارية لقوات الأمن العراقية.

ماذا يريد أوباما؟

إن إعلان الرئيس أوباما أمس عن الإخلاء أعد من أجل تحقيق غايات عدة: الأولى، تعزيز مكانته ومكانة الحزب الديموقراطي لدى الجمهور الأميركي عشية انتخابات الكونغرس في الشهر المقبل.

وهدف آخر هو خلق إلحاحية في بغداد، جراء الطريق المسدود الذي وصلت إليه السلطة في العراق. ومنذ الانتخابات العامة التي جرت في آذار هذا العام لم تفلح الأحزاب والكتل السياسية الشيعية والسنية والكردية في التوصل لاتفاق فيما بينها حول تركيب الحكومة، والأمر قد يقود إلى صدامات بل وإلى حرب أهلية.

وإيران تعبث من خلف الكواليس بهدف بسط سيطرة أنصارها الشيعة على العراق. كما أن سوريا سوية مع السعودية ودول عربية أخرى تشد باتجاه حكومة مشتركة يكون فيها تمثيل واضح للسنة وللعراقيين العلمانيين. وتؤيد الولايات المتحدة هذا المسعى، لكنها لا تفلح في فرض إرادتها على الأطراف السياسية في العراق.

لا أحد يرغب في حرب أهلية في العراق، ولا حتى الإيرانيين. الوحيدون الذين سيربحون من ذلك هــم رجال القاعدة في العراق الذين سيعودون للاصطياد في المياه العكرة للصراعات الطائفية.

وسبب ثالث لإعلان أوباما هو رغبته في إيصال رسالة لسكان أفغانستان وللرئيس حميد كرزاي. ويسعى أوباما للتوضيح بذلك أن القوات الأميركية لا تنوي البقاء كقوة احتلال في أفغانستان أيضاً، ولذلك لا مبرر لدعم طالبان في محاربة من يوشك على الانسحاب بعد عام أو ما شابه.

وبذلك يأمل أوباما على ما يبدو أن يثلم قليلاً الكراهية والضغينة التي يكنها الأفغان غير المحاربين للأميركيين ولقوات الناتو. والرئيس كرزاي يتلقى رسالة واضحة بأن عليه المسارعة لبناء قواته الأمنية، وإلا فإنه وأنصاره سيبقون بعد عام من دون حماية ناجعة تحافظ عليهم وعلى حكومتهم الفاسدة.

إذا نجح الساسة العراقيون في تشكيل حكـومة مستقرة، لفرض الأمن في بلادهم وصد محاولات إيران لتحويل العراق إلى تابع لها، وهذا قد يعزز مكانة الولايات المتحـدة في المنطقة وتحسن صورة أوباما. وإذا فشلوا، فإن الانسحاب من العراق سيضعف مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبشكل غير مباشر مكانة إسرائيل أيضاً، في كل ما يتعلق بمساعي إحباط المشروع النووي الإيراني، وأيضاً بشأن الجهد الأميركي لتحقيق نتائج فعلية في المفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين.

رون بن يشاي

موقع يديعوت 6ـ8ـ2010

fb