fb

الواقعيون الروس العظام( دوستيوفسكي وتطهير النفس )

29 آب (أغسطس) 2010 , بقلم صباح علي الشاهر

ويمضي الزمن قليلاً فيلمع نجم دوستيوفسكي (قام الدكتور سامي الدروبي بترجمة المؤلفات الكاملة لدستيوفسكي إلى اللغة العربية، وقد صدرت هذه المؤلفات عن عدة دور نشر عربية، ثم قامت دار «رادوغا» في موسكو بإعادة طبع هذه المؤلفات الكاملة بالعربية ولنفس المترجم، بإعتبارها أدق وأفضل ترجمة ظهرت لحد الآن). هذا العبقري الذي نسبه المحافظون إليهم بسبب من إيمانه الروحي الذي يتفق مع آرائهم، فقد كان دستيوفسكي في واقع الأمر متديناً، وقد عدّ البعض دستيوفسكي المتدين رجعياً، وربطوه بالكنيسة بما يحمل هذا الربط من ثقل يومذاك، إلا أن عبقريّة دوستيوفسكي لم تكن لتتحنط في هذا الأطار الذي حاول بعض المنظرين حصره به، فكان عطاؤه تقدميّاً بكل المقاييس وهذا هو شأن العبقريّة في كل حين وآن، ولعلنا هنا، وفي روسيا، بإزاء بلزاك آخر، كذَّب أبداعه كل مقولات التنظير الجاهزة... لم يكن إبداع دستيوفسكي قمة من القمم الشامخة في الأدب الروسي فحسب، بل هو قمة شامخة في تراث الإنسانيّة قاطبة. لقد لوحظ في البدء تأثر دوستيوفسكي بغوغول، وكانت روايته الأولى «الناس الفقراء» متأثرة بشكل واضح بالمعطف الغوغوليّة، غير أنه سرعان ما إبتعد عن التأثير المباشر هذا، وطفق ينهج نهجه الخاص به، إذ دشنت روايته الرائعة بعد تجربته في السجن «ذكريات من منزل الأموات» عهد العبقريّة الدوستيوفسكيّة المتفردة، ثم عزز هذا المنحى بروايته الذائعة الصيت «مذلون مهانون»، ويستمر هذا العبقري في عطائه المتميز فيقدم: «الجريمة والعقاب» عام 1866، و «المقامر» «والأبله» عام 1868، و «الزوج الأبدي» عام 18691، و «الشياطين» عام 1871، و «المراهق» عام 1872، ومن ثم «الأخوة كارامازوف» عام1877. كل هذه الروايات تحتوي على عقدة مركزيّة، لعلها عقدة بسيطة إلى حد ما، تشتمل دائماً على جريمة، فرواية (الجريمة والعقاب) تصور لنا طالباً طموحاً يقتل إمرأة عجوز لسرقتها، ثم ينتهي به الأمر إلى إن يشي بنفسه ويعترف بجريمته، والأبله رجل طيّب في أعماقه يحتار بين إمرأتين، إمرأة يحبها وإمرأة محتاجة إلى من ينقذها، فيختار أن يتزوج الثانية وهي ترفض تضحيته، فتتركه وتلحق برجل آخر يقتلها في نهاية المطاف، و«الأخوة كارامازوف» تتحدث عن خطأ قضائيٍّ مأساوي.. في كل هذه الروايات وفي غيرها تتوفر عناصر الرواية البوليسية، حيث حبكة الشدّ، والقدرة على الإحتفاض بالسر إلى أخر الرواية، هذا السر الذي يظّل يحملة شخص أو بضعة أشخاص حتى نهاية الرواية، أو نهاية الحدث أو الأحداث، وهناك أيضاً توالي الصدف الغريبة التي تجمع هؤلاء الأشخاص حاملي السر أو الأسرار، وتجمعهم في مكان واحد وزمان واحد، وهما مكان وزمان غير متوقعين، وتراكم حوادث الموت الفضيعة والمأساوية، وشمول الرواية على عدد من العقد الثانوية التي يتداخل بعضها في بعض في نسيج محكم يشد القاريء حتى النهاية... كل هذه الأمور تقرّب الأعمال الروائية لدويستيوفسكي من حبكة فن الرواية البوليسيّة، غير أنه لا يمكن الزعم بإن روايات دويستيوفسكي إنما هي روايات بوليسية صرفة. إن دويستوفسكي الذي يتمتع بقدرة هائلة على الخلق والإبداع، سواء في رسم الأشخاص، أو تتبع تطورهم، بالترافق مع نمو وتطور الأحداث، هؤلاء الذين كانوا يجدون في الرواية مكانهم المناسب، كان معنياً بالأساس بالإنسان أكثر من عنايته بالحدث، متتبعاً بمثابرة لتحولاته وتقلباته السايكولوجية، فدوستيوفسكي بعد أن يرسم الشخصيّة بدقة، يضعها وسط الأحداث، ويتركها تتصرف بناء على ردود أفعالها التي لم تكن وبأية حال من الأحوال ردوداً إعتباطيّة، بل ردود أفعال نابعة من النفس المضطربة بمواجهة الأحداث الشاخصة، إن دوستيوفسكي الروائي يكاد يغيب عن عمله، حتى ليبدو ظاهرياً في الأقل أن لا تأثير له على مصائر أبطاله بحيث يبدو كما ولو أن شخوص الرواية غير مخلوقين وإنما هم يلجون الأحداث بإعتبارها أحداثهم هم، يتحركون ويعملون وينمون بشكل طبيعي، حتى يخيّل للقاريء أن لا وجود لدويستوفسكي الروائي أو المبدع، وإن مصائر هؤلاء تتحدد بمعزل تام عن إرادة ورغبة المؤلف. كما يلاحظ قلّة المناظر، أو عدم إهتمام الروائي الإهتمام الكافي بها، إن المكان لدى دويستوفسكي مكان داخلي تستجلبه طبيعة الشخصيّة بشكل عام، وإن وجد وصف لمدينة أو مكان ما فإن هذا الوصف مُوحى به أكثر مما هو موصوف، وهذه الأماكن على صلة مباشرة وأكيدة بحالة أشخاص الرواية النفسيّة. إن ما يعني المؤلف ويستأثر بإهتمامه إنما هو الحالة النفسيّة، فمهندس النفس البشرية مولع بهذه الحالة إلى أبعد الحدود... يبدو أن الفترة التي قضاها دوستيوفسكي في السجن قد فرضت على فكره مسألة العلاقة بين المجرم وعمله، وكذا آثار هذه الجريمة على نفسيّة القاتل. إن آثار الجريمة في سلوك وتصرفات ونفسية القاتل، من الأمور التي شغلت بال دستيوفسكي، والذي إنصب إبداعه على معالجتها وتناولها، فراسكولنيكوف أشهر شخصيات دستويفسكي، بطل «الجريمة والعقاب» يقدم على جريمة تافهة بكل المعاني، إذ يقوم بقتل إمرأة عجوز من أجل سرقتها... وفي مجال تبرير هذه الفعلة يبين راسكولينكوف أنه ليس عملا إجرامياً بالمرّة أن يقدم شاب لديه قدرات وطاقات كثيرة ونافعة، لكنه محروم من المال الذي هو بأمس الحاجة إليه، أن يقدم على قتل عجوز مرابيّة، لا أهميّة ولا دور لها، وهي بالإضافة لكونها هامشيّة وجشعة فإنها إنسانة تالفة.. إن عملية القتل هذه ستتيح للشاب الطموح المثقف الذي يعي ويفهم الحياة، ويقدرها حق قدرها، الحياة الملائمة، وربما يكون بإمكانه تقديم خدمة أو خدمات للمجتمع، إلا أن هذا الطالب المثقف والقاتل كان ضعيف الأرادة، ولم يقدِّر تأثير عمليّة القتل عليه حق قدرها، وبالتالي فإنه لم يستطع الإستفادة من جريمته، هذا إذا كان لجريمة مهما كانت فائدة لأحد، وإنما يقوم بالإعتراف بجريمته... يرى س. بتروف (إن كل أبطال دوستيوفسكي تقريباً مرسومون حتى النهاية. إنهم بحق نماذج، ولكن راسكولينكوف في «الجريمة والعقاب» يشذ عن ذلك فقد فَتَلَ المؤلف رأسه بشكل غير مشروع وبدون تسويغ كاف عندما أخضعه للفكرة المسيحيّة القائلة بتطهير النفس وإنقاذها من خلال العذاب والألم) يُطرح سؤال هنا، لماذا يكون خضوع راسكولنيكوف للفكرة المسيحيّة القائلة بتطهير النفس وإنقاذها من خلال العذاب والألم، تفكير وتصرف غير مشروع بالنسبة لشخصيّة مثل شخصيّة راسمولنيكوف؟ وفي زمن مثل زمن راسكولنيكوف؟ وبعد جريمة لايقر مشروعيتها سوى منطق مثل منطق راسكولنيكوف؟ إن جملة تصرفات لراسكولنيكوف غير مشروعة بما فيها جريمة القتل، وتبريراته الذاتيّة لمثل هذا القتل، فلماذا نريد تبريراً للجوئه إلى الفكرة المسيحيّة عن إنقاذ النفس من خلال العذاب والألم؟ إن أفضل تبرير لهذا اللجوء إلى الفكرة المسيحيّة هو شخصيّة راسكولنيكوف ذاتها، والتي كان يمكن أن تلجأ للكثير من المواقف وواحد منها في الإقل هي فكرة تطهير النفس المسيحيّة... إن راسكولنيكوف الطالب يبحث عن طريقه دون أن يهتدي إليه في مجتمع يُضّيع الآلاف غيره، ويرغم الكثيرين على اللجوء إلى حلول ميتافيزيقيّة أو الإيمان بمثل هذه الحلول... وفي مجتمعاتنا المعاصرة، ونتيجة إحباطات جُلها سياسية نجد البعض حتى ممن كانوا يؤمنون بالأفكار العلميّة يلجأون إلى الحلول الميتافيزيقيّة، فلماذا نعتبر إختيار راسكولنيكوف القرن التاسع عشر للحل الميتافيزيقي غير مشروع وبدون تسويغ كاف؟! أن عناية دستيوفسكي بشخصيات العمل الروائي، تدفعه لتتبع أدق التفاصيل، حتى تلك الحالات والمواقف التي لا شأن لها على ما يبدو بالعقدة الروائيّة، ولكن لدى إمعان النظر يتضح أن لاشيء مما سطره يراع دوستيوفسكي زائداً عن اللزوم، فهو يُضيء أشخاصه بأستمرار ودونما إنقطاع، يتتبع لا مشاعرهم وأحاسيسهم الظاهرة، أو المُعبر عنها، وإنما يغوص في اللاشعور، فاتحاً طريقاً رحباً لمعرفة واكتشاف الإنسان، هذا الكائن البالغ التعقيد، ولم يكتف دستيوفسكي بهذا فحسب بل أولى عنايته الفائقة بتلك القوى الخفيّة التي تحدد مصائر البشر. لقد إختار حقل عمله في الميدان الوعر والأصعب، ألا وهو ميدان المهووسين والعصابيين، غير الإسوياء، والذين يعانون من حالات مرضيّة سايكولوجيّة ظاهرة أو مخفيّة، فعلى سبيل المثال فإن الأمير (ميشكين) مُصاب بالصرع، ونفس الشيء يُقال بالنسبة (لسمردباكوف)... والإثنان تنتابهم حالات، وتتلبسهم هواجس، ترتقي لدى الأول لحالة القداسة، أما لدى الثاني فتصل إلى الحالة الشيطانيّة... نفس الشيء يُقال بالنسبة لبقية الشخصيات المبتدعة... إنهم يعيشون حالات لا واقعيّة، ليسوا حالمين تماماً، ولا ممن تسيرهم أحلام اليقضة، إنه شيء آخر أكثر من هذا. إنهم أسرى لكوابيس مرعبة، وقلق دائم، إذا كانوا نفوساً ملوثة، ولخيالات مهوِّمة مُرضية، مُخدّرة ومريحة إذا كانوا نفوساً خيّرة... بين هذه الشخصيات المرسومة بكامل الحذاقة والمهارة لا يوجد وسط، إنهم إنموذجيون، وليسوا نمطيون. ولم يكن دوستيوفسكي ليعنى كثير العناية بالأشخاص السويين، إن جلّ إهتمامه منصب على الأشخاص المستعدين للقيام بأعمال قذرة، أو غير متوقعة، أو إجرامية، أو القيام بالأعمال الرائعة، وهو يدرسهم دراسة تجريبيّة فيضعهم أمام الجريمة، وأمام الحب، ويميز بين ثلاثة نماذج أساسيّة، رجل الفكر الذي يغلب عليه العقل، ورجل الهوى الجامح الذي تغلب عليه شهوات الجسد، والرجل البسيط الصافي، الذي لا غلبة للعقل لديه على العاطفة، ولا العاطفة على العقل... إن دوستويفسكي يفسح في رواياته مجالاً كبيراً للمحادثات والمناقشات الفكريّة التي تتخلل الحوادث على حساب الكمال الفني، حتى ليبدو أحياناً أننا في ندوة لسجال بين رأيين، إلا أن هذه المحادثات والمناقشات تخلع على الحوادث التي يتم عرضها معناها العميق، وتجعلنا نشعر بما في نفس المؤلف من ثنائيّة، وبما يختلج في قلبه من شكوك تضطره قوّة خفيّة فيه إلى التعبير عنها، ويحاول عقله أن يفكر فيها ويجيب عليها... هاجس دوستيوفسكي الملح إنما هو البحث عن الحقيقة، ولم يكن هذا البحث ترفاً عقليلاً، وإنما حاجة إنسانيّة ملحة، وهو بهذا يشترك مع تولستوي... إنهما يبحثان عن الحقيقة الإنسانيّة داخل الإنسان بالدرجة الأساسيّة

اتصل بنا 28 آب (أغسطس) 2010 الساعة 08 و54 دقيقة / سامر السامرائي — ss3_aa@yahoo.com حذف هذه المشاركةحذف هذه المشاركة

إدارة المنتدى العمومي لهذا المقال الرد على المقال اتصل بنا

الانفراد بالسلطة ..الحكومة المنتهية ولايتها مثالا...(سامر السامرائي) المتتبع للملف الوزاري للحكومة المنتهية ولايتها ومن خلال الوقائع التي يشهدها الشارع العراقي قد اخفقت في تنفيذ برنامجها الوزاري وعلى اكثر من صعيد وسبب هذا الاخفاقات والبحث عن تبريرات واهية غير مقنعة هو الانفراد بالسلطة واتخاذ القرارات من دون الرجوع الى الشركاء الذين دعموها بكل قوة وخاصة في تصديها للإرهاب والتخريب ولولا هذا الدعم الذي قدمه الشركاء لها لانهارت الحكومة في الأشهر الأولى من تشكيلها ... والإخفاقات المتكررة سواء على الصعيد الامني او الفساد الاداري والمالي او على صعيد الخدمات أصبحت علامة بارزة في مسيرتها مما جعلها عرضة للانتقادات الرسمية والشعبية وعجزت عن التعامل الواقعي مع هذه الملفات وراحت وعلى لسان رئيسها تكيل الاتهامات وتلقي بالأئمة على اطراف لم يرجع اليها او ياخذ رائيها في اغلب القرارات المهمة وعملها التنفيذي وتحت ذرائع ليس له واقع في الساحة السياسية العراقية . وهذا ما فجر الشارع العراقي الى ان وصل التذمر والياس الى درجة لايمكن السكوت عليه, ومما يسجل على الحكومة المغالطات والذرائع التي تسوقها اعلاميا بغية كسب عطف الجماهير والذي بات يؤشر يوميا على اخفاقاتها وذرائعها في وسائل الاعلام.

fb