هل وقع الانقلاب في العراق : حكومة المالكي كأمر واقع نهائي
17 أيلول (سبتمبر) 2010 , بقلم عبدالامير الركابينشر هذا المقال قبل بضعة اسابيع في كل من صحيفتي " القدس العربي " وجريدة "النهار "اللبنانية تباعا ، ثم تم نشره في "البديل العراقي " في قسم تطلعات ، وبالمناسبة فان مايتعرض له البديل بدا بعد نشر المقال ادناه وقد يكون هو السبب ، نعيد اليوم نشره بعد التصريحات التي ادلى بها نائب رئيس الولايات المتحدة الامريكية جو بايدن ، مرفقا بالخبر المنشور اسفله حول هذا الموضوع زيادة في القاء الضوء .
البديل العراقي
انتهت الانتخابات العراقية الى انقلاب " أمر واقع " . فلقد انجزت حكومة المالكي / المنتهية ولايتها كما يقولون / كل الاجراءات الضرورية للبقاء في الحكم ، سواء تم ذلك ، بموافقة او رضى الاطراف الاخرى ، او من دون رضاها . وبينما تتناقل وسائل الاعلام في الخارج والداخل ، انباء المفاوضات بين الكتل الفائزة ، فان ترتيبات ضمان استمرار السلطة بيد الحكومة الحالية ، والمالكي بالذات ، قطعت اشواطا وتم منذ فترة ، تامين الدعم اللازم عسكرياعلى المستوى العراقي ، وامريكيا ، للخيار الذي تحبذه الولايات المتحدة ، مع انها ظهرت وكانها مجرد ناصح ، يميل الى اقناع الاطراف الاخرى بقبوله ، والتصرف بمقتضاه . ويقف الجيش العراقي ، والقوات الامريكية من ورائه ، الى جانب الحكومة القائمة . بينما يتم التكتم على القرار الذي هو قيد التنفيذ الان . ولاتريد الولايات المتحدة ، ان تظهر بمظهر المضطر الى قبر " الديمقراطية " التي تدعي جلبها للعراق عن طريق الغزو . ويبدو ان هذا التطور كان بين العوامل القوية التي حدت بالادارة الامريكية الى الاخراج الاخير لقضية او مسرحية انسحاب القوات المقاتلة . فالولايات المتحدة تفضل ان تكون غادرت العراق ، قبل الاعلان عن الحقيقة التي انتهت اليها شكليات الممارسة الديمقراطية في ظل الاحتلال . وهي تامل بان يرتبط ظهور ملامح التطور الجديد ، وكانه من مفاعيل خروجها وانسحاب قواتها المقاتلة . ف"الديمقراطية " الامريكية التي نعم بها العراقيون ، يمتد عمرها من الغزو الى يوم الانسحاب الامريكي . وسوف نضطر طبعا للدخول لاحقا بمحاججات حول من يدير ومن نسق الانقلاب الحالي ، وكيف انهارت " العملية السياسية الامريكية " وفقدت قدرتها على الحياة والاستمرار .
يقف الجيش الامريكي عبر اصدقائه ، من العسكريين العراقيين الكبار، وبالاخص رئيس الاركان ، وراء القوات العسكرية العراقية الان بقوة ، وتؤمن بهذا الضمانة الاساسية لحفظ تضامن الجيش والسهر على بقائه موحدا ومصطفا وراء المالكي . الامرالذي يشكل الوسيلة التي يحتاجها المالكي لخوض معركة ، يعرف انه قد كسبها . على الاقل من ناحية ضمان استمراره في الحكم ، الا انه مثله مثل الامريكيين ، لايريد اعلان افلاس " العملية السياسية الامريكية " . ويفضل ان يتم الانقلاب وينفذ بطريقة " ديمقراطية " ، تاتي كنتيجة لرضى الاطراف الاخرى والمؤثر منها بصورة خاصة . ولاشك بان المالكي يفضل التوصل في النهاية الى اتفاق مع قائمة علاوي . وهذا مايريده الامريكيون ايضا ، ويعتبرونه الصيغة الافضل لضمان اقصى حد من اسباب الاستقرار الامني ، وتأمين مصالحهم ، بينما هم يفكرون بتغيير اولوياتهم ، فيحاولون الانتقال من سياسة الاحتلال العسكري المباشر القائمة حتى الان ، الى تامين التبعية السياسية والاقتصادية . غير ان الامر على مايبدو ، مازال يحتاج الى قبول من كتلة علاوي ، والظاهران بعض الترتيبات لم تنته بعد على هذا الصعيد . والتردد مازال يتحكم بمواقف علاوي والمنتضمين في كتلته . وهؤلاء لم يتاكدوا بعد من انغلاق السبل نهائيا اما م احتمال حصولهم على موقع رئاسة الحكومة . وهم لم يصلوا لدرجة التيقن من ان العراق يعيش حاليا في ظل انقلاب تم تنفيذه على الارض من دون اعلان ، مع ترك الباب مواربا لتجريع الاطراف الاخرى والقوى الاقليمية ، هذه الحقيقة .
ومن المفضل والانسب امريكيا ، ان توافق بعض الاطراف الاساسية على مواصلة اللعبة الديمقراطية . وتقبل ولو مكرهة بترشيح المالكي لدورة ثانية . فمثل هذا التصرف سيؤجل الاعلان عن انهيار " العملية السياسية الامريكية " ، ويجنبها ويجنب اطرافها التي تصدت لها من البداية ، وبدعم وحماية الاحتلال ، مصيرا كانت ترفض الاعتراف به بعناد .الاانه وفي مطلق الاحوال ، ومهما كانت النتائج ، او المخارج التي سيتم التوصل اليها لترميم الموقف ، فان العراق فعليا قد انتقل اليوم ، من حقبة الى حقبة سياسية اخرى مختلفة . ومسالة الديمقراطية ، وبعض مظاهرها ، ومنها ممارسة الانتخابات التي بشر بها الغزو الامريكي ، انتهت يوم 7/ 3 / 2009 من هذا العام .
ويتهاوى من هنا فصاعدا كل بناء "العملية السياسية " القائمة ، واولها الدستور ، الذي ظل يعتبر بمثابة منظم افتراضي للحياة السياسية في البلاد في ظل الاحتلال . وحسب الوقائع الراهنة ، فان الدستور قد تحول من اداة تنفيذ للارادة العامة للناخبين ، كما هو مفترض ، الى قانون يغطي مخططات قائمة على الاكراه والفرض . وبحسب الولايات المتحدة وايران معا ، فان المالكي يمثل المشروع الاقرب لضمان مصالح الطرفين ، في ظل خيارات قدلاتنسجم باغلبتها الساحقة مع مقتضيات " التفاهم الضمني " ، الامر الذي يضع الاطراف العربية وتركيا في نهاية المطاف ، خارج التاثير الذي كانت تتخيله او تامل به . لقد اعلنت ايران مبكرا عن خيارها ، حين قررت ارسال سفير جديد للعراق في عز التداخلات الانتخابية ، بعدما اقدمت على كف يد قاسم سليماني ، ضابط المخابرات الايراني ، الساعي للتحكم بمفاصل الوضع العراقي ، والذي لايكن للمالكي اي قدر من المودة . هذا في حين ان السفير الجديد ، هو من اقرب المقربين للمالكي ومن اعز اصدقائه . وبينما يواصل التيار الصدري تخبطه ، ويتحول الى قوة مماحكة ضمن شروط "العملية السياسية الامريكية " ، حتى يكاد يصبح جزءا منها . فان تيار "المجلس الاعلى" يقاتل مستميتا بعد ان فقد دوره وموقعه شعبيا من خلال صناديق الاقتراع ، محاولا ابتزاز ايران ، وتوهم القدرة على دفعها للتصرف بالضد من مصالحها . اما الامريكيون فيعتقدون بان المالكي الاكثر تفلتا من قبضة ايران من بين الشيعة . وان عراقيته تتفوق على اي انتماء آخر . وان وجوده في الحكم ، بالاضافة الى علاوي ، يعني ان الايرانيين لم يربحوا المعركة . ولكن كما ان ايران تعاني من تمردات حلفائها ، فان الامريكيين مازالوا لم يتوصلوا لاقناع حلفائهم داخل كتلة علاوي بالحل الانسب كما يرونه . وفي كل هذا وفي اجمالي اللوحة ، وتداخلاتها الاقليمية والعربية ، يلمس الان بالتجربة ، بان العراق ليس ساحة يلعب في رحابها الآخرون كما يلعبون في سواها . وان شبكة التداخلات الدولية والاقليمية ، مهما عظمت تظل محكومة لايقاع خاص ، ولحقائق العراق الصعبة والعصية على الجميع ، خاصة في الظروف الانتقالية الراهنة . ومانراه اليوم ،قد لايكون انتصارا للصيغة النموذجية التي يريدها الامريكيون . فتيار علاوي هو ماترغب امريكا في رؤيته على سدة رئاسة الوزراء ، بينما يفضل الايرانيون لو خيروا ، شخصا من " المجلس الاعلى ". فمن الذي خسر ومن الرابح في مانراه ، وماوصلت اليه التجاذبات خلال الشهور المنصرمة ؟
يهتم المرء هنا ودفعا لالتباسات عديدة ، مصدرها الاحكام الجاهزة ، الى تكرار البحث في حقيقتين . تبدءان بسوال ، حول مااذا كان العراق هو بؤرة تغيير في محيطة ، مع انه يغوص منذ نصف قرن تقريبا في سياقات انقلاب تاريخي لايخلو من مظاهر كارثية . والاقرار بهذه الحالة ، لها بالطبع اعتباراتها ومترتباتها الاقليمية والدولية ، وهي تختلف عن اعتبار مايحدث في هذه البلاد مجرد حالة وساحة تراكم احداث غير عادية . هذا اولا ، اما المسالة الثانية الحرية بالاهتمام ، والمتلازمة مع الاولى ، فهي ، قضية الفعل الذاتي العراقي ، وتجلياته وسط الحالة العامة وحالة الانهيار القصوى . لقد اشرنا مرارا الى الظاهرة الجديدة التي برزت منذ عام 2008 ، وتكرست خلال الانتخابات المحلية خلال الشهر الاول من عام 2009 ، ومن ثم ظاهرة الاحتجاج ، وهبة التظاهرات العامة ، وبالاخص في الجنوب ضد احتلال ايران لبئر الفكة النفطي . واخيرا انتفاضة الكهرباء القريبة ، والتي عادت تتجدد في الناصرية منذ يومين ، بعد خمود نجم عن اسباب تتعلق برغبة المجتمع بالتعبير عن نفسه باستقلال عن القوى والاحزاب الطائفية . هذه الظاهرة اي بروز التحرك او بدايات الحضور الاجتماعي والذاتي المستقل عن القوى والاحزاب المتسيدة والمشاركة في "العملية السياسية الامريكية " ، تستحق ان تتابع ، وان ينظر في تمظهراتها بضوء التطورات المختلفة ، وبالخصو ص منها ، الحالية التي اودت الى نهاية "العملية السياسية الامريكية" وفرضت اعتماد الانقلاب الصامت كما هو حاصل الان . ولاشك ان قوى مثل التيار الصدري ، او المجلس الاعلى ، اللذان يواجهان الان ضغوطا شديدة من ايران لصالح المالكي . او تيار علاوي ، الذي يتعرض على المنقلب الآخر ، الى ضغوط امريكية لنفس الاسباب ، لن يلبثوا جميعا ان يكتشفوا ، بان الخيارات امامهم قد ضاقت . وان مابقي هو اما المعارضة ، واعتماد القتال ضد المالكي والامريكيين والايرانيين . او الانضواء تحت سقف عملية سياسية ماتت . والآثار التي ستنجم عن الخيار الثاني ، لن تكون عند وقوعها متساوية الاثرعلى الجميع . وبعض هؤلاء ، سيكون مضطرا ، مثل التيار الصدري ، الى المفاضلة بين الانتماء الى القوى الوطنية العاملة خارج العملية السياسية ، واتباع النهج المؤدي للانتقال الى " العملية السياسية الوطنية " ، او تقبل المزيد من الخسارة ، على مستوى التصنيف ضمن الموقف والاصطفاف الوطني . وفي عموم الاحوال فان الانقلاب الحالي ، غير المعلن ، ونتائجه ، سوف تؤدي الى مزيد من الاستقطاب . والحركة الشعبية العفوية ، وخيارالانتقال الى "العملية السياسية الوطنية " وشعار التحرير، سيتمتع من هنا وصاعدا بزخم هائل .
واذا اعادت الحركة الوطنية ، ترتيب صفوفها ، وتلاقت مع تيار نهوض المجتمع المتنامي عفويا وذاتيا ، المهتدي بالحقائق الوطنية الثابته والتاريخية ضد الطائفية والمحاصصة ومشاريع التقسيم والاحتلال ، فان العراق سوف يدخل زمنا آخر ، والحسابات والتقييمات وقتها لما يعيشه العراق فعلا، وماينتظره وينتظر المنطقة ، ستتبدل كليا .