fb

في مخاطر التمييز الإيجابي

7 أيلول (سبتمبر) 2010 , بقلم علاء الاسواني

سافرت في إجازة قصيرة وفوجئت عند عودتي بأن السيدة نجلاء الإمام اتصلت بمكتبي أكثر من مرة. كانت معلوماتي عن نجلاء الإمام أنها مسلمة تنصرت، وقلت لنفسي من الجائز أنها بسبب تحولها الى المسيحية تعاني التضييق والاضطهاد، فعزمت على الكتابة دفاعاً عن حقها في اختيار دينها. ان حرية العقيدة حق أساسي من حقوق الإنسان، وقد كتبت وسأكتب دائما دفاعا عن حقوق الأقباط والبهائيين والمسلمين والبشر جميعا في اعتناق أديانهم وممارسة عباداتهم بحرية وكرامة.. كما أن الرأي الفقهي الأقوى في الإسلام يؤكد أنه لا عقوبة على المرتد. من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر... من حق نجلاء الإمام إذاً أن تتنصر، ولا يقلل ذلك أبدا من حقوقها كمواطنة مصرية. غير أنني شاهدت لقاءات نجلاء الإمام التلفزيونية المسجلة على الانترنت فوجدتها تتطاول على الإسلام وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ فاحشة. بعد ذلك اتصلت بالسيدة نجلاء الإمام وقلت لها بوضوح، إن من حقها أن تعتنق المسيحية، ولكن ليس من حقها أبدا أن توجه الإساءة الى الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأكدت لها أن هذا الكلام الفاحش لو أنها قالته في بريطانيا، الديموقراطية الأعرق في العالم، لكان كفيلاً بمحاكمتها جنائياً بتهمة احتقار عقيدة المسلمين والحض على كراهيتهم. بعد أيام وقعت حادثة طائفية أخرى، فقد اختفت السيدة كاميليا شحاته زوجة كاهن دير مواس بالمنيا، وضغطت الكنيسة على النظام المصري بتظاهرات حاشدة انتقلت من المنيا الى القاهرة، لم يمنع رجال الأمن المتظاهرين الأقباط ولم يضربوهم أو يعتقلوهم كما يفعلون عادة مع المتظاهرين المطالبين بالديموقراطية، وقد لوح قداسة البابا شنودة بتدويل قضية كاميليا اذا لم تحضرها أجهزة الأمن فورا.

هنا حدث شيء غريب، فقد تبين أن السيدة كاميليا اعتنقت الإسلام وذهبت الى الجامع الأزهر من أجل إشهار إسلامها، فإذا بالموظفين في الأزهر ــ حصن الإسلام الراسخ ــ يخضعون لتعليمات الأمن ويمتنعون عن إشهار إسلام كاميليا. بل ان أجهزة الأمن بدلا من أن تحميها اختطفتها وسلّمتها الى الكنيسة التي اعتقلتها في مكان مجهول. وعندما تظاهر المسلمون دفاعا عن حق كاميليا في اعتناق الإسلام قام رجال الأمن بضربهم واحتجازهم وتفريقهم. هكذا أصبح الوضع في غاية الشذوذ: مواطنة مصرية تمنعها الدولة من تسجيل عقيدتها التي اختارتها بمحض إرادتها، ثم يتم اختطافها واحتجازها رغما عنها، كل هذه جرائم يعاقب القانون المصري اذا ارتكبها أفراد، لكنه يقف الآن مكتوف الأيدي أمام الكنيسة القبطية، بكل ما لها من تاريخ واحترام. الأغرب من هذا أن السيد نجيب جبرائيل، محامي الكنيسة القبطية بعد أن شكر رجال الأمن الذين اختطفوا كاميليا، ناشد البابا شنوده من أجل مضاعفة مرتبات الكهنة ومنع زوجاتهم من العمل، لأن عمل زوجات الكهنة في رأيه من شأنه تعريضهن لزعزعة عقيدتهن المسيحية. انزعجت من هذا التصريح أولا لأنه يصدر من محام، طالما رفع لواء حقوق الإنسان التي يبدو أنها في رأيه تشمل الأقباط فقط دون المسلمين، وثانيا لأن السيد جبرائيل يعتبر زوجات الكهنة بمثابة كائنات فاقدات التمييز ضعيفات الإرادة يحتجن دائما الى وصاية الكنيسة وحمايتها حتى لو أدى ذلك الى منعهن من حقهن الطبيعي في العمل. وهذه النظرة المهينة للمرأة تتطابق للأسف مع رؤية بعض المتطرفين المسلمين.. الحقيقة الآن: أن مواطنة مصرية اسمها كاميليا شحاته يتم التنكيل بها ببشاعة. لم ترتكب كاميليا أية جريمة، ولم تخالف القانون، ولم تؤذ أحداً، لكنها اختارت الإسلام بمحض إرادتها، وبدلا من أن تكفل لها الدولة حرية العقيدة تواطأت مع الكنيسة ضدها الى درجة أن حضرة المفتي علي جمعه قال: «انه مسموح شرعا بتسليم المسيحيين الذين يعتنقون الإسلام الى كنيستهم». وهذا كلام غير صحيح ولا يستحق حتى مناقشته. ما يحدث الآن مع كاميليا شحاته قد حدث من قبل من سنوات مع وفاء قسطنطين المسيحية، التي أسلمت فتم تسليمها للكنيسة ولا يعرف أحد حتى الآن مصيرها وسط شائعات عن موتها أو قتلها.

إن مأساة كاميليا شحاته، تدل على خلل جسيم في وظيفة الدولة ووظيفة الكنيسة. المصريون جميعا مضطهدون من النظام الاستبدادي الذي جثم على مصر ثلاثين عاما فأوصلها الى الحضيض في كل المجالات. صحيح أن الأقباط يعانون كثيرا من التمييز ضدهم لكن مشاكل الأقباط لا يمكن أن تحل بمعزل عن مشكلات المصريين جميعا.. إن الكنيسة المصرية، بقيادة قداسة البابا شنودة الثالث، بدلا من أن تحشد الأقباط مع المسلمين في نضالهم من أجل العدل والحرية، تحولت الى حزب سياسي طائفي. لقد أصبحت الكنيسة في مصر هي دولة الأقباط الحقيقية التي ينتمون اليها ويذعنون لأوامرها الدينية والدنيوية جميعا. الكنيسة تتحدث سياسيا باسم الأقباط وتحثهم على مواقف سياسية بعينها وتقدم لهم مرشحين محددين، وتحضر لهم أتوبيسات تنقلهم ليدلوا بأصواتهم لمصلحتهم، وقد اتبعت الكنيسة المصرية سياسة مزدوجة لإخضاع النظام المصري لمطالبها: فهي في الخارج تستغل تعاطف الدوائر الغربية مع الأقباط وتتحرك بعنف من أجل إحراج النظام، إن تظاهرات أقباط المهجر وشكاواهم للمؤسسات الدولية والحكومات الغربية، كلها تتم بموافقة الكنيسة حتى لو تظاهرت بغير ذلك. أما السياسة الداخلية للكنيسة فتتلخص في إعلان الولاء الكامل للنظام المصري ومباركة توريث مصر من الرئيس مبارك الى ولده جمال. ولا يتسع المجال هنا لذكر التصريحات والمواقف المعلنة من البابا شنودة ومساعديه في التغني بحكمة الرئيس مبارك وإنجازاته التاريخية، مع تأييد جمال مبارك والتعامل معه باعتباره الرئيس القادم لمصر. وإزاء سياسة العصا والجزرة التي أتقنتها الكنيسة المصرية، ترنحت الدولة المصرية واهتزت خطواتها وتحول التمييز ضد الأقباط الى تمييز إيجابي في مصلحتهم على طول الخط، حتى ولو خالف ذلك العرف والمنطق والقانون, الأسوأ من ذلك أن مطالب الكنيسة المصرية كلها طائفية وليست وطنية. لم يحدث أبدا أن أدانت الكنيسة تزوير الانتخابات أو التعذيب أو قانون الطوارئ، كل ما تطلبه الكنيسة امتيازات للأقباط بدون الالتفات الى مطالب المصريين المشروعة. كأنما تبعث الكنيسة الى النظام المصري بالرسالة التالية:

«حقق لنا نحن الأقباط مطالبنا ثم افعل بعد ذلك ما شئت في المسلمين فذلك أمر لا يهمنا». إن الكنيسة في المسيحية سلطة روحية وليست سياسية أبدا، ولقد قال السيد المسيح بوضوح قاطع «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (إنجيل متى الإصحاح 22 ).

الغريب أن الكنيسة تعيب على الإخوان المسلمين خلطهم الدين بالسياسة بينما تفعل هي الشيء نفسه. لقد أنجزت الكنيسة المصرية تاريخاً وطنياً عظيماً في مقاومة الاحتلال والاستبداد، لكنها الآن تخالف تاريخها وتلعب دوراً سياسياً طائفياً سيؤدي الى إخراج الأقباط من الإجماع الوطني وسوف يحيلهم من مواطنين مصريين الى أقلية طائفية متواطئة مع نظام الاستبداد، تحقق مصالحها الضيقة بعيدا عن مصلحة الشعب والوطن. اذا استمر هذا التمييز الطائفي فستكون نتيجته الطبيعية إذكاء روح الكراهية ضد الأقباط، الأمر الذي سيشعل فتنة طائفية قد تحرق مصر كلها لا قدر الله.

إن قضية كاميليا شحاته هي قضية مصر. قضية العدل والحرية. قضية حق الإنسان في الاختيار. لو أن كاميليا شحاته كانت مسلمة وتنصرت لكتبت أيضا مدافعاً عن حقها في اختيار الدين الذي تريده. إن الموقف من مأساة كاميليا شحاته يكشف الحقيقي من الزائف في مجال الدفاع عن الحريات. لماذا لا نسمع الآن أصوات منظمات حقوق الإنسان ومنظمات تحرير المرأة الممولة من الغرب؟ لماذا لم تصدر الخارجية الأميركية والهيئات الغربية بيانات شديدة اللهجة تضامناً مع كاميليا كتلك التي تصدرها دائما دفاعا عن الأقباط والبهائيين؟ إن كاميليا قبل أن تكون مسلمة أو مسيحية، هي إنسانة، لا يجوز قمعها واعتقالها وإجبارها على تغيير معتقداتها الدينية مهما كانت الحجج والمبررات. إن الأديان جميعا جاءت من أجل حفظ كرامة الانسان وحريته، وكل من يعتدي على حقوق الانسان ليس من الدين في شيء. الديموقراطية هي الحل....

ينشر بالتزامن مع جريدة «الشروق» المصرية العنوان الإليكتروني Dralaa57@yahoo.com

fb