fb

خصخصة وتجذير الاحتلال

7 أيلول (سبتمبر) 2010 , بقلم عبدالزهرة الركابي

آخر تحديث:الثلاثاء ,07/09/2010

من حاضره المضطرب أمنياً وسياسياً، ينتظر العراق المحتل الانسحاب الأمريكي الرسمي أو الشكلي في حقيقة الأمر، ضمن المدة الزمنية التي حددها الرئيس الأمريكي أوباما في الربع الأخير من العام القادم، وقد لمس المراقبون للشأن العراقي، أن واشنطن مرتاحة على ما يبدو لوضعها هناك، خصوصاً أن مخططاتها في العزف على الوتر الطائفي قد أثمرت عن عدم تبلور مقاومة وطنية جامعة لوجودها، يكون بمقدورها إجبار أمريكا على الانسحاب المهين .

كما أن مقولة وزيرة الخارجية السابقة كونداليزا رايس “الفوضى البناءة” راحت على الصعيد العملي تفعل مفعولها، حيث إن هذه الفوضى بدت طاغية على المشهد العراقي أمنياً وسياسياً، إلى حد أن جماعات المنطقة الخضراء منذ العام الفائت حتى يومنا هذا، أفلت الزمام من يديها تماماً، وبدت في وضع مرتبك جداً لا سيما أن التفجيرات والصواريخ راحت تطالها في عقر الدار، بينما صراعها المحتدم منذ أكثر من خمسة شهور على كراسي حكم المنطقة الخضراء، هو مصيبة أخرى من مصائب الاحتلال التي جلبها إلى هذا البلد المحتل .

ولو استشرفنا الحال الذي سيكون عليه العراق من هذا الواقع المزري إذا ما جاء موعد الانسحاب الأمريكي، فإن كل القرائن المتوافرة والمدعمة بتصريحات أمريكية لا يشوبها الشك، تفصح بشكل سافر عن أن هذا الحال لن يتغير في الإيقاع الفوضوي والاضطراب الأمني والسياسي، كون هذا الاحتلال لن ينسحب عملياً بل حتى نظرياً، حيث ستبقى قوات أمريكية كبيرة في قواعدها التي صُممت وجُهزت لاستخدامات طويلة الأجل، وفي هذا السياق ستبقى قوات المرتزقة التي تُعد بالآلاف المؤلفة هي الأخرى في مواقع عملها، مع ملاحظة في هذا الجانب تتعلق بعمل المرتزقة في المرحلة القادمة، الذي سينصب على النوعية ووفقاً لمتطلبات هذه المرحلة التي يُفترض فيها أن الاحتلال قد أكمل انسحابه الرسمي، وأن القوات المتبقية تنحصر مهامها بجوانب تدريبية واستشارية .

لذلك، لا يخفى على أحد أن الاستراتيجية الأمريكية في حقبة ما بعد الانسحاب الشكلي من العراق، ستباشر عملها على منحى تجذير الاحتلال تحت مسمى “عمليات حفظ الاستقرار”، وهذا الأمر أقر به المتحدث باسم قوات الاحتلال الأمريكي ستيفن لانزا في حديثه إلى صحيفة “نيويورك تايمز” عندما قال، “عملياً لن يتغير شيء، وسيبقى في العراق 50 ألف جندي في 94 قاعدة”، وحسب زعم لانزا، فإن هذه القوات تكون مهمتها “إرشاد الجيش العراقي وتدريبه وتوفير الأمن ومكافحة الإرهاب”، ومن الطبيعي أن وراء هذه المهمة تغطية لتفسير أمريكي مفتوح، يعني أن هذه القوات ستعمل على تنفيذ كل شيء يريده الاحتلال .

والواضح أن أمريكا ستعطي أشكالاً لهذا الاحتلال بما في ذلك خصخصته، من خلال وجود مئة ألف من المرتزقة، كما يعمل مع وزارة الخارجية الأمريكية حوالي ثلاثة آلاف من المرتزقة، وهي بصدد مضاعفتهم، حتى يكونوا جاهزين لتسلُّم مهمات على شكل وظائف في العراق، وهذه السياقات التي باشرت فيها واشنطن لم تعد خافية، وإنما قامت بالإعلان عنها المصادر الأمريكية الرسمية، وهي ترمي من وراء ذلك إعادة تشكيل صورة الاحتلال الذي من المفترض أنه قد أعلن انسحابه الرسمي في ذلك الوقت، وستكون السفارة الأمريكية بمثابة مدينة أمريكية، باعتبارها أكبر سفارة أمريكية في العالم، كما أن حجمها الجغرافي يقارب حجم مدينة الفاتيكان، وإذا كان هناك شيء تستوجب الإشارة إليه في هذا الجانب، هو أن ثلاث شركات نفطية أمريكية أبرمت عقوداً طويلة الأجل لاحتكار النفط العراقي الذي أصبح 60% منه في عهدة الشركات الأجنبية .

ولهذا، فإن الاحتلال الذي يكون قد تشكل في صورة أخرى، سيبقى ملتزماً بتبني العملية السياسية التي أبدت الجماعات المشاركة في العملية السياسية خشيتها من الانسحاب الأمريكي، بذريعة التخوف من حصول انقلاب عسكري أو مجيء حاكم يجعل العملية السياسية رهناً لمشيئته، وهذه الخشية التي أبدتها هذه الجماعات، إنما تأتي من منطلق، أن هذه الجماعات أخذت تعترف بأن العملية السياسية السائدة، اصطنعها الاحتلال على مقاساتها، وهو من هذا الاصطناع عمد إلى تجذير وتجميل شكله في آن واحد، من خلال هذه العملية السياسية التي اصطنعها وتبناها الاحتلال مثلما أسلفنا، وهي في الوقت نفسه جعلت أتباعه وحلفاءه المحليين يهيمنون عليها، خدمة لمصلحتهم من جانب، ومن جانب آخر خدمة لمصلحة هذا الاحتلال .

إذاً، مستقبل العراق على النحو الآنف لن يكون مستقراً، وإن دوامة الفوضى والأمن المضطرب، ستستمر نحو الأسوأ، لا سيما أن قطاعات واسعة من المجتمع العراقي ارتضت المشاركة في آليات العملية السياسية من منطلق طائفي، وهو واقع يصب في خدمة الاحتلال بأي شكل من أشكاله، بيد أنه في الوقت نفسه يؤدي إلى استمرار ضياع العراق، بعدما أضاع الشعب البوصلة .

fb