صورة مرئية في كتاب مطبوع
8 أيلول (سبتمبر) 2010 , بقلم علي السودانيوها نحن الليلة المبروكة من عشر أواخر معدودات ، قد نقشنا نقطة ختمة كتابنا الجديد الموسوم ب " حانة الشرق السعيدة " وهو مختارات ومصطفيات ومنتقيات من قصار قصص ومن طوالها ، كنا أصدرناها كتيبات صغيرات نشرن وصدرن ببغداد وعمّان وبيروت وقد لملمنا الآن ما أشتهر منها مما تأخر وزدنا عليه مما تقدّم من قص وحكي وتزييد في سيرة معلومة وتنقيص من بعض حشو وفائض ، وتصحيح في كلم ، رفع سهواَ وهو على نصب ما كنا بجريرته مأخوذين ، وترميم حرف باهت أو ساقط من تحت يمين الطبّاع . ثم يسّر الرب لنا في مسعانا هذا ، صاحباَ رسّاماَ خطّاطاَ من أهل بلد ما بين النهرين ، أسمه بلاسم محمد ، فرش الأبيض والأسود وما لوّنت يداه ، على طول الكتاب وعرضه وكعبه الذي سوف تراه القوم واضحاَ مشعاَ متلألئأَ صائحاَ حين الرصف فوق الأرفف العاليات . صححنا المخطوط ونقحناه ومحصناه وفحصناه وأعدنا قراءته ترتيلاَ وقنوتاَ وكنا في سبيل حمله على الزندين كما وليد غض الى دار هيثم فتح الله آل عزيزة ، حتى نزّت من تحت قحف الرأس ، فكرة مفكرة معتقة مدهشة ، كنا أتينا عليها لغواَ وشرحاَ مع صحب قائمين ، فأنشقوا الى فريقين اثنين ، واحد قال : ما هذه منّا ولا نحن منها وأنك والله قد اتيتنا بما لا يستقيم ولا يقوّم . وفريق قال بها ورقص أثرها وغنى وطرب وقال : هي المنتظرة المنطورة التي لا تهدم ، بل تضيف وتدهش وتجمّل وتزوّق ، فأخذت وأستأنست بقول الثانين المثنّين ، وعفت ما نصح به من خاف وخشي أن تصير هذه سنّة مسنونة قد تأتي بخراب عظيم . أما الفكرة ، فهي كامنة في قصة طويلة مطوّله ، أتلوها وأصوّرها والوّنها وأموسقها وأدوزنها بصوتي الذي هو من صوت حكواتية وقصّخونات مقاهي بغداد العباسية وما حولها ، ثم تقوم فتية عالمة عارفة خبيرة ، بتسجيلها ونقلها ورصفها ورسمها فوق مدورة قرص مدمج مستل من نعمة الحداثة والعلم ، تسميه الناس العامة " سي دي " سيشيل الحكاية المصوتة بين حزوزه وعلى تدويراته ، ويدسّ في جيب من ورق قوي وباب مثلثة في طيّة تختفي وراء صفحة الغلاف الأخير فيبدو المنظر كما كنغر أسترالي رحيم يشيل بكيسه كنغرة غضة ، فأن جاءت الناس القارئة المشتاقة ، على قص وقصص الكتاب كله ، ناشت لحظتها ، القرص الذي أسمه الأفرنجي " سي دي " وأرتاحت الى الأنصات الى أخير حكايات المخطوط المطبوع التي كنا أستقيناها من بطن حانة مرمية تحت أقدام جبل من جغرافيا قاع المدينة . بطل الحكاية صار مشهوراَ كأنه واحد من كراسي الحان الراسخات ، ولترويج القص وتزيين الحكي وتطريب السامع الذي كان قبل لحيظات قليلات ، قارئاَ كدوداَ ، زدنا على منعطفات القصة وتلافيفها ، أصوات تطريب وترغيب وغناء حلو عذب فرات ، يتناصص مع النص وينداح مطمئناَ من حناجر وبلاعيم وخياشيم وخشوم طربية من مشاهير ومزامير أهل الرافدين وأهل النيل والشامية ديارهم والحلبية تكياتهم ، والمغربية متصوفتهم ، وقوعاَ على ترتيلات وتجويدات المكّيين والمدينيين والنجديين النجادّة والدلمونيين البحارنة والبغداديين البغادّة المتبغددة ، حتى تصير القصة المقصوصة المسموعة المرئية الممثلة ، قصة قصيرة لا غبار نقدياَ عليها ، لكن ربما وقعت القوم في جدل وجدال ونطح ونطاح ، لا يفسد القصة والكتاب ، ولا يشيّب قلب خلّاقه وصاحبه . هذا ما أحببناه وعشقناه وهمنا به وبها حد الوجد والوله ، حتى أندقّت قدّامنا - وجيوبنا مثقوبة أبداَ - أسافين الكلف وأثمان الورق ولباس الكتاب الضخم الذي سيكون حتماَ من ورق مقوّى شديد ، من منزلة الأغلفة التي تنام في مخادعها ، بطون كتب التراث ومتونه في الأرض ، وكتب السماوات العزيزة ، حيث التذهيب والتفخيم والتبجيل ، فطوينا فكرتنا وأرجعناها الى بنك الذاكرة وحقها المحفوظ بفرمان الملكية الفكرية ، وقد نعملها في سنين يسر قد تأتي ، أو قد لا تأتي ، فيصنعها بعدنا ، مجتهدون ومجتهدات ينامون على جرار من فضة وذهب ودينار . alialsoudani61@hotmail.com