كتاب عن العراق / الحاجة إلى مرحلة انتقالية مستقرة طويلة
15 أيلول (سبتمبر) 2010 , بقلم ياسين رفاعيةالمستقبل - الاربعاء 15 أيلول 2010
مَن يستطيع إنقاذ العراق، العراق البلد القوي المتماسك؟. جاءت أميركا وحلفاؤها ودمروه وتركوه أشلاء، فمَن يستطيع إنقاذه الآن؟ هذا السؤال الكبير طرحه كتاب صدر عن دار الساقي بعنوان "إنقاذ العراق بناء أمة محطمة" تأليف نمير أمين قبردار يقدم فيه برنامجاً تجديدياً، مفصلاً ومتكاملاً، لنهضة سياسية واقتصادية واجتماعية في العراق، ولقيام عراق علماني جديد، ليبرالي، ديموقراطي. وأهم المبادئ التي يطرحها فصل الدين عن السياسة، وإلغاء الدستور الحالي، والدعوة لفترة حكم انتقالية تركز على بناء الاقتصاد الوطني، وتمهد لمرحلة إصلاح سياسي، واستثمار احتياطها النفطي الغني لتصبح البلاد منارة للرخاء والازدهار. فالعراق الآن ما يزال في مهب الصراعات منذ عقود طويلة، منذ النظم الديكتاتورية التي قادت البلاد إلى خراب شامل وحرب مدمرة، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي عام 2003 الذي أدى إلى المزيد من الفوضى والعنف والتفكك تحت شعارات موهومة.
لكن الكاتب المولود في العراق، يبث الأمل من جديد ويدعو أبناء العراق إلى النهوض واستغلال طاقات بلادهم الغنية، وتحقيق مستويات عالية من الصحة والسكن والتعليم لكل أبناء الشعب. وإذا لم يبادروا إلى ذلك، فقد يتفكك العراق تحت ضغوط الصراعات القبلية والعرقية والدينية. وقد يمتد العنف الناجم عن ذلك إلى الدول المجاورة.
"إنقاذ العراق" كتاب ذو أهمية عالمية، يطرح منهجاً عقلانياً لإيجاد حل ناجح في بلد عانى تراجعاً مأساوياً، وهو كتاب صدر أولاً باللغة الانكليزية عام 2009، ثم صدرت له طبعة ثانية بعد نفاد الطبعة الأولى. وقد اسهم في ترجمته وتحريره وأشرف عليها كل من: نجدة فتحي صفوت، وعطا عبدالوهاب، ومدحت الجادر وهم من الكتاب والمفكرين العراقيين المتميزين الذين تبوأوا مناصب ديبلوماسية وإدارية بارزة في الدولة العراقية على مدى العقود السابقة، ولهم مؤلفات عديدة.
وقد علّقت على الكتاب شخصيات سياسية وديبلوماسية عالمية، فعن الكاتب قال مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق كارتر زبيغو بريجنسكي: "مواطن عراقي، بل مواطن أممي وخصم عنيد لصدام حسين، يجمع قبردار اتهامه القوي لسياسات المحافظين الجدد التي دمرت العراق مع رؤيته الجريئة لكيفية إعادة إحياء هذا البلد الغني، يجب أن يُسمع ويُقرأ على نطاق واسع"، أما هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق فيقول عن الكتاب: "يطرح رؤية واضحة ومادة قيمة للقضايا المعقدة من أجل عراق مستقر ومزدهر".
الكتاب الذي يبلغ عدد صفحاته 375 صفحة من القطع الكبير في ثلاثة أقسام وعشرة فصول. والكاتب قام بتحليل المرحلة الممتدة من غزو العراق للكويت إلى احتلاله عام 2003 والمرحلة التي أعقبت ذلك من خلال هذه المرحلة، حيث نشط المؤلف في المباحثات التي كانت تجري عن السياسة الخارجية مع كبار المسؤولين، ولا سيما ما يتعلق بمصير العراق. ان التطورات التي أعقبت سقوط صدام حسين أدت لسوء الحظ الى خيبة أمل شنيعة، لكن مسار الأحداث الخطير الحالي ليس مساراً غير قابل للتصحيح، ان ذلك يستغرق سنوات عديدة ولكن لو ان جمعاً حاسماً من العراقيين اختاروا في لحظة من لحظات الزمن ان يعيدوا بناء أمتهم على أسس عصرية فلا بد أن يتمكنوا من تحقيق النجاح والرخاء اللذين يصبوا اليهما الجميع.
أما الأخطاء التي ارتكبت بعد الاحتلال فأولاً: حل الجيش العراقي وجهاز الخدمة المدنية، وكانت المناشير التي ألقتها الطائرات تقول إن الولايات المتحدة هي ضد صدام حسين وليس ضد الجيش العراقي. ومع هذا فحين نجح الغزو الأميركي من دون مقاومة عراقية تذكر نكث المحتلون وعدهم وقرروا حل الجيش العراقي وطرد أفراده وهكذا لم يعد هؤلاء يتقاضون رواتبهم التقاعدية ولكنهم احتفظوا بأسلحتهم. وكان الخطأ الثاني انخراط الولايات المتحدة في إعادة هندسة المجتمع العراقي من جهة واختيار الاحتلال لزعامة تحل محل نظام صدام من جهة أخرى، فمنذ غزو الكويت عام 90 كان بعض الساسة العراقيين المغتربين وهم من ذوي السمعة السيئة يطرقون أبواب وكالات الاستخبارات الأميركية والأوروبية طلباً للدعم المالي والسياسي لتشكيل جبهة معارضة لحكم صدام. ان قيام واشنطن ولندن بدعم هؤلاء الأشخاص أملاً بأنهم قد ينجحون في زعزعة صدام قد يكون مفهوماً ولكن الأمر مختلف الآن تماماً حين قررت الولايات المتحدة نفسها شن الحرب على صدام. وما ان حققت النصر حتى قامت بتسليم زعامة العراق الجديد الى مثل هؤلاء الأشخاص غير الموثوقين.
أما الخطيئة الكبرى فقد كانت ترك الحدود العراقية مفتوحة لمن هبّ ودبّ، وجعل البلاد مرتعاً لتغلغل الإرهابيين الأجانب فيها، ان القتل الشنيع والدمار الفظيع الذي قام به هؤلاء الإرهابيون قد أسهم بدوره في مزيد من تفكك العراق. ان العراق اليوم هو مجتمع يتشظى بعمق ويكابد باستمرار العداوة والبغضاء والعنف. ولا يجد المواطنون خياراص سوى الاعتماد على تضامن طائفي من أجل البقاء. وفي الختام فإن الخطيئة الجسيمة التي وقعت منذ الاحتلال هي عدم الإدراك بأن العراق لا يمكنه ان يكون دولة ديموقراطية سليمة ومزدهرة، بين ليلة وضحاها. وان أي خطة بعيدة المدى لمستقبل العراق يجب ان تتضمن مرحلة انتقالية مستقرة تمتد من سقوط صدام حتى تحقيق النتيجة المرجوة. ان محاولة التغاضي عن هذا الشرط المسبق قد سببت الكثير من المشاكل في السنوات الخمس الماضية. وما زال الكاتب يعتقد انه لم يفت الوقت بعد، حتى في الوقت الحاضر، للإقرار بتلك الخطيئة الشنيعة والبدء بإقامة مرحلة انتقالية تحفل بالكفاءة والسلطة، في أمر جوهري لديموقراطية قوية وسليمة في العراق المستقبل.
[ الكتاب: إنقاذ العراق [ الكاتب: نمير امين قبردار [ الناشر: دار الساقي، بيروت 201